نفحات من سيرة الرسول (ص) العطرة – إسلام عكرمة بن أبي جهل
بقلم/ أحمد يحيى عبد الفتاح
لم يختلف عن آبيه كثيرا بل ورث عداوته للإسلام ورسوله (ص) إنه أبن آلد أعداء الإسلام أبي جهل والذي شب على كره الرسول الكريم (ص) مثل آبيه وكبار وسادة قريش، هذا الكره الذي جعل رسول الله (ص) يريق دمه عند فتح مكة هو وعبد الله بن سعد أبي سرح وعبد الله بن خطل ومقيس بن حبابة، بل وأمر بقتلهم وإن وجدوا متعلقين بأستار الكعبة .
ذهب عكرمة بن أبي جهل هربا لليمن، إلا أن زوجته (أم حكيم بنت الحارث بن هشام) رضي الله عنها ذهبت – بعد أن أسلمت- إلى الرسول (ص) لتشفع عنده لعكرمة في أن يعود إلى مكة المكرمة آمنًا قائلة (قد هرب عكرمة منك إلى اليمن، وخاف أن تقتله فأمِّنْهُ).
هنا ظهرت سماحة الإسلام والرسول (ص) ورد في يسر وسهولة: (هُوَ آمِنٌ)!!
لم يذكر لها صلى الله عليه وسلم أنه مهدر الدم، ولم يذكِّرْها بتاريخه الطويل، ولم يقُلْ لها: أنتِ حديثة العهد بالإسلام ، فكيف تشفعين لغيرك؟!
لم يقل لها أيًّا من ذلك، ولم يشترط عليه أو عليها شروطًا، وإنما قال: «هُوَ آمِنٌ»!
زاد الجدل بينه وبين البحار الذي كان يقول له: أخلص! فقال: أي شيء أقول؟، قال: قل لا إله إلا الله، قال عكرمة: ما هربت إلا من هذا.
لحقت أم حكيم بزوجها قبل أن تغادر سفينته قائلة جئتك من عند أوصل الناس وأبر الناس وخير الناس، لا تهلك نفسك، فوقف لها حتى أدركته فقالت: إني قد استأمنت لك محمدا رسول الله (ص)، قال: أنت فعلت؟ قالت: نعم، أنا كلمته فأمنك.
ماذا يفعل عكرمة بن أبي جهل في ذلك الوقت وهو يرى الدنيا كلها قد ضُيِّقَتْ عليه، فأين يذهب؟ إنه يريد أن يذهب الآن إلى اليمن، واليمن بكاملها مسلمة، وبقاع الأرض تتناقص من حوله، والجميع الآن يدخلون في الإسلام ، فأخذ عكرمة قرارًا سريعًا بالعودة معها دون تفكير طويل.
قبل أن يدخل عكرمة مكة المكرمة إذا برسول الله (ص) يقول لأصحابه (يَأْتِيكُمْ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ مُؤْمِنًا مُهَاجِرًا، فَلا تَسُبُّوا أَبَاهُ، فَإِنَّ سَبَّ الْمَيِّتِ يُؤْذِي الْحَيَّ، وَلا يَبْلُغُ الْمَيِّتَ).
ما هذه الأخلاق الكريمة يا رسول الله؟
آن أبا جهل كان فرعون هذه الأمة، ومع ذلك فالرسول (ص) يأمر الصحابة –رضي الله عنهم- بألاَّ يلعنوا أبا جهل أمام ابنه عكرمة؛ لكي لا يؤذوا مشاعره، مع أن عكرمة لم يُسلِم حتى هذه اللحظة.
ومع إقتراب عكرمة بن أبي جهل من مجلس رسول الله (ص) وثب الرسول (ص) فرحا بعود عكرمة مع أنه لم يسلم بعدُ، لكن هذه هي طبيعة رسول الله (ص) دون تكلُّف.
لم يتذكَّرَ أبا جهل.. لم يستعيد بذاكرته الغزوات التي شارك فيها عكرمة صادًّا عن سبيل الله .. لم يفكر في قتال عكرمة للمسلمين منذ أيام عند الخندمة .. لم ينظر إلى حالة الضعف والهوان الشديد التي جاء بها عكرمة، بل أجلسه (صلى الله عليه وسلم) بين يديه، وقال: يا محمد، إن هذه (وأشار إلى زوجته) أخبرتني بأنك أمَّنتني. فرد عليه الرسول (ص) قائلا: صَدَقَتْ، فَأَنْتَ آمِنٌ. فقال عكرمة: إلامَ تدