قانون……

فتحي بن معمّر
تونس

لم يتعوّد الوصول إلى مكتبه متأخّرا، تأخّر اليوم ثلاث دقائق كاملة. كان يجهّز عبارات الاعتذار لرئيسه في العمل ويتأنّق في الاختيار، حين سمعه يناديه بصوته الأجش: “يا منصف … وِينَك ….”
هرول نحوه، لم يمهله ليعتذر أو ليلقي تحيّة الصّباح، لوّح في وجهه برسالة مغلقة، كتب عليها حيث اسم المرسل: “القانون مجموعة نصوص كتبها مجموعة لصوص لحفظ مصالحهم بالخصوص” ثمّ قذفها إليه متسائلا: “ما هذا الهراء … تثبّت من صاحب الرّسالة حتّى نأمر بإيقافه حالا..”
فضّ الظّرف بسرعة، بدأ يقرأ:
سميرة، زئبقة رائعة الملامح، شذيّة العبير. “فُستْقة” أو “حَبْقة” كما يلذّ له أن يذكرها واصفا بلغة تونسية شبابيّة غزِلةٍ. اشترى لأجلها عشرة أبيات شعرية من الأستاذ العطّار بخمسين دينارا تونسية، بخمسة أيّام عمل كاملة. ألقاها عليها، كادت تموت طربا، قبّلته لأوّل مرّة، في خفر أنثوي يزيد الجمر التهابا.
صباح الاثنين يوم الرّاحة الأسبوعيّة، هرول متلهّفا بين الوسيط في المقهى والموظّفة المتجهّمة القسمات، تطالبه مع كلّ وقفة أمامها بوثيقة جديدة، فينحني عليها ويقول بصوت لا تكاد تسمعه أذناه حرجا وحرصا على سريّة المعاملة: “ابعثني سي المنذر” وقبل أن يُتمّ النّطق تُدرك من خلال حركة شفتيه نطقه لاسم شريكها في فنّ حلب الجيوب الفارغة. تسلّمت منه الوثائق، جهّزت العقد، أمضاه، نقدها ما طلبت، وضعت رقمه الهاتفي الخلوي في دائرة، سلّمته الشّريحة الالكترونية، هرول نحو المقهى متهلّل القسمات. أقبل على المنذر يقبّل ويعانق. أبعده عنه ببرودة تامّة متخلّصا من حضنه الإنساني المُقرف بالنّسبة لمُرتشٍ طمر المشاعر والأحاسيس في قبر الرذيلة القميء. ناوله الشّريحة، ثبّتها بعناية فائقة في مكانها من هاتف نوكيا 3310 البديع. ثمّ التفتت إليه وطفق يعلّمه كيفية الاستعمال والمهاتفة والاستقبال والإجابة وتقنية كتابة الإرساليات القصيرة. سلّمه هاتفه بعد أن قبض منه القسط الأخير من المبلغ المتّفق عليه. ثمّ ودّعه وداعا بطعم الطّرد.
في الطريق حدّث نفسه طويلا، لمحها تنقذف إلى الهاتف بمنزل مشّغلها لتردّ على مكالمة ينبئها قلبُها أنّها منه، تتعثّر في زاوية الطاولة، تصيبها بوجع في فخذها فلا تأبه لذلك، يغازلها، فتضحك وتتمايل، يراها تداعب خصلات شعرها وتعض على العنّاب بالبرد، تمرّر كفّها من السّماعة إلى الصّدر كأنّها تتبرّك بكلماته وتسكب ما بها من حبّ ومشاعر على جسدها الغضّ، تعطّر بها روحها المتعطّشة إلى كلمة حلوة وما تعوّدت غير الصّراخ والضّرب والنّعت “بالحمارة العرجاء” في بيت أبيها وزوجته وبـ”العاهرة الغبيّة المتخلفة” في بيت مشغّلتها ومشغّلها المُلتذّ بتلمّس جسدها عفوا وقصدا في غفلة من بقيّة أهل الدّار.
وصل محطّة الوقود بعد الغروب، استلم نوبته في العمل، جلس يداعب هاتفه مُفتخرا، فالهاتف ليس متاحا حتّى بالنسبة إلى الأثرياء. لكنّ علاقته بالمنذر هذا “الشاوش” زميله في الدّراسة وفي سرقة الرّمان من بستان “الجربي”، أتاح له ما لا يُتاح لسيّدات المجتمع الراقي وقد سمع إحداهنّ تشكو لصديقتها عجز صديقها الغبيّ عن تمكينها من الحصول على شريحة هاتف جوّال رغم أنّها قد اشترت الهاتف في رحلتها التسوّقيّة الأخيرة إلى باريس.
