بقلم الكاتب والناقد الأدبي / دكتور رمضان الحضري
قلتُ سابقا : ( كانت الأمة العربية أمة عظيمة حينما كانت الكلمة العربية تساوي رجلا ، وكان الرجل العربي كلمة صحيحة في موضعه وفعله ) ، ولذا فقد كان الشاعر العربي في عصر ماقبل الإسلام أكبر ثروة في قبيلته ، وكان من الأشخاص الواجب حراستهم دوما ، وأهم من شيخ القبيلة نفسه ، لأنه فارس السلم في الثقافة والتعليم ، وفارس الحرب في الدفاع والمقاومة ، فلم يكن شاعرا للملاهي أو معاقرا للخمر أو مصادقا للغواني ، بل كان واجهة القبيلة بعلمه فيعلم أولادها ، ومدافعا عن عرضه وشرفه في الحروب ، ومسارعا للنجدة في الخطوب .
وهكذا كان حال عمرو بن كلثوم والحارث بن حلزة وعنترة بن شداد فلما ضربت الخيام للشعراء ، وأعدوا لهم الموائد الخاصة ، وبدأ التكسب من الشعر على يد زهير بن أبي سلمى والنابغة الذبياني والأعشى وحسان بن ثابت قبل إسلامه ، بدأت مشكلة الشعراء مع السلطة ، فبدأ استقطاب الشعراء مبكرا بالمال واللهو .
فتحول الشاعر العربي من كائن نوراني يحل في مجتمعه محل الأنبياء إلى متزلف للسلطة يحاول الوصول إلى المكاسب الشخصية مأجورا للحفاظ على نظام السلطة من خلال التنازل عن بعض القيم وفي حالات كثيرة عن كل القيم .
وقد سقط المتنبي عظيم الشعر العربي في هذه السقطة فمدح كافور الإخشيدي طلبا للمال وطمعا في السلطة ، وهجاه وقدحه حينما بخل واستغنى .
إن تفنيدي لتاريخ الشعر العربي من منظور اجتماعي سوف يجعلني أرى سقطات كثيرة في معظم الشعراء وميزات قليلة في أقلهم ، ولذا فدائما يعتاد الدارسون أن يعالجوا وظيفة الشعر على أنه درس لغوي ، وما هو بالدرس اللغوي ، وقد أشار الجاحظ إلى هذه المسألة في مواضع عدة من كتابه البيان والتبيين ، حينما طلب الشعر عند الأصمعي فوجد أن الأصمعي يهتم بغريبه ، فطلبه عند الأخفش فوجده لايجيد سوى إعراب الشعر ، فطلبه عند أبي عبيدة فلم يجد عنده سوى شعر يتصل بالأخبار والأنساب ، أما من رآهم الجاحظ يجيدون الشعر فهم على شاكلة الحسن بن وهب ومحمد بن عبدالملك الزيات ، وهما شاعران غير مشهورين في شعرنا العربي ، حيث إن شعرنا العربي مرتبط بوزارتي التعليم والثقافة في دولنا العربي ، وقلة من يبحثون بجد في المسكوت عنه شعرا أو نثرا أو لغة .
والمحزن للغاية أننا مازلنا نبحث في الأدب باعتباره درسا يحتاج لتفسير ، لنستفيد منه في لغتنا لا في حياتنا ، مما جعل اللغة تفقد أهميتها بالنسبة للحياة ، وجعل اللغة تفسر من خلال اللغة ، وهو ما يعني تفسير الماء بالماء بعد لأيٍ ، وهذا جعل من يظنون أنفسهم شعراء قدامى ومحدثين يتمسكون بالقالب اللغوي ، ولا يتمسكون بلغة الحياة وهي على مقلوبها أصح ( حياة اللغة ) ، فحياة اللغة كحياة الأفراد تنمو وتمرض فإذا لم تجد علاجا ماتت ، وأكثر حكماء اللغة في وقتنا الحالي لم يستطيعوا توصيف المرض ، فاللغة مريضة من سوء الاستخدام ، وتشكو فقر المعاني ، وشعرنا العربي مصاب بالسل ، فكثرة القصائد المتشابهة جعلته مريضا مرضا عضالا يحتاج للعناية المركزة .
إن الشاعر الذي يسعى خلف الألفاظ مستقطبا إياه لينسج معنى جميلا إنما هو لغوي يقدم تفسيرات جديدة للغة ، ويبدو أن الاجدى من وجهة نظري أن تكون اللغة في خدمة تطوير الحياة ، فحينما يأخذ الشاعر ألفاظه من الحياة ، فهو أكثر تجديدا للغة من اللغويين أنفسهم ، وهذا ماجعل دراسة اللغة في بلادنا العربية نوعا من التقعيد والتعسير والإبهام والطلسمة ، فلايعرف الطالب ماذا يعني أن الفاعل يجب أن يكون مرفوعا ؟ فهو يعرف الرفع بالضم لا على المكانة والأهمية ، ولا يدرك أن الرفع بالضمة هو أقوى الحركات صوتيا ، ولم نعلم أبناءنا أن الأصل في النطق التسكين على الوقوف ، بل جعل البعض التسكين مشكلة في اللغة ، رغم أنه الأساس .
