نصار إبراهيم
” من كان له سراج فليعلقه على أعلى منارة” (السيد المسيح)
هذه وثيقة مؤرخة في 18 نوفمبر 1959 وهي عبارة عن رسالة موجهة من شاب مصري قبطي الى المفكر والأديب الشهير طه حسين ، يقدم فيها الشاب عينه ليتمكن طه حسين من الرؤية والإبصار.
كان ذلك قبل 58 عاما… حين تبرع شاب مصري قبطي بعينه المقدسة ليضئ صفحات كتاب “الأيام” لطه حسين، فأضاءت عينه معنى الوطن ومعنى الانتماء، حيث تكون عيون كل أبناء الوطن بغض النظر عن لونها ودينها وطائفتها وجنسها هي بالأصل عيون كل الناس… يقول الكاتب والمفكر السوري نارام سرجون:
“مجرد تأمل الفكرة يشعل الروح بالشجاعة ويشحنها بالقوة…… لأنها ستعني أن مبدأ العين بالعين والسن بالسن يجب أن لاتكون قاعدة للعدالة بل قاعدة للتفريق لأنها تخضع للقاعدة الفقهية المذهبية ذات الاتجاه الاجباري وعلاقاتها الصارمة فتصير العين القبطية بالعين القبطبة، بحيث أن العين المسلمة العمياء لا تحل محلها عين قبطية بصيرة ولا تساويها .. والعين الشيعية لا تعوضها عين سنية ولا تساويها .. وبهذا يصبح المجتمع مقسما لا تقدر العيون والقلوب على اجتياز حواجز الطوائف التي تزداد انغلاقا واضطرابا .. لأن رفض الأعضاء لن يكون بسبب الرفض المناعي لها – كما يقول الاطباء – بل بسبب الرفض الروحي والنفسي الذي تأسس بالروح المذهبية وسيمنح عيوننا وقلوبنا مناعة ضد عيون من ليس له لون كتابنا وعقيدتنا ومذهبنا …” (نارام سرجون – 17 شباط 2017).
ننظر اليوم حولنا، ننظر إلى ذاتنا، ننظر ونستمع إلى ذلك الخطاب المروّع الذي يسود بيننا، خطاب ينفي ما عداه، يحتكر كل شئ، يجردنا من إنسانيتنا، يجردنا من فكرة الوطن، يحول الوطن إلى تكية في زاوية مظلمة لمجموعة تحتكر الله والأنبياء، وباسمهم يُنحر الوطن والناس من الوريد إلى الوريد…
أي فكر وأي دين وأي ثقافة تلك التي تحرِّم أن تضئ عين مسيحية عينا مسلمة في وطني، أو تحرِّم على عين مسلمة أن تضئ عينا مسيحية في وطني، أي ثقافة وأي دين ذاك الذي يجعل العين الشيعية تفقأ العين السنية أو العكس.. أي دين واي ثقافة هي تلك تجعل عينا طائفية تحكم بالعمى على أي عين ليست من مدرستها الفقهية المنزوية في غياهب الجهل والظلام.
ما قام به ذلك الشاب المصري القبطي كان قبل عقود… ماذا لو قام ذلك الشاب اليوم من موته وشاهد ما يجري في مصر وفي سورية والعراق واليمن وليبيا… أي فجيعة ستفطر قلبه… وأي حزن سيغمر عينه الجميلة التي قدمها ذات يوم بعيد لأعلى منارة فكرية في مصر…!؟.
البعض لا يدرك هول الكارثة التي وصل إليها واقع الحال… لا يدرك الدمار العظيم الذي أوصلتنا إليه ثقافة التكفير وقوى التجهيل والإبادة… ما نعيشه هي عملية إبادة ثقافية وحضارية ودينية وإنسانية شاملة لأجمل ما فينا…
ورغم ذلك يصمت الكثيرون ويبرر الكثيرون ويواصل الكثيرون إغماض عيونهم جهلا أو خوفا أو جبنا أو التباسا…
يواصل نارام سرجون الكشف: “لاندري كيف وصل هذا المواطن المصري الى هذا القرار الخطير والسخي وغير المسبوق .. وكأنها تترجم وصية السيد المسيح: من كان له سراج فليعلقه على أعلى منارة .. فلم يجد أعلى من منارة المفكر طه حسين .. لكنه يعني فيما يعنيه ان الحالة المذهبية النافرة في المنطقة ليست من خصائص البلدان الرئيسية الثلاثة في المنطقة .. سورية والعراق ومصر .. وأن كل سموم المذاهب هي طارئة وعابرة .. لأن تفاعل كل العناصر الانسانية في هذه الدول أنتج الأدب والفكر والفلسفة والنهضة واليقظة .. وأنتج تماهيا بين الناس حتى صارت العين المسيحية تهاجر لتستقر في محجر مسلم ويسافر القلب المسلم ليخفق في صدر مسيحي .. ويقرر شاب مسيحي سوري اسمه جول جمال أن يهب كل جسده ويفجر نفسه على شواطئ مصر العربية عام 56 دفاعا عن مصريين ضد غزاة مسيحيين .. ولكن عندما يتم اجتياح هذه المنطقة دينيا ويسود منطق التيارات الدينية الوهابية والاخوانية الاقصائية يتحول المسلم الى غاز يغزو المسلمين أنفسهم ويفجر المسلم نفسه بين المسلمين ويقتل في عيونهم الضوء ويطفئ سراج الأرواح .. أرواح كل من لاينتمون اليه ..” (نارام سرجون).
اليوم.. والآن “من كان له سراج فليعلقه على أعلى منارة”.. وإلا لن يجد غدا لا سراجا ولا منارة
نصار ابراهيم
Nassar Ibrahim
