الكاتبة الروائية حياة الرّايس
لست منزعجة كثيرا من الحجر الصحّي العام فانا بطبعي لا أخرج إلا للسفر أو لحضور بعض الندوات والملتقيات التي لي مشاركة فيها، أو لقضاء بعض الشؤون… لا أهدر وقتا عبثا. أنا بطبعي إمرأة متوحدة مع ذاتي و أركاني وأشيائي وطقوسي وعاداتي بالبيت. أحبّ بيتي كثيرا لأنه يشبهني أو صمّمته بطريقة أرى نفسي فيه ويراني كل من يدخله في ديكوره وفي روحه التي تعكس شخصيتي . وأنا متصالحة حتى مع حجر جدرانه … عندما أكون ببيتي أشعر أنّنى ملكة ترفل في أرجائه.
أسعد أوقات حياتي عندما اصحو الصبح ولا تكون عندي اي التزامات او مواعيد أو ارتباطات في الخارج فاشرب قهوتي على مهل و أبدا يومي بالقراءة او الكتابة التي لن يزعجني فيها أحد. واطوف بكائنات حديقتي اصبّح على الشجرة واقبّل خدود الوردة والزهرة، اكلّمها واحاورها وابارك نموها وأربت على كتف عودها فيميل تيها ونشوة ويزهر نخوة و تتدلي أكثر الثّمر .
نتبادل الأحاسيس والشعائر الصباحية والتراتيل الكونية التي لا يسمعها سوانا نسبّح بعظمة الخلق وعطاء الطبيعة البكر وهي تبدع ذاتها. امتلئ بها حتى اشعر بنوع من الفيض الصوفي اسكبه في نصوصي وفي قصائدي في محاولة للعيش ابداعيا وشعريا على الأرض. الشعر هو ان ترهف السمع بحس شفيف الى روح الطبيعة في ادق جزئياتها و تفاصيلها في كل كائناتها وتجلياتها و ايقاعاتها …الشعر في الكون و ليس في القصيد بالضرورة .
أنعم بحياتي الداخلية كأني انتقم من تلك الأعوام التي قضيتها في خدمة المنظمات والمجتمع المدني، عندما كنت اخرج الصبح و لا اعود الا المساء و أحيانا نعود بالليل خاصة لما تكون لنا امسيات و نشاطات ثقافية ليلية في مثل هذا الوقت من رمضان خاصة. عندما كنت مديرة ل” فضاء 13 اوت الثقافي “. كان نوعا من العمل الإداري والنضالي و التطوعي و الجمعياتي … دام عشرات السنين اخذ وقتي و احلى سنوات عمري على حساب النص طبعا …
أفتح النات لأتابع اخبار البلاد و العالم و خاصة اخبار ” السيّدة كورونا ” التي ملات الدنيا و شغلت الناس …هذا الكائن اللّامرئي الذي استطاع ان يخلي الشوارع بين يوم و ليلة و يقفل المحلات والوزارات و المؤسسات… و يفعل ما عجز عنه الحكام و السلاطين . يقلب نظام الكون ويحشر الناس داخل بيوتها:
” تخرج تموت. تقترب من أي شخص تموت. تعطس تموت . تسلم باليد تموت. تعنق تموت تبوس تموت ….”
كائن يكره الحبّ والقرب و الجنس… كأنه يريد ان يقطع التواصل و حتى التناسل و يقضي على هذا الجنس البشري.
يكره الرجال والنساء على السواء ولا يحب ان يقترب أحد من أحد. يغضب إذا رأى اثنان يشربان حتى فنجان قهوة مع بعض فما بالك بكاس … بغيض غيور من حميميات البشر وتوادهم وتحاببهم … يحذرهم ان يضحكوا مع بعض ربما تناطر رذاذ من افواه بعض …يستهدف كبار السن ويحقد عليهم حقدا خاصا.
الحقيقة أننا امام قاتل غريب في حرب غريبة على المخلوقات البشرية دون غيرها من المخلوقات الأخرى، التي خلى لها الكون، بعدما حشرنا في منازلنا وقفلنا علينا ابوابنا ….
” الكوفيد 19 “ على وزن ” جيمس بوند 007.” عميل المخابرات الامريكية و المهمات المستحيلة. لكن الكوفيد 19 لصالح من يعمل يا ترى؟ لكن والحق يقال انه ” قاتل شريف ” لا يغدر. يختلف عن عزرائيل الذي يباغتك على حين غفلة. كأن له غرضا آخر غير القتل ؟
لو كنا في زمن الاساطير لقلنا انها رسالة تأتي من الغيب. لكن الان نستطيع ان نقول ربما هي رسالة تأتي من الأرض. الأرض التي ضاقت ذرعا بهذا المخلوق الانسان الذي يعيش فوقها وقد عاث فيها فسادا وتلوثا وشوّه جمالها واخترع الحروب و سفك الدماء و حوّل كل جميل الى خراب و حوّل كنوز البشرية الى صناعة الدمار. عندما رفع هذا الانسان السلاح في وجه أخيه الانسان منذ قابيل وهابيل، لينهبه خيراته وممتلكاته بغية التوسع والثراء طمعا ونهبا وجشعا و بطشا. عندما دمر الحضارة ووقف على تلتها.