وقد كان أفلاطون ذكيا حينما استبعد الشعراء من مدينته الفاضلة ، فقد توقع الرجل أن الشعراء سوف يفسدون المدن بالأوهام والخيال والبعد عن الحياة الحقيقية ، وما يعنيني من رؤية أفلاطون أن يربط بين الشعر الحقيقي والمجتمع السوي ، فحينما يكون الشعر موظفا في مجتمعه يستطيع أن يكون مؤثرا إيجابيا في هذا المجتمع ، ولذا فإن أفلاطون نفسه يمنع شعراء الديثرامب والأغاني الجنسية من مدينته ، ويرى في القالة نفسها أن الشعراء الذين يقولون ويتقدمون صفوف المحاربين ويحملون رايات أوطانهم هم الشعراء الحقيقيون ، بعبارة أخرى أنه يربط بين الشعر والسلوك ، وحينما جاء تلميذه أرسطو المعلم الكبير وجد أن للشعر ضرورة في خلق الاتزان النفسي للشاعر والمتلقي ، حيث ربط بين القصيدة الشعرية وبين الإحساس بالمتعة ومعاقرة الجمال في الكون ، فللشعر تأثير في نفوس قارئيه ، وهذا ماقاله ابن رشيق في كتابه العمدة : ( أن منزلة الشاعر تفوق منزلة البشر عموما فهو نبي قبيلته وزعيمها في السلم وبطلها في الحرب ، يحمي عرض بني قبيلته ويخلد بلاءهم ويشارك في المعارك راشقا العدو بسهام شعرية لها قوة خارقة للعادة ) .
إن الذين لايزالون يكتبون الشعر أو يدرسونه باعتباره نصا لغويا منفصلا عن الحياة والمجتمع ، لم يدركوا وظيفة للشعر بعد ، وهذا مايجعلني لا أثق في معظم النظريات المعلبة والمستوردة من تفكيكية وبنيوية ولسانية وغيرها ، وحينما نقدم نصا باعتباره شعرا نقدمه على وظيفة الشعرية في المجتمع لا على قياس اللغة ، فيحنما قال طارق بن زياد لجنوده في شبه جزيرة أيبيريا : ( العدو من أمامكم والبحر من وراءكم ) فهذه كلمات حقيقية مرتبطة بالواقع وبالمجتمع وبالظرف الذي يعيشون فيه ، وعلى قياس اللغة ليست فيها شاعرية البتة ، لكن الكلمات اكتسبت تأثيرها النفسي من الواقع وليس من اللغة ، ولذا فحينما اختار نصا شعريا أختاره من واقع المجتمع لا من واقع اللغة ، وهذا ماسوف أطبقه على النص التالي للشاعر المصري / عبدالعزيز جويدة حينما يقول :
أحاولُ جاهدًا وصفَكْ
وأختلفُ
معَ الأتباعْ
لهم رأيٌ ولي رأيٌ
ونختلفُ
على أنَّكْ
ملاكٌ حطَّ في قلبي
ففاضَ القلبُ بالإبداعْ
أخالفُهم وأقسمُ إنها ضوءٌ
ومحرابٌ أصلي فيه كي ألقَى
فؤادي عندَهُ لو ضاعْ
يقولونَ وهم في العشقِ منقسمونَ في الفتوَى
تعالَوا نجتهدْ فيها
لنحسمَ هذه الأوضاعْ
فهل محبوبتي بَشرٌ ؟
وإن كانتْ
لماذا لا تُشابهُهم سلوكًا
خِلقةً وطِباعْ
أليسَ الخلقُ مُتفقونَ في الأوضاعْ ؟
أُجادلُهم
بِكَلَّا إنها بَشرٌ
حباها اللهُ أوصافًا
فطهَّرَها وصفَّاها
من الحقدِ من الغلِّ من الحسدِ
من الأطماعْ
فنورُ جمالِها يَطفو
على سطحٍ من اللؤلؤ
وجسمٌ طِينُهُ مِسكٌ
ومغمورٌ بأضواءٍ من القمةْ
وحتى القاعْ
فسبحانَ الذي يَهبُ
ملائكَهُ
صفاتٍ من بني آدمْ
مَلاكٌ بينَنا قد جاءَ مختفيًا
وراءَ قِناعْ
تعالَوا وابحثوا معَنا
عسانا نَهتدي الآنَ
إلى شيءٍ من الإقناعْ
أقولُ ولستُ مدعيًا
ألستُ بشيخِكم في العشقِ أحبابي
ولي باعٌ طويلٌ في الهوى جِدًا
ولي أتباعْ ؟
أقولُ بأنها مَلَكٌ
وسبحانَ الذي سوَّى
وأبدعَ أيَّما إبداعْ
حَسَمْتُ بأنها ملَكٌ
أوافقْتُمْ ؟
أجابوا إنها ملكٌ
نعم واللهِ وافقْنا
وبالإجماع
*********
وختاما :
ما اللغة وما المجتمع في النص ؟ وما وظيفة مثل هذا النص في حياتنا ، هل النص نابع من المجتمع الذي نعيش فيه حياتنا ؟
لأي مدى استطاع الشاعر أن يوظف لغته لتصبح مؤثرة
في النسيج الاجتماعي ؟
هذه الأسئلة هي التي أرى ضرورة الإجابة عنها في اللقاء القادم بأمر الله تعالى .
