بعض نصّ من رواية ” الجمجمة

جريدة اخبار العالم

متابعة لسامية بن راشد

بعض نصّ من رواية ” الجمجمة والزورق ” بقلم فوزي الديماسي – تونس

الإهداء 1 : إلى كسرى ، مطماطة ، بني مطير ، القصيرن ، تكرونة ، حيث علّمت لغة الجبال والصخر والنقاء / الإنسان …فوزي الديماسي الإهداء 2 : وليغفر لي سيدي محمود المسعدي تطاولي ودخولي محرابه … ولكنني دخلته دخول المحبّ المريد . تصدير 1 : في محراب الاعتراف، وعلى سرير الانسياب، ولحظة الجلوس على حافة الحبر أجدني طفلا تائها يعانق الخوف. أكدح على درب الخيال بالكلمة كدحا محموما، لعلّني أرسم نصّا يدفع بي نحو الحقول والواحات . أتدثّر بحذري ، وضعف حيلتي ، ويزمّلني السؤال والمجهول ، فأكتب سيرة شجني ، وعبرتي ، وفرحتي ، وأحبّر بكبير الحروف على جدار الصمت ملحمة المحاولة ، وفي الفؤاد لوعة تكتب بصادق المشاعر المجبولة على الترحال في صحراء الكلمات سيرة خيبة تعصف بسكينتي ، وتلقي بي في لجج الاضطراب ، فأقلّب سؤال الكتابة كما تقلّب طفلة دميتها في ليل البحث عن ذاتها المتوغّلة في الضباب ، وأسأل ذاتي الحبريّة المتورّمة أمام مرآة المداد عن قوافل الفجر ، عن الدروب الخضراء ، وأركب موج الكلمات مرّات ومرّات ، وألقي بشباك رؤاي في عرض الرؤيا ، وأدندن بناي الرحيل أغنية الصباحات المنشودة كامرأة فقدت طفلها ، وتنتظر تدفّقه من بين جنبيها ، وتسبقني عبرتي إلى خيمة القرطاس ، وأفقد بوصلتي في الكلم الشاسع كلّما زارتني شهوة الرسم ، فأدفع بلبّي دفعا جميلا متحسّسا طريقي إلى الشرفات ، وشرفات اللغات في عليّين لا يدركها قلمي النحيف … لكنني سأكتب كي لا يموت الإنسان في ّ … سأكتب لكي ينبت الصوت في حناجر الطيور … تصدير 2: أسكب خيوط الفجر في كأس الحياة … وأزرع في الرؤى نخل جدي …. فوزي الديماسي اللوحة الأولى خرج الصباح من عرينه ليغتسل في ماء النهر الممدّد بين كثبان الحياة . كنت على ربوة الأسئلة تائه الخطوات أعدّ أشعّة الشمس الغائبة البعيدة وأحصيها . دفعني شوقي بعصاه دفعا رقيقا نحو ساحات الفجر ، فاقتفيت آثار رغبته ، وكان ثالثنا الحلم . سرنا والجبل نبحث عن ذاك الصبح الموعود . وفي طريقنا إليه توقفنا عند عين عارية إلاّ من غبارها لننهل من رضابها سرابا وحكمة ضائعة ، وإذ بصوت يطلّ علينا بشجنه الطروب اللعوب من وراء قيظ الرحلة فجأة . تطلّعت نحو الصخرة العالية المطلّة على العين ، فإذا بها أنثى صقيلة الوجه تقف كما اليقين أمام مرايا الغياب ، رافلة في شهوتها ، تراقص ريح الوجود ، وترسم بعينين متنمّرتين على جبين الأفق علامات الفناء . جرفني نحوها سيل من الوله الطفوليّ ، ضحكت ، وضحك شوقي من بعدي ، وانطلقت على جناح الروح والريح والريحان نحو صوتها . سرت ، والجبال بعراء أحلامها تبعث فيّ طقوس الخلاص. تقدمت بخطى ثابتة نحو الصخور المتناثرة ، يصعد بي درب ، وينخفض بي آخر ، ووجدتني أبحث في منعطفات الوجدان عن وجهي الذي ضيّعني . وقفت على صفحة ماء بحيرة يتيمة في فؤادي المكلوم .