وما علمناه الشعر

وما علمناه الشعر
( جـ 4 )
التحليل النقدي للنص الإبداعي
********
بقلم الدكتور / رمضان الحضري

قبل كل مقالة أكتبها أحاول جاهدا أن أقنع نفسي بضرورة الكتابة
في هذا الموضوع الذي حددته سلفا ، لأني مؤمن حق اليقين أن أعظم
مخترع في تاريخ البشرية من اخترع حروف الكتابة في كل لغة .
فالكتابة أكبر فعل حفظ علوم البشرية عبر تاريخها الطويل الذي يمتد إلى
أكثر من مائة ألف سنة قبل الميلاد كما قال العلماء .
رغم أن معظم الذين تحدثوا عن الكتابة نسبوها لأبناء سيدنا إسماعيل
عليه السلام ، وأن الكتابة العربية كانت أول كتابة للحروف قبل المسمارية
والسومرية والمصرية القديمة ، وهذا بحث مضني جدا ، فحينما كان الزمان
على هيئته الحقيقية كيوم أن خلق الله السموات والأرض كان العلماء يسيرون
في غبراء الناس ، وكان العلماء أكثر تواضعا ، لأنهم يعلمون أنهم رسل علم
يقدمون للناس خيرا وجمالا ، لا نفاقا أو خبالا .
( أ )
قدمت في المقالة الماضية تناولا نحويا لكلمات من نص للشاعر عبد العزيز
جويدة ، وقرأ القارئ الإعراب النحوي للكلمات ، وتبين لي أن استواء
النحو لا يعني استواء الكلام ، فحينما أقول ( إن المنافقين في الجنة ) ،
فهذه الجملة صحيحة نحويا ، لكنها مخالفة للمعتقد الديني الذي ألتزم أنا
به ، فلابد من حذف كلمة المنافقين ووضع كلمة المتقين .
( ب )
تنويه
******
يظن بعض الناس أنني أبرز كلماتي مهاجما النحو وللنحاة ، والحق أنني
أريد أن أرتق ثوبا بلي ، وأعالج شيخا استفحل مرضه ، وأحض على تجديد الفكر
وليس تركه ، فما أيسر النحو كعلم إذا قمنا بتجديده أو حاولنا تقديمه في
موضعه لا في غير موضعه .
وقد نبهت في مطلع المقالة الأولى تحت هذا العنوان إلى خطورة لابسي ثياب
النحو ، وهم ليسوا نحاة ، ولكنهم يصرون أن ينزل الركاب من الطائرة
بحجة أن العربي القديم كان يركب الخيل والبغال والحمير والجمال .
فيحرصون على التقعر في اللغة تحت مسمى الجزالة ، ويسرفون في
التصوير القديم تحت مقولات البلاغة القديمة ، وهل هناك بلاغة قديمة ؟
وأخرى حديثة ؟ !
( جـ )
النقد / الإبداع
*********
الإبداع نقد للمجتمع عموما وتخصيصا ، فالنص الشعري أو السردي
أو المسرحي أو السيناريو أو غيرهم نقد للعالم من حولنا جملة أو تفصيلا ،
وحينما يتناول الناقد نصا إبداعيا سيكون نقدا للنقد ، وستكون يد الناقد فوق
يد المبدع ، وبعبارة أخرى سيكون على المبدع أن يكون تابعا للناقد ،
أو متعلما منه ، وعليه يكون النقد قاعدة نبني عليها النص الإبداعي .
هذه أفكار منتشرة في حياتنا ، ويقول المبدع أن النص أعظم من النقد ،
ويقول الناقد أن النقد حكم على النص ، وعلى المبدع أن يستفيد
من رؤية الناقد .
والحق أن النص الإبداعي لا يقبل أن يقع تحت سلطة النقد ، بل
على النقد أن يتبع سلطة النص ، وبالتالي لن يكون النقد حكما على
النص بل مستفيدا منه .
( النص ونقده خطان متوازيان مكانيا ومتتابعان زمنيا ) ، أقصد بالتوازي
المكاني أن النقد والنص كلاهما إبداع ، فالنص إبداع أولي أثار في الناقد
إبداع ثان ، وهو يشبه لحد كبير حادثة أثارت نفس الشاعر فكتب قصيدة
أو أثارت رسام فرسم لوحة ، فالنص هنا حادثة فنية أثارت الناقد ليأخذ منها
ويضيف إليها ، وسيصبح النص النقدي مغايرا في التشكيل الإبداعي ، رغم
التوافق في دائرة الموضوع ، ليكون في الموضوع خطابان ، الخطاب
الإبداعي النصي ، والخطاب الإبداعي النقدي ، وأعني بالخطاب هنا ( طريقة
تناول الموضوع أو طريقة تقديمه ) ، وهذا ما يجعلني استبعد من النقد
الشرح والتفسير والتبسيط ، فشرح الزوزني للمعلقات ليس نقدا ، وتفسير
ابن حجر العسقلاني لصحيح البخاري ليس نقدا ، وتبسيط النووي
لبعض كتب الحديث ليس نقدا .
لكن النقد هو ما قدمه ابن طباطبا العلوي وحازم القرطاجني وعبد القاهر
الجرجاني والخطيب القزويني ومحمد بن سلام الجمحي وابن قتيبة والجاحظ
