أخر العشــــــاق:(1)

 

بقلم / دكتور / أحمد مصطفى

يا أخر العشــــــاق اعلم أنه
أسمى معاني الحب ألايكتمل
والشعر إما أن تموت من الهوى
أو أن تمـــــــوت من الأمــــــل
في ظل هذا الكم الهائل من تراكمات السنين ،ينتاب المرء خواطر أشبه ما تكون بالإلهامات ؛تتواتر في ذاكرته ، وتسرى في اعماق ماضيه حين كان في مقتبل الشباب يسعى جاهدا لاثبات ذاته ويبحث عن النصف الأخر، ومن ذلك ما يلقى فى روعه منذ أكثر من عقد ونصف من الزمان فى بداية عمله بالحكومة ، شاء الله أن يكون لقائه بها،وهي من النابغات النابهات المثقفات العاقلات ، فتاة لها حال مع ربها، وهو ما بدا واضحا كالشمس فى كبد السماء ظهرا صيفا بعد مزيد من التعامل وكثير من القرب ،استنارت بوجودها حياته ، وكان اللقاء الصباحي يمثل بالنسبة له مشاعر متباينة وافكارا متنوعة مختلطة تلح على خاطره كلما اعتزم الكتابة عنها.
أشياء كثيرة أخرت كتابته ،فكلما هم جاءه هاتف من بعيد يرجيء مقالاته تلك المقالات التي باتت ميراثه منها ، كان على يقين أن كلامه سيقع دون قدرها، وأنه في حديثه عنها كمن يهدي الورد وردا ويلقي في البحر الخضم شلالا.
لكنه بعد زمن طويل ، وجد أن له قلبا يغالبه ،وأن مخاوفه ماهي إلا بقاء على عهده معها حين قرر كل منهما الرحيل ، فلا رؤية إلامصادفة ،ولاحديث إلا بغتة ،وكأنها قالت بملء فيها: لكي تستمر الصداقة ويستمر الود لاتكثر الاهتمام بي، كن أخا وصديقا كما عرفتك ؛فإن كثرة الاهتمام بمثلي أمال واهية وأحلام زائفة،اسأل عني ، لاتتساءل، كن رقيقا أنيقا وزر غبا تزد حُبا.. ”
كانا يتقابلا ن عند مدخل القرية كل صباح تقريبا، حتى تعودا اللقاء و الرحيل أيضا في نفس الساعة ،وإن تأخر عن موعد عمله ،كان موعدها غير المتفق عليه أهم ،وكانت رؤيتها أولى، كانت تعني له معاني الود والوفاء والعلم والوعى والاستشارة،حرئية الرأي ، قوية الشخصية واضحة التعبير، ردودها لم تكن طويلة مملة أو قصيرة غير مكتملة ،من يقترب منها يرى فيها فجر الحياة الذي طالما

عاش ينتظر انبلاج ألقه ..
ترافقا سنة كاملة إلا قليلا،لكنه على يقين أن العمر لايحتسب بالسنين ، فهذه السنة على اختلاف فصولها أدخلته في حالة نفسية انتابتنه إثر الفشل الزريع في أول علاقة عاطفية مشروعة ، وكاد يفقد الأمل في أن يجد الحب الذي طالما حلما به والفتاة التي يتمناها … تلك الفتاة المهيبة جميلة الطلة .. حلوة الحديث .. عذبة الصوت .. لطيفة العِشرة .. كان يراها في زيها المتواضع الجميل ، فإذا بالحياة تتلون بلون الحدائق الغناء ،والسيارات المكشوفة التي تأخذه إلى عمله ؛ تستحيل عربات قطار مكيفة ، وعربات النقل المغطاة كأنها طائرات تحمله إلى مكان الفراق ؛ليغادر كل منهما إلى وجهته ،كان يسبقها غدوة فينتظرها وروحة فتعزله الظروف…وهي كما هي يخرج الكلام من فمها وكأنما حبات النور تنداح من ثنايا أبعد نجم في السماء …. وتمضي الأيام ويطالع بعينيَّه ألق الفجر الصادق … ويعود صوتها إلى أذنه و وجدانه إلى عهدها الأول وبهائها القديم .
وإت تعجب فعجب أمرهما ؛حين اكتفيا بالحب الصامت الذي يكتفي فيه صاحبه بتأمل حسن محبوبه .. ولم يحاول كل منهما التعرف على المزيد من أسرارالآخر.
ويأتي الشتاء بهالات الود والقرب ، والشتاء في بلدته على مافيه من متاعب وعواقب، إلا أن لياليه دافئة، وحكاياته ثرية، ،ترى فيه النساء ينزحون ماء المطر وهن يمازحن السماء، ويشرن بأصبعهن نحو زخاته الرقيقة ، ويتجولن حاملات مازاد على الأسطح وكأنهن نجمات سينما خرجن لالتقاط بعض الصور قرب هذا الطريق الذي يعج بماء المطر ويعرقل حركة السير، وكانت تحب هذا الجو المشحون بعواطف القرية ،وتحب لياليها القمرية الجميلة وأهلها البسطاء بأجمل صورهم وهم يرحبون بالشتاء ،وتحمل أنعامهم أحمال البرسيم الأخضر الذي أثقله الندى وجمله الغيث…. ( وللحديث بقية )

Related posts