لا وجه يفتح شرفاته لسؤالي هذا الصباح ، ولا فجر يرفع رؤيتي في الخلاء بلا عمد . أنخت فكرتي على باب الهجير، وناديت في الرحب ، فلا مجيب إلا صدى الريح يقهقه من أعلى الصخور عابثا بشعر الحورية في كلّ اتجاه ، والحورية في أعلى الصخر تقهقه ببرود قاتل . نزلت من على صهوة حيرتي ، عقلت سؤالي عند السفح ، وسرت تحت ضوء القمر الجريح في مناكب أرض أجهل تفاصيلها وشعابها ، دفعت بكلماتي نحوها ، والناي بيميني يكفكف ألحانه حياء ، ومدادي في جداول القلب يقلّب الواقفة فوق قمّة الصخرة في صلف . الدرب إليها ضبابيّ الملامح ، مزدحم ببحيرات غطّتها جماجم الأوّلين وقليل من الآخرين ، والقمر الثخين في علييّن ينام بين أحضان الصباح . تقدمت نحوها بخطوات ملتهبة ، فوقف دوني الليل على شاطئ شفتيها، وعقر آخر نقطة ضوء تلوح كنافذة نحيلة من وراء الغيوم . وقفت بملامح باهتة بين يدي همس الجبل، ألقيت بشوقي ، وبينما أنا على الحالة تلك إذ بالحورية تطلق في أرض السكون ضحكة غجرية التدفّق، وثمار صدرها تتدلّى كعناقيد شهوة خرافية . اتخذت لنفسي مكانا قصيّا أتابع منه حركتها على الصخر من وراء بلّور الروح المتعبة. والرذاذ يدندن على وجه الصخر موسيقى حزينة ، وينقر من حين إلى آخر وجه الأرض الممتدّة ، وبينما أنا أتابع اضطرابها من وراء الضباب على جمر اللقاء، كان في السماء ضوء خافت يبثّ فيّ نواميس الرحلة وأسبابها ، وموسيقى هادئة منحدرة من مرتفعات الجمال تدفعني نحوها . أشعلت لفافتي ، وانطلق الدخان من بين أصابعي كراقصة بالي يقتفي آثار الضوء ، شدّتني إليها الرقصة والموسيقى المتلبّسة برداء شفيف من الهمس ملكت حواسّي كلّها ، فنسيت الحورية والجبل ، وسرت بعيون حالمة وراء الراقصة المنبعثة من سيجارتي . بعث المشهد في نفسي شهوة الحياة ، وسرعان ما عاودني الحنين إلى الصخرة وصقيلة المفاتن . وقفت تحت قدميّ الصخرة ، ومطيّتي شوقي المتدفّق نحوها . طرقت بلطف المتيّم باب حلمها ، فجاءني صوت رقراق من وراء حجاب ، أسرجت ابتسامتي ، ورتّبت تفاصيل لساني ، وامتدّت يميني نحوها بباقة من طيب الكلم . اكتفت بابتسامة وجّهتها نحو حيرتي ، وتاهت في الغياب . ترنّحت حروفي في زحمة الأشواق ، ونفخ فيّ كبرياؤها على عتبات الحلم بذور حياة بعد موت ، دفعت مطيتي في وعر الدروب نحو قمّة الصخرة لعلّني أدركها في منعطف من منعطفات الفؤاد ، فسخرت الحجارة من خطاي ، وضحكت بحيرات الجماجم المتناثرة هنا وهناك من لهفتي . أطلقت العنان لرجليّ ، فدحرجني تعبي نحو سحيق العودة ، وشددت الرحال مرة