مازال يُداعب هاتفه في انتظار إشارة بدء التّشغيل، استطال الوقت، لم تصل الإرسالية العنيدة. قطع عهدا على نفسه أن تكون أوّل من يتّصل به، وضع يده في جيب سُترته، أخذ قصاصة، تأمّلها، تأكّد من حفظه للرّقم، ثمّ أعادها.
حوالي السّاعة العاشرة، جاءت البشارة، كاد يرقص في محطّة الوقود، طار فرحا، أراد أن يُهاتفها، تذكّر أنّها أوصته ألاّ يفعل قبل العاشرة والنّصف ولا بعد الواحدة ليلا، قرّر أن يتريّث مُكرها.
أفزعه صوت منبّه مزعج قويّ، لسيّارة من تلك السيّارات الفاخرة، هبّ واقفا، لفحه سيل شتائم جارف لم يُبق له من الكرامة ولم يذر شيئا. ابتلع السكّين، واقترب من السيّارة متثاقلا متصنّع البسمات. ازداد سيل الشّتائم عنفا وإهانة. اقترب أكثر تثبّت من الركّاب. كانوا أربعة. مراهقون مخمورون، لا يتجاوز عمرهم السادسة عشرة. سرعان ما نزل أحدهم وصفعه بعنف فيما ركله ثان ولكمه ثالث. سقط أرضا، ظلّت رأسُه تُركل بين أحذيتهم الرّياضية والجدار الاسمنتي الحادّ لمنصّة آلة توزيع الوقود لفترة طويلة غاب فيها الحرفاء وتوارى فيها العابرون. تركوه يُصارع الموت بعد أن ملأوا خزّان السّيارة وقودا وانطلقوا بسيّارتهم انطلاقة أمريكيّة أثار صرير العجلات فيها انتباه بعض السكّان وروّاد المقاهي القريبة فخرجوا متطلّعين، محوقلين.
جرى بعض المارّة نحو محطّة الوقود وجدوه يلفظ أنفاسه، والهاتف متسمّر بين كفّه وأذنه، بينما لم يصلها منه هناك في سماعة الهاتف إلا حشرجة أدركت من خلالها أن سوءا قد حلّ بحبيبها فولولت في ذاك القصر المنيف الموحش الثّلجي المشاعر، وانقلبت إلى غرفتها تسقي وسادتها دموعا وأنينا لا ينقطع.
وضع الرّسالة على المكتب، تصبّب عرقا، تأمّله رئيسه في حيرة:
“خيرا، أطلب لك طبيبا…؟”
“لا … الأمر بسيط …”
خرج من مكتب رئيسه، عاد إلى مكتبه، تكوّم .. طعنته سكاكين حادّة لم يستطع ابتلاعها …. اتكّأ على كرسيّه الوثير، انسلّ طيف من روحه يقوم بدور المعالج النفساني … طلب منه أن يسترخي وأن يروي ليروي ضميرا صهده هجير صحراء القيم القاحلة.
تذكّر يومين فارقيْن في حياته المهنيّة، يوم التّرفيع ويوم التّخفيض ….