هل هذا فعلا انسان؟؟؟
لعله جاء خصيصا الى هذا الانسان المحارب الراكض وراء عربات الموت ليقول له توقف. وعد الى ذاتك واعد حساباتك …وهذه أوّل حرب لا يطلب فيها منا ان نحمل السلاح ونخرج لنلاقي العدو في الخارج بل ان نبقى في بيوتنا ننعم بالرفاه والراحة والنوم والاكل و الشرب … حتى انهم اعفونا من الشغل و تعب المواصلات التي اهانت الانسان بما فيه الكفاية.
إنها حرب غريبة أيضا. قاتل غريب وحرب غريبة ولكنها لحظة فارقة في تاريخ الإنسانية لوباء عمّ العالم من شرقه لغربه دون ان يستثني بلدا لا رئيسا ولا مرؤوسا لا امرأة ولا رجل لا كبيرا ولا صغيرا ألغي الفوارق. لأول مرة يشعرنا اننا سواء في البلاء فلا أحد يزايد على أحد. لحظة وبائية عامة ترتعد لها الجبال ولكن تحمّلها الانسان، لأنه ببساطة يحب هذه الحياة ويقاتل من اجل البقاء. لأنه ليس له أوهام حياة ثانية.
لكن الذات الكاتبة فيّ محرجة الان في كبريائها واختيارها. كانت تظن ان عزلتها اختيارية وخاصيّة اهل الفكر والادب. فقد كانت الوحدة والعزلة دائما امتياز الادباء والشعراء والفنانين والزهاد والمتصوفة وفي بعض وجوهها ايضا فضيلة أرستقراطية للفلاسفة أو ترفاً أدبيّاً للرومانسيين.
لكن هذه العزلة التي نعيشها الآن هي عزلة فجائية، إجبارية، قسرية، فرضها علينا خطر انتشار هذا الفيروس المعدي اللعين. انتشارا عالميا وبشكل غير مسبوق.
وقد جردها هذا الوباء من كلّ قيمة رمزية كانت تتميز بها. عزلة اساسها الخوف بل الرعب الوبائي من عدوّ غير مرئيّ، يهاجمك على حين غفلة، ينتشر بشكل سائل أو هلامي. غير واضح الهوية ليس له دواء إلاّ الانعزال والابتعاد عن البشر مخافة العدوي في سجن جديد هو عبارة عن تمرين ما بعد أخلاقي على التوحّد بوصفه حمية عضوية ضد الوباء، وليس موقفا فلسفيا ولا قلقاً وجودياً من الكينونة في العالم.
ومهما يكن من امر مادامت ” السيّدة كرونا” تحب ان تعيش وحدها في المساحات والشوارع و تحشرنا بالبيت فانا احب البقاء في البيت كما اسلفت و سأغتنم الوقت لأنجز عدة اعمال متراكمة …كأن أراجع مجموعتي القصصية التي تنتظرها احدى دور النشر التونسية .وأشتغل على مجموعة شعرية ثانية بها كثير من القصائد الجديدة… وأن اكمل مسرحية تدور بمدينة ” أثينا ” اليونانية تحمل نفس الاسم مبدئيا .تقريبا جاهزة .
اشتغل براحتى على نص روائي يتضمن أيام كورونا أيضا. يطبخ على نار هادئة ، دون استعجال. فانا لا احب الطبخات السريعة ( الرواية الكوكوت )خاصة في مثل هذه المناسبات.أنا متأسفة فقط على بعض المشاريع التي توقفت بسبب الكورونا .هناك طبعة ثانية لروايتي” بغداد و قد انتصف الليل فيها “علقت بمطبعة “هيئة قصور الثقافة” بمصر وقد أوشكت على نهايتها و صدورها بعدما أعطيت الموافقة على البروفة الثالثة و الغلاف . و طبعة ثالثة للرواية تنتظر مصيرها في احدى مطابع بغداد. اعوّل عليها كثيرا لان الرواية ستعود الى موطنها الأصلي بغداد. و ذلك منتهى أملي. أمّا الفرقة المسرحية التي تتدرب على مسرحيتي ” عشتار” للمشاركة بها في مهرجان المسرح العربي متوقفة أيضا …و قد كان حدثا فرحت به كثيرا. أتمنى ان يتواصل بعد هذه الجائحة. وأعمال أخرى ومواعيد أدبية عالقة بتونس…
سفر تعطل الى المشاركة في ندوات في الخارج الى كل من مصر والأردن واسبانيا وهولندا …
عودتي الى فرنسا جانب ابني تعطلت أيضا وقد كنت اقضي السنة بين تونس و غرونوبل …
ولكن نحن ننحني للعاصفة حتى تمر بسلام ونخرج بأخف الاضرار.
أتمنى السلامة للجميع وأن تعود الحياة أجمل ممّا كانت عليه.
والمواعيد لا يُتأسف عليها كثيرا مادام الأخوان الخلّص يجعلون الأدب ذهبا ولو في ” حمّام الذهب”، ذلك أنّ الصداقة كالماء تجري نظيفة عذبة ، لذلك أدعو محمد عيسى المؤدب ليجعل أيام الحجر ذهبا خالصا…وأنت تهدي الكورونا “عرس النّار” وهي تتساءل وقد عرّفها الجلجلي بـ ” السيدة ك” وغيره بالكوفيد -19: “أي إمراة أكون؟” …فجاهدها- صديقي- على نعومة وجودها” جهادا ناعما”….