أخرى إلى مرتفعات الروح . تعثّرت مطيّتي والأمنيات ، بعثت بعينين حذرتين لأتهجّى في ليل الطرق خرائطها . ركبت خوفي وذعري وأملي ومحنتي ، وصعّدت نحو مقصدي ، أمدّ يميني من حين إلى آخر أضمّد عرقي ، ونحيب الريح على باب الصخرة يداعب سخرية الحورية من أعلى المكان . استرقت السمع ، وصهيل الليل يملأ القلب ذعرا ، وخرير الرؤى المنهكة يصمّ آذان الجبال ، ركبت العزم ، وأطلقت العنان لبصري ، إنها هناك عند باب الغار تلملم جثث أحلامها ، ووقع أقدامها على أديم عبرتي يحثّني ويضرم فيّ نار الشوق والعناق . وقفت على صفحة الماء في الطريق إليها ، بحثت في رفوف ذاكرتي عنّي وعنها ، وقفت مستقيم الرؤى لعلّني أدرك أنّني في حضرة الصباح ، التحفت الرهبة ، والصخرة في خشوع الأفق متسمّرة لا تريم . سرت ، ولمّا بلغت مجلسها استقبلتني استقبال العشّاق . تقدّمت ، ومدّت نحوي يمينها ، وأجلستني فوق الصخرة على حافة الغد ، والسؤال يحلّق فوق رأسينا ، والكلام قارب في عرض الدهشة يتابع بصمت أهازيج النجوى. لملمنا الصباح ، وبعض كلمات ، وحفنة من الرؤى ، وسرّحنا قوافلنا في الأنين الفسيح بحثا عن صوتنا لعلّنا ندركه بين أشجار الهمس معا ، أو في الكهوف الجالسة القرفصاء على باب الحلم، وكان نسيم الصباح يداعب خصلات الأفق برفق من حولنا ، وكنّا على الصخرة طفلين نلاحق بعين حالمة خيوط الشمس . عانقت حروفي المنتشرة في حقول المعنى ، وتوقّفت عند كثبان الماء الغائب , فخرجت عليّ الرؤى من خدر العشق بعودها الصقيل . ومن وراء كثبان الذاكرة كنت مع حوريتي الجالسة بالقرب منّي جلوس الحبيب لحبيبه نتابع عصفورا تحت خيوط المطر يسير في الطريق بلا أجنحة ، يتهجّى بياض الأرض، يحبّر بخطاه سيرة التيه ، وينقر من حين إلى حين حبّات حلم ، والأرض من تحتنا تهدهد جثث الأطفال المرسومة على جبينه . ريح شرقية الهوى تعانق مجلسنا… تدير كؤوس المطر على الصخر المحيط بنا حينها تدفّقت ذكرياتي من شاهق الشجن ، والوجود بسمائه الكئيبة من فوق رؤوسنا يعزف لحنا حزينا يرسل من حين إلى آخر بحمامات فوق سفننا المسافرة في أمنياتنا . أينعت أناملي داخل سجيتي تعزف أغنية صباحية . توجهت نحو الجالسة بجانبي قائلا : هكذا تغتالنا أمانينا … تلقي بنا دمعة على قارعة الحريق … ننهض من مرقدنا … من زمن السكون … نحلّق من جديد … فتلاحقنا أوهامنا كريح عاتية … وتعبث بنا وبرؤانا مخالب الغياب … فتذرف مراكبنا الوقت .. .ونصعّد رغم المحن في جبال الشجن لعلّنا نعانق ذات فجر فجرا وليدا ، أو عصفورا يغنّي لجناحين منطلقين … تطلّعت نحو وجهها ، ثمّ ركبننا معا فلك الحلم لنسافر بعيدا في الأمنيات ، وأطلقنا أنامل العصفور في تفاصيل الصباحات ترسم على بلّور الوجود لوحتها بألوان زاهية… اللوحة الثانية : انحدرنا من الجبل ، يدحرجها أملها ، ويدفعني نحو الهاوية فضولي ، كانت تجري كما الريح ، ومن ورائها قهقهاتها تذكي فيّ نار السؤال ، فجأة توقّفت عند جبّانة تخيّرت لها من الأماكن سفح الجبل ، طافت بين القبور ، تصفّحت الوجوه ، وكأنّها تبحث عن شيء مّا ، وأنا التّائه في ساحاتها أراقبها ، أتهجّى ملامح مشيتها المتقلّبة ، ناديتها فلم تجبني ، فلذت بصمتي . تسمٍّرت في مكانها تتصفّح القبور بعينين نهمتين ، ثمّ أطلقت في الرحب صيحة تردّد صداها بين الجبال . حلّق غراب في السماء . خلعت ملابسها عند باب قبر ، وأطلقت العنان لحنجرتها ترتّل نحيبا مفزعا ترتيلا ، والصخر من حولها كأنّ على رؤوسه الطير ، نفشت شعرها ، استقبلت بيديها أبواب السّماء ، حلّ ببدنها شيطان الرّقص ، تدفّق من بين شفتيها عويل بعث في كامل أقطار جسمي مشاعر متوحّشة شتّى ، حدّثت نفسي في نفسي بالفرار من هول ما رأيت : قبور … شياطين … رقص مجنون … صياح شوكي… عواء صخور … نحيب رياح … لكن الخوف شدّني لجذع ذعري . تقيّأت الجبّانة سكّانها لحظتها ، وانتشرت الجماجم والعظام في الفضاء ، تحلّق الموتى ، وراحوا جميعا يراقصون العويل حولها ، ارتفع نشيج الأرض تحت أقدامهم ، وامتدّت ألسنة الغبار تخدش وجه الفجر، انتشر الرقص في كلّ اتجاه كما الأفعى يلتهم كل ما يعترض طريقه ، تسلّق ضجيجهم أعمدة السّماء ، وغطّى بجناحيه أديم الأرض ، تململت وراء دهشتي تعبا ، ولم تتعب الراقصة ومريدوها ، فجأة هدأ الرقص ، وخفت صوت الضجيج ، ونضب الصياح ، هدأ صوت الغبار ، ووقفت الراقصة في التيه كريشة في المدى ، أو كطين تحت شمس الظنون ، مبلّل وجهها بحلم أسود الخطوات ، تطلّعت نحو القبور ، ومريدوها من ورائها يفتّشون بعيون فارغة في التراب والطين ، لا شيء في القبور غير الفراغ يعبث بذرّات الأجداث ، أعادت البحث في الحفر كرّة أخرى ، حفرة … حفرة … فرسم وجهها اليباب على صفحة الهباء ، أنكرها وجهها ، وأنكرته ، وكتبت بدمعة الخسران على جدار روحها سيرة الغياب ، والمريدون من حولها حمامة مجروحة الأوتاد . لا شمس تكفكف خوفهم هذا الصباح … لا شمس تنتصر لضجيج رقصهم المسفوك … أشبعث الحورية القبور ركلا وشتما ولطما . تركتهم وغادرت المكان ، وأنا أتبعها بحذر . انتشرت سحب الموت… دقّ قحط الرؤى في الأحلام أوتاده … غادر الغبار عشّه وطار… تدثّر الصخر بليل الغزاة ، وعقر الموتى ضجيجهم ، ونزلوا إلى برك الدمّ ليتطهّروا من أدران الضوء . وقفت على ضفّة الحيرة القاتلة أتابعهم . صفّفت أفكاري المبعثرة على عجل ، خلعت نعلي بباب السؤال ، ومن ورائي يحثّ فضولي تفّاح المعنى ، فارتفع صمتي في قيعان العيّ ، وارتدّ الصدى بين جنبيّ شوكا ، وأينع الخذلان في دربي . غادرت الحورية الجبانة ، وغادرت من ورائها .

Related posts