بقلم: سارة طه
هذا إنسان معقد.. وذلك متشدد.. وهذه كما يقولون عنها “مقفلة”.. وتلك دقة قديمة.. هي جمل يرددها الجاهلون في حال رؤيتهم لإنسان ما ممن يحاولون بجهدهم ألا يحيدوا عن الصراط، أو قد يقولونها لآخر عندما يُوجه اللوم لأحدهم على أثر ارتكابه خطأ ما, أو عندما ينهاه عن فعل منكر ما ومن ثم يضيق ذرعًا بما قد يُقال له, ويُعرِض عنه!
تراهم يستنكرون أشياء بديهية في أصل منهج الدين فـ يرفضونها جملة وقد ينهون الآخر عن الالتزام بها معلّلين ذلك بقول من أمثال “الدين يسر يا سيدي”.. مع زيادة تشديد الواحد منهم على حرف السين أثناء نطقه إياه!
لا إله إلا الله..
يقومون بتبرير الخطأ من أفعالهم ويقولون بأفواههم ما ليس لهم به علم.. أو قد يقولونه بعلمٍ خالٍ من كل إدراك ثم بعد ذلك ينعتون الغير بكلمات هي أقرب للباطل منها للحق, وأقرب للجهل منها للعلم والفهم!
حسنًا, إن الدين حقًّا يسر, ولكن اليسر هنا يا عزيزي مقصود به أن الدين بكل أحكامه وشرائعه لا عسر فيه, وبأن الفروض التي أنزلها الله بمقدور الجميع أداؤها, فمُحال أن يكلفك الله إلا ما في وسعك.
ويسر الدين كذلك في ُرخَص شرعية أنزلها الله للتخفيف عن الناس, والتي منها الصلاة جالسًا لغير المستطيع أن يقف, وإباحة الفطر للمسافر, والتيمم عند الخوف من استعمال الماء في حالة مرض الإنسان, إلى آخر كل ذلك من رُخَص شرعية كثيرة في الدين, وكذلك فريضة كالحج في الإسلام لم يفرضها الله إلا على المستطيع؛ فالله يريد بنا اليسر ولا يريد العسر, وهذا لا مراء فيه.. أما أن يستدل أحدهم الجاهل بقول الرسول صلى الله عليه وسلم في عمل ما يغضب الله ورسوله فهذه كارثة أخرى كبيرة من كوارث العصر!!
بربك أي منطق هذا؟!
قد ينزعج أحدهم ويغضب لسبب ما ليقوم من بعدها بالتفوه بسيل عارم من الشتائم أو سب الدين، وعندما يلام على فعله لا يلبث أن يردد إن الدين يسر!
وتلك.. يكشف القماش من شعر رأسها أكثر مما يستر وكذلك هي لا تلبث أن تردد بأن الدين يسر في حال واجهت نقدًا ما!!
أي حجة هذه؟!
أرى أن الناس في هذا المجتمع قد اعتادوا على فعل أشياء معينة وهي في ذاتها بعيدة كل البعد عن تعاليم الدين الحنيف، وعندما يتبين لهم الحق ويبلغهم العلم بأن تلك الأشياء محرمة.. تجدهم من فرط اعتيادهم عليها لا يستطيعون تركها هكذا والتخلي عنها بسهولة، ولكنهم في هذه الحال لا يقومون بأية محاولة لتصحيح الأمور.. إنهم فقط يُدرجون أفعالهم تلك جهلًا منهم تحت بند الدين يسر.. فيزينون الخطأ ويشرعنون المنكر معلنين بذلك استمرارهم في فعله!
إنه حقًا يسر، وربنا الحق إنه يسر، ولا خلاف على ذلك ولكن الكثير من الأفعال التي يقوم بها البعض ويعقبون عليها بتلك الجملة فيها خروج عن منهج الدين من الأساس.. ولم تعد المسألة الآن في يسر أو عسر!
وحتى قد يتساءل البعض منهم بكل سذاجة وسطحية ويكأنهم كانوا ينتظرون من الله أن يسألهم كيف يتصرف في ملكه وخلقه كيف يشاءون هم لا كيفما يشاء..
لم قد يُحرم الله أشياء معينة أو ينهانا المنهج المُنزّل عن فعل أشياء يجد الإنسان في ظاهرها الرحمة؟!
وهو لا يدرك طبعًا بسطحيته تلك أن في باطنها العذاب!
كما أنه يجد في فعلها متعة كبيرة له, وهي أقرب لنفسه الشهوانية والأمارة بالسوء من أى شيء آخر!
حسنًا، إن الله قد أنزل منهج الدين لكي يعصم الإنسان من هواه, ولتستقم به الحياة.. إنه ينهاه لأجله، ويأمره أيضًا لأجله، وفي الحياة اختبار لنا.. فقد خلقها الله والموتَ ليبلونا الله أينا أحسن عملاً..
إنها اختبار لقوة إيماننا بالله الخالق.. وكونك تمتنع عن ارتكاب فعل ما قد نهاك الله عنه أو امتثالك لما أمرك به وواجب عليك هو أولًا لِـ أجلك أنت.
نعم عبادة الله يجزيك الله بها, ولكن في النهاية عليك تذكر أن ما تفعله من شر أو سوء في حياتك لن يضر الله بشيء سبحانه وإنما سيُلحق الضر والأذى بك أنت.. وكذلك ما تفعله من خير وحسن في حياتك هو لأجلك أنت.. أي أن عبادتك هي لله من أجلك.. إنك عبد لله الحق الكريم ليُعطيك لا لِـ يأخذ منك.
وأبدًا لا تظن أن الله يكبر لأنك تُكبره, لا فالله حقًا هو الأكبر..
أما تكبيرك لله وتعظيمك له وعبادته إنما هي تبعية منك له واتباع لأوامره؛ لِـيرضى الكريم عنك ومن ثم لِـيُرضيك فـ ترضى.. فلا تسأل كيف ولم؟
ثم أي مقياس يُقاس به التشدد أو الوسطية لدى هؤلاء؟!
البعض منهم يعتقد جهلاً منه أن الإنسان المسلم إذا لم يكن متساهلاً في أمور دينه وشئون دنياه فهو إما متشدد أو معقد لا محالة! على الرغم من أن هذه الأمة قد جعلها الله أمةً وَسطًا.. أي أنه لا يوجد مجال لتشددٍ أو تساهلٍ في ديننا، وكلاهما خطأ ومرفوض, وإنما الاعتدال والوسطية هما الحق والمطلوب.
الإسراف تساهل, وكذلك التقتير تشدد أما خلق الكرم هو الوسط.. والإيمان بالمادة خطأ كبير كما هو عته, والإيمان بأن في الكون آلهة متعددة هو أيضًا خطأ أما الإيمان بأنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له هو الوسط الحق بين هذا وذاك.. وهكذا قياسًا على كل أمور الحياة باختلافها.
إذًا وما هو التشدد؟
إن التشدد الحقيقي كما قال عنه النبي الكريم هو الغلو والتنطع فيقول -صلى الله عليه وسلم-: (إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم غلوهم في الدين) ويقول -صلى الله عليه وسلم أيضًا: (هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون) وقد قالها ثلاثًا عليه الصلاة والسلام، ومعناه الزيادة على ما شرعه الله..
كأن يلجأ أحدهم إلى الرهبنة أو الانقطاع عن السعي والعمل بحجة عبادة الله مثلًا، وغير ذلك أيضًا من مظاهر شتى وعديدة!
وكذلك من مظاهر التشدد كما يوضحها أحد العلماء تتمثل في اتخاذ ما ليس بواجب على أنه واجب.. كأن تجعل الصدقة المستحبة فرضًا كالزكاة.. إلى آخر كل هذا.. فيعتقد الواحد من هؤلاء أنه يخدم دينه بهذا ويتقرب إلى ربه ولكن بئس الفهم فهمه!
الفهم المغلوط ينتج عنه التساهل والفوضى وكذلك ينتج عنه المغالاة وتنفير البعض من المنهج، والدين حقًا يسر، وما يحدث الآن من انقلاب للقيم, وانتشار للمفاهيم المغلوطة, وتزيين للخطأ, وشرعنة للمنكر هو العبث اسمًا وفعلًا ظنًا من الفاعل أن في هذا طريق وطريقة لحياة هنيئة في اعتقاده!
بربك هل بإمكان إنسان طبيعي أن يعيش هانئًا وآمنًا في بيت محطم بابه دون أن يقوم بإصلاحه؟!
مؤكد أنه لن يفعل ذلك؛ لأن الإنسان يحرص على الأفضل والأنسب.. وهذا أمر جيد أن يحرص الإنسان دائمًا على الأفضل من تفاصيل دنياه.. بل إن الدين قد جاء ليزيد من حركة الحياة ويجعلها تسير بشكل أفضل لا ليُوقفها أو يتعارض معها كما قد يظن البعض!
ولكن عليك أن تحرص فقط في هذه الأثناء على أن تصلح ذلك الباب، وألا تضرب بأوامر دينك وأحكامه عرض الحائط مبررًا ذلك دون فهم بأن الدين يسر أو بقول جاهل من أمثال يوم الحساب ربك يحلها!
أي منطق هذا؟!
أتعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خيّر بين أمرين إلا واختار أيسرهما, ولكن لم يكن الأمر يتوقف عند هذا فحسب.. فهناك شرط عليك أن تعلمه وتُدركه جيدًا قبل كل هذا من باقي الحديث كما روته السيدة عائشة رضي الله عنها, وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خيّر بين أمرين إلا واختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا, فإذا كان إثمًا كان أبعد الناس منه”.
أرأيت؟
اليسر وحده لا يكفي فما أيسر الحرام على غير المؤمن وإنما يجب أن يكون الفعل حلالًا.. فعدم مخالفة أوامر الدين اليُسر هو شرط أساسي لاختيار القيام بأمر من أمور الدنيا حتى لو كان أيسر ما يمكن القيام به وفعله.. فلا تدع أمور دنياك الفانية ذي المتاع الزائل تنسيك أوامر دينك الحقة وأحكامه، واتق الله يسّر الله أمورك وكل حياتك.
حقًّا إنه يسر