نـــــــدما ….لــــــــــم يــــــــأت ….. المســــــــــــاء 4
**************************************
الحلقة 1
بقلم / مايسة إمام
–النوافذ عابسة الملامح والستائرتكسوها كغيوم شتاء كانون ، رائحة نهايات العمر تفوح ، وخطوات الزمن كصاحبة المكان ثقيلة بطيئة لا تؤذن برحيل .
وبين الجدران الباردة تقبع ( مجيدة ) التي تودع العقد الخامس من عمرها في ركن قريب فوق الأريكة تتابع رفيق وحدتها والصوت الوحيد الذي يتردد في المكان دونها ( جهاز التليفزيون ) .
ويخيل للرائي للوهلة الأولي أنها تتابع ما يُبث أمامها بكل تركيز ولكنه الخداع البصري ليس أكثر ، فهي تكاد تكون لاترى أو تسمع وإنما محاولة يائسة لدعم الإحساس بالوجود ، فوقائع حياتها المنصرمة وضعتها فوق هذه الأريكة الكريهة ، هل هو ثواب أم عقاب ؟!
_ طرقات بالباب على غير العادة تشبه نداء من عوالم خفية جعلتها تقوم متثاقلة مرغمة لتجيب الطارق وهي على يقين أنه إما محصل الكهرباء أو الغاز، وفتحت الباب لتجد الوجه الآخر لشريك عمرها يقف أمامها، ابنتها الكبرى ( ولاء ) ولم يكن اللقاء المتوقع من أم بابنتها التي مرعلى غيابها عنها أكثرمن عامين فقد تبدلت حالة الضعف والانكسار بوجهها إلى شدة وصلابة وقالت بنبرة متنمرة دونما تتخلى عن الحديث من خلف عازل سلكي بالباب : نعم جايه ليه ؟!
( ولاء ): جايه أشوفك وأطمن عليك ياماما
( مجيدة ) : شكرا …. متتعبيش نفسك أنا كويسة أوي أوي ومش عاوزة منك حاجة .
وأنهت الحواروأوصدت الباب في وجهها تاركة إياها أشبه بالسائلين وذوي الحاجة الذين يدقون الأبواب ويتأفف منهم قاطنو المكان .
_ لم تكن تلك المرة الأولي التى تُطرَد فيها ( ولاء ) كالمنبوذين وتنزل الدرج ذليلة تسبقها دموعها رغما عنها ،والأفكار تدك حصون جمجمتها لتفتك بها من شدة الانفعال والألم ، رغم تكرار الموقف مراراٌ من الأم وعودتها لبيتها وزوجها وأولادها وهي تحمل هزيمتها في مضمار المحاولة مع كسرة قلب لا تضاهيها كسرة والسؤال الذي بات يؤرقها ليل نهار ولا تجد له جوابا مقنعاٌ منذ سنوات ، منذ أطاح زلزال عنيف بالجميع وقذف كل منهم في جهة، وَتولد بينهم مزيج غريب من المشاعر والأحاسيس المختلطة والمتضاربة شيدت سوراعازلا شديدا بينهم
والسؤال المُلح هو ….لماذا أنا ؟ ولماذا تفعل أمي ماتفعله معي ؟ وكأنني من جلبت ذلك الانهيار الذي هوى بنا جميعا في بحرمن الرمال المتحركة المميتة والتي لامفر من براثنها ؟!!…………ولا يزال السؤال بلا جواب
_ظلت ( مجيدة ) خلف الباب تتسارع أنفاسها كخيل المضمار وينتفض جسدها ويتصبب عرقا كسيل العرم ، والتقطت هاتفها المحمول بيد مرتعشة لتطلب رقما ويأتيها صوت المجيب :
أيوه ياماما عاملة إيه النهارده ؟
فتصرخ بجنون وصوتها يمزق صمت المكان :
أيوه يا وائل …الهانم أختك جت من شوية ، جايه تتفرج عليا وتحرق دمي ، وقال إييه بسأل عليك ياماما ، أنا عاوزاك تقولها متورنيش وشها خالص لا دلوقت ولا بعدين ولا لما أموت تحضر جنازتي ، فاهم كلامي
( وائل ) : اهدي بس ياماما حاضر وهاعمل لك اللي عاوزاه
أغلقت الهاتف بقوة وعصبية دون كلمة واحدة وجلست وحدها وجهاز التليفزيون يثرثر كالعادة ، وقررت أن تغرق معه بعيدا عن واقعها ولكن هيهات هيهات ، حتى رفيق وحدتها تآمر عليها حين وقعت عينها على لقطة من فيلم قديم للفنان فريد شوقي والرائعة سناء جميل يحكي قصة زوجين مُسِنين بعد زواج الأبناء وخروج كل منهما لسن المعاش والخلافات بينهما التي تشبه خلافات الأطفال في سن البراءة ، رغم تكبر الزوجة المزعوم التي جسدتها سناء جميل ببراعة وتصلبها في الرأي إلا أن الزوج كان يحاول تفادي ذلك وإرضاءها قدر المستطاع تجنبا لحرب شعواء ، حتي إذا ما أصابتها لوثة مفاجأة وطلبت الطلاق منه لرفضه الإقامة معها في فيلا والدها التي ورثتها عنه بحجة أنها أرقى من شقتهما البسيطة ورفضت تدخلات الأصدقاء للصلح وتوسلات الأبناء ، بأن ما طلبته كارثة للجميع وأنه لا يعقل أن تفترق ورفيق حياتها بعد سنوات الحب والشقاء والتحمل لأسباب واهية وخلافات بسيطة
_ وجدت ( مجيدة ) صوت بكاءها يعلو ويعلو ليتحول إلى نحيب وهي ترى بطلة الفيلم في الليل تتصل بزوجها الذي هجرته وذهبت لبيت عائلتها المهجور وهي في حالة من الرعب متصنعة اللامبالاة لتسأله :
أنت لسه صاحي ؟ طيب أخدت الدوا بتاعك ولا نسيت كالعادة ؟
وهو يضحك ويقول لها : أنت خايفة تنامي لوحدك صح ؟ طب متخافيش نامي وأنا هافضل معاك علي التليفون
وتذكرت رحلتها الماضية ولقطات من حياتها تمر كأحداث الفيلم الذي تراه لكن مع الفرق بينها وبين البطلة وظلت تردد والدموع تكسو ساحة وجهها كخيوط مطر الشتاء : أنا عملت إييه يارب عشان يتعمل فيا كدا ؟!!
👇👇👇
غدا الحلقة التالية كونوا معنا
بقلم / مايسة إمام
