عبد الغني الحايس
أيام قليلة تفصلنا عن شهر رمضان الكريم. أعاده الله علينا وعلى الجميع بالخير والبركة وكل عام أنتم جميعًا بخير.
مازلت أتذكر ذكرى استقبال الشهر الفضيل في طفولتي في قريتنا البعيدة بكل الحفاوة. وكنا نجوب القرية ونحن أطفال صغار ونهلل رمضان بكرة وكان سعيد الحظ من يمتلك فانوس رمضان أو من يعلق زينة في حارته ويشترك الجميع لصنع فانوس رمضان الكبير لنتفاخر به أمام أقراننا من المناطق المجاورة، وكان أطفال كل منطقة يلعبون معنا لعبة السيجا والدائرة والاستغماية وعسكر وحرامية وغيرها، وكنا ننتظر بجوار المسجد نترقب المؤذن للصعود إلى المئذنة وبمجرد التكبير ننطلق بسرعة البرق إلى بيوتنا لنخبر الأهل بأن المؤذن صدع بالنداء وليفطر الجميع.
كما كنت أقاوم النوم لأشاهد المسحراتي وهو يقوم بالدق على الطبلة ليوقظ الأهالي لتناول السحور ولكنني لا أستطيع ولكن والدتي كانت تقوم بإيقاظي قوم بسرعة المسحراتي وصل وعندما أقوم يكون قد مر من أمام البيت لأنه يمر بسرعة ولأنه يجوب القرية كلها وينادي أحيانًا بالاسم على بعض الأهل ليوقظهم لتناول السحور، وكان بعد انتهاء رمضان يمر يوم العيد ليحصل على ما تجود به البيوت من خيرها وفضل من الله فكان يحصل على الكعك والبسكويت والأرز والدقيق وأحيانًا نقود وحوله كثير من الأطفال لأن ذلك كان يتم نهار العيد وكان هو اليوم الذي أشاهد فيه المسحراتي عن قرب.
كانت الزيارات المتبادلة لا تنقطع والعزومات تتواصل ويلتقي الأهل والأحباب والجيران وكان جو الحب والمحبة السائد بين الجميع في تكافل وترابط متين.
وكان هناك حديث من شيخ المسجد يوميًا بعد صلاة العصر وقبل صلاة العشاء يلتف أهالي القرية في حلقة حول الشيخ والمسجد ممتلئًا عن آخره ويتم استضافة أهل العلم والحديث من أبناء القرية الدارسين بالأزهر الشريف لإلقاء الدروس وطرح كل الأسئلة التي تدور في العقول وتخاطر القلوب ويجيب عليه الشيوخ حسب اجتهاداتهم وكان منهم من يستعين بمن هو أعلم منه ليجيب حتى لا يقع في فتوى خاطئة. ثم تكون صلاة التراويح وبعدها يلتقي الأصدقاء والأهل في جلسات سمر لا تستمر طويلًا، لأن يومهم القادم سيبدأ مع صلاة الفجر.
ولم يكن هناك أي انشغال بما يقدمه التلفزيون من فوازير أو مسلسلات وأعلم بيوتًا كثيرة كانت تفضل حجب التلفزيون تمامًا حتى لا ينشغل أهل البيت عن العبادة وكان الراديو هو الوسيلة لمعرفة الأخبار. ولكنني أعترف أن هذا المجتمع المسالم لم يشغل عقله سوى حقله وأمورهم اليومية ويعيشون في حالة من الرضا برغم قسوة حياتهم ونقص كل الإمكانيات أو بالأحرى انعدامها تمامًا ولكنهم يتكيفون ويعتبرون أن اليوم كان أفضل مما سبقه من أيام مضت.
وتعودنا على الصيام ونحن صغار وتحملنا الجوع والعطش مع العمل في الحقل والذي كان يزيد صعوبة عملية الصيام ولكننا تعودنا على الصيام حتى يكون لنا مكان على المائدة وسط الأهل والذين يتبارون في تقديم الطعام لنا وإطرائنا بعبارات الثناء والمديح على صمودنا على الصيام برغم صعوبة الجو الحار. وكذلك كانوا يترأفون بنا من العمل الشاق. وكانت أمي عندما تراني تقسم عليا الأيمان أنني صائم وأنني لم آكل من ورائها أو أشرب وتوضح أن من يكذب يذهب إلى النار وأن شهر رمضان هو شهر الله وأن الصيام لله ولا يجب أن تكذب على الله لأنه سيحاسبك حسابًا عسيرًا ومن شدة الخوف كنت أرفض أن أضع الماء في فمي حتى عند الوضوء حتى يكون صيامي صحيحًا.
وأتذكر في يوم كان شديد الحرارة وكنا نقوم بحصاد القمح ولم أستطع الصمود وهم يثابرونني وأذهب كل فترة إلى وضع رأسي في المياه حتى أستطيع أن أكمل اليوم برغم أن سني تعدى العاشرة ولكنني قبل نهاية اليوم قلت لهم أن الله لا يرضى عن هلاكي ويجب أن أشرب الماء الآن حتى أستطيع الحياة لأعبد الله كما أمرني وتسللت منهم وشربت ولم آكل حتى أذن المغرب وكان هذا هو اليوم الوحيد الذي أتذكر أنني أفطرته رغمًا عني.
وكانت أمي تستعد لشهر رمضان من بداية شهر رجب، حيث تقوم بتربية مزيد من الطيور من الدواجن والبط والإوز استعدادًا للعزومات الرمضانية والزيارات المتبادلة مع الأهل والأحباب الذين يقطنون بالمدينة. كما كانت توفر الأرض الطيبة التي نزرعها بعرقنا كل الخضروات من خس وفجل وجرجير وطماطم وغيرها ويتبادل الفلاحون كل ذلك الجود وكان غالبيتهم يترك قيراطًا من الأرض لذلك الخير، حيث تعود الأهل في الريف أن يأكلوا مما يزرعون ومن حصاد أرضهم وما يرعونه من طيور ولديهم الأرز والخزين من البطاطس والقمح ليخبزوا يوميًا قدر احتياجاتهم، وكان مبدأ عملية الشراء يكاد يكون منعدمًا، فالحياة رغم قسوتها إلا أنهم تعودوا على أن يأكلوا من زرعهم وما تجود ماشيتهم من لبن ويصنعون الجبن والقشدة والزبدة والفائض يبيعونه لتغطية تكاليف أخرى.
وكنت ترى المائدة عامرة بالخير وحولها قلوب راضية شاكرة فضل الله ونعمه.
عكس هذه الأيام فقد أصبحوا يشترون كل شيء حتى الخبز وكل مستلزمات البيت من المأكل فأين تلك القرية الفاضلة والتي ذهبت مع الزمن الجميل.
ولكني مازلت أحمل في قلبي وعقلي كل الحب لتلك الأيام السالفة والتي كان فيها الحب متاحًا بلا مقابل ولا زيف، والكل يعيش في تعاون وتناغم وتكافل وترابط ليس فقط في رمضان إنما طيلة العام.
فشهر رمضان كان يشعرك بعبق من الروحانيات فالمساجد ممتلئة بالمصلين وبعد الصلاة يتلون كتاب الله ويلتفون حول حلقات الذكر والتعليم، حتى تشتد تلك الروحانيات والعبادة في العشر الأواخر من الشهر الفضيل ومع بداية الاعتكاف، وكنت أنا وأقراني نتسابق على من يصلي أكثر في التهجد وبعد صلاة التراويح أو من قرأ أكثر في المصحف وكان معظمنا يتردد على كتاب القرية ومن حفظة القرآن الكريم
أعاد الله على جميع المسلمين الشهر الفضيل بالخير والبركات وكتب الله لمصر السلامة والأمان والتقدم والازدهار وحفظ الله مصر وشعبها
وكل عام أنتم بخير
وللحديث بقية.