فما قدمه الزوزني في شرح المعلقات لا يمكن اعتباره نقدا مثل نقد العميد
طه حسين لهذه المعلقات ، وتلاه العبقري محمود ذهني وكذا محمد زغلول
سلام ومصطفى هدارة وغيرهم من علامات النقد العربي المبهر .
فمن قرأ المعلقات لا يستغني عن قراءة نقد طه حسين ورؤية محمود ذهني
ولكنه يستغني عن شرح الزوزني ، لأن معاني المفردات موجودة في
المعاجم ، ومن يقرأ رواية ( أيام الإنسان السبعة ) لعبد الحكيم قاسم
لا يستغني عن نقد عبد المحسن طه بدر ، هذا ما قصدت إليه من التوازي
المكاني ، أما التتابع الزمني ، فأعني به سبق النص الإبداعي للنص النقدي
زمنيا ، وأن النص النقدي جاء بعده بزمن قريب أو بعيد ، فلازال هناك من
يكتب نقدا في المعلقات حتى اللحظة في معظم بلاد العالم وآخرها ما كتب عنها
في فرنسا عام 2018م من المستشرق الفرنسي بيار لارشيه ، والذي نقدها
عام 2000م ، وأعاد طباعتها بإضافات نقدية جديدة عام 2015م ، ثم
عام 2018م بإضافات أخرى .
فحينما أتناول نص كتبه عبد العزيز جويدة فهذا يعني أن النص يمثل لي حادثة
مثيرة تدفعني للكتابة عنها نقد إبداعيا ، ولن يأتي نقدي تفسيرا لوجهة نظره ،
بل هو وجهة نظر جديدة تتفق أو تختلف ، ولكنه تناول لذات الموضوع برؤية
مغايرة ، يقول عبد العزيز جويدة :
( جاءَتْ
رسالتُها الوحيدةْ
دخلتْ عليَّ
كألفِ شمسٍ أشرقتْ
وتوهَّجتْ في مُقلتيْ
جاءتْ
رسالتُكِ الرقيقةُ
وانزوى قلبي بصدري
يقرأُ السطرَ الأخيرْ
لثَمَ الكلامَ جميعَهُ
فاخضرَّ فِي فَمِنا الكلامْ
أنا عَشرَ مراتٍ قرأتُ
وما شبعتُ منَ الكلامْ
فإذا انتهيتُ مِن البدايةِ
عدتُ أقرأُ في الخِتامْ ) .
فالنص حوالي ست وأربعين كلمة ، أثار في نفسي أكثر من ألف وخمسمائة كلمة ، فما سبق
من حديث عن النقد والنص ، هو ناتج من استقراء النص ، والتعالق بينهما سواء كان خفيا
أو جليا ، لكنه موجود . فلو قلت أن الشاعر يصور وصول الرسالة بمثل إشراق الشموس
فأنا لم أتخط التفسير والشرح لما قاله الشاعر .
لكن حينما أرى أثر وصول الرسالة على نفس الشاعر ، مقارنة بوصول الرسالة لبقية أفراد المجتمع
هنا فقط أستطيع التمييز بين نص شعري حقيقي يوثق لحركة المجتمع ، ونص نقدي يراقب هذه الحركة
الاجتماعية ، فتعدد الإشراقات مع وصول الرسالة ، هي اشراقات نفسية ، وبالتالي فالشاعر يدرك معنى
ان تكون الكلمة ( سمعية وبصرية ) في ذات الوقت ، ويدرك كيف يكون المجسد ذا تأثير غير مجسد
( معنوي ) ، وكيف يحيل بكلماته هذا التأثير المعنوي إلى تأثير مرئي .
هنا يكون النقد لا التفسير ولا التبسيط ولا الشروح .
وحينما أرى تأثير الرسالة في حركة الشاعر الداخلية ، مثل صدره وجوارحه ، وتأثيرها في حركة
الشاعر الخارجية من تكرار القراءة والوقوف عند السطر الأخير باعتباره القرار النهائي ، وأقارن
بين هذه الرسالة ورسائل أخرى سياسية واقتصادية وحكومية ورسائل مجتمعية وقضائية وأجد تشابها
في التركيز على السطور الأخيرة من بداية ( وبناء عليه قضائيا ) ، ( والرجاء عمل مجتمعيا ) ،
( وقد تحدد سياسيا ) ، ( ويشترط في ذلك اقتصاديا ) ، فهنا يتفق الشاعر مع حركة المجتمع ، ويختلف
مع حركة المجتمع في خصوصياته ، فهو محب ( قلبه يلثم الكلام ، قلبه ينزوي في صدره ، لا يشبع
من تكرار القراءة ، ينتهي ليبدأ من جديد ) .
هنا يكون النص النقدي موازيا للنص الإبداعي مكانيا ومتابعا له زمانيا . أما تحليل الخطاب الشعري
لسانيا أو لغويا أو بنيويا ، لنفرق بين الكلمة في الشعر والكلمة في السرد ، فسوف يكون ذلك
في اللقاء القادم مع تناول قصة ( الرائحة ) للكاتبة الروائية هبة بنداري .
نعم هذا المقال هديتي لكل أحبابي بمناسبة عيد الأضحى المبارك ، حفظ الله بلادنا وكل بلاد
العالم ، وحفظ الله كل خلقه وملكه من الماء إلى الماء ، وحفظ إنسه من الرجال والنساء .

ربما تحتوي الصورة على: ‏شخص واحد‏

Related posts