بعد يوم عمل عصيب، منذ عشرين سنة، ألفى رئيسه يناديه بصوته الأجش مستعجلا مستغيثا في الدّقائق الأخيرة من ساعات العمل. دخل عليه مفزوعا وقد خبر سطوته حين يكتشف خطأ … ألقى إليه نصّا قانونيّا يُحدّد سنّ المسؤوليّة الجزائية للقاصر بخمس عشرة سنة، وطلب منه صياغة مقترح نص قانونيّ قصير ترفّع فيه سنّ المسؤولية الجزائية للقاصر إلى سنّ ثمان عشرة سنة ليعرض على أنظار النواب الموقّرين للمصادقة بإجماع. وأكّد له أنّ الأمر مستعجل ولا يحتمل التأخير فأبناء بعض الذّوات سيتأذون إن بقي القانون على حاله وكانوا المساكين قد أصابوا عاملا بمحطّة الوقود القريبة فمات. لم يسأل ولم يأبه، أخذ الملف، فحص القوانين، صاغ فقرة قصيرة بالمطلوب في خمس دقائق، عاد إليه، سلمّه المقترح، تسلّمه منه مشدوها: “أنهيت …؟” هزّ رأسه إيجابا وخرج دون أن ينتظر الشكر ليلتحق بالأصدقاء في مقهى الحيّ، فقد كان رابعهم في لعبة ورق لا تنتهي إلا حوالي منتصف الليل. …
لكزه الطّيف مستحثّا … تذكّر … وتذكّر … فكّر … قدّر … تذكّر ذات قيلولة ربيعيّة رتيبة بين جدران المكاتب، دقّ باب مكتب رئيسه النصف المفتوح، ثمّ دفعه ودخل وقد خُيّل إليه أنّه سمع صوتا يقول له “ادخل” ليجد كاتبة رئيسه الشّقراء النّارية التّفاصيل تقبع في حجر رئيسها تئنّ برأس تدّلى منه شعرها الأصفر في اختلاج لا ينتهي. لمحه رئيسه، انسحب قبل أن يومئ له بالانصراف. عاد إلى مكتبه متوجّسا خائفا. ظلّ مساءه يذرع المكتب ويسأل زملاءه، “ألم يطلبني .. ألم يسأل عنّي؟” فكّر في الاتّصال بالكاتبة التي لم تتفطّن له حين لاح من الباب ليسألها إن كان رئيسه قد ذكره أو طلبه أو أمر في شأنه بشيء. لكنّه عدل عن الأمر وعاد أدراجه من على بعد خطوات من مكتبها الجميل المثير بأريج عطرها.
قبل نهاية توقيت العمل بدقائق، اكتسح عليه الباب فجأة، وأوصده، أرعبه ذلك، تخيّل أنّه قد يغتصبه، هذا الجبّار المتحصّن بسطوة موقعه في صفّ أكبر القضاة. وقف ملتصقا بالحائط كمن يحمي ظهره من هجوم محتمل وقد تأكّد له اليوم ما كان يسمعه من حكايات النّهم الجنسي لدى هذا الواقف أمامه منذ لحظات. غير أنّ الرّجل لم يكن غاضبا بل كان متودّدا، استلّ من تحت معطفه ملفّا أصفر، وقال وهو يبتسم: “تذكر قانون المسؤولية الجزائية للقاصر…. أعده سيرته الأولى … خمس عشرة سنة ..”
استلم الملف ولم يسأل .. لكنّه قبل أن يغادر المكتب استدرك “أحد رجال الأعمال تعنّت .. لم يشأ الإذعان .. غضب منه الجماعة … ابنه ارتكب منذ سنة جريمة .. ولم يعاقب بفضل ذات القانون المنقّح … القضيّة مازالت منشورة والجماعة يريدون الانتقام منه … انتظر منك مقترح نص قصير .. ليصادق عليه النّواب الموقّرون بإجماع … مفهوم … “. على عتبة الباب استدار نحوه ودون كلام بإشارات أفهمَه أن يعتبر أنّه لم ير شيئا في قيلولة اليوم وإلاّ ….
أشار برأسه موافقا ثمّ جلس، فحص الملّف، كيّف القانون وعدّله، حمل الملف، سار نحو مكتب رئيسه، على الباب اعترضته بعطرها المثير مقهقهة، دلف وضع الملف على المكتب، خرج دون وداع ولا شكر.
لكزه الطّيف مرّة أخرى مستحثّا. لكنّه أحجم لمّا لاحظ دموعا تنسكب في خطوط غير منظمة على خدّيه، تسلّل الطّيف إلى مكمنه. مسح دموعه. توجّه بثبات نحو مكتب رئيسه. ألقى أمامه الرّسالة. مرّ بفتاة لعوب سمراء آسرة نارية الـتّفاصيل، شذيّة العطر مثيرة الحركة، تجاهل تحيّتها، دلف إليه رمى بالرسالة أمامه. قال بصوت تخنقه العبرات: “نحن من يجب أن يُوقَفَ حالا..” غادر المكتب وسار في الردهة الطويلة الموحشة، في أدناها، سمع صوت الكاتبة المتجعّدة التّفاصيل الفاتنة إلى حدود سنوات قليلة تودّعه متودّدة. لم يجب، كما تعوّد ضاحكا. بل ظل يُردّد ما جاء في ظرف الرّسالة: “القانون مجموعة نصوص كتبها مجموعة لصوص لحفظ مصالحهم بالخصوص “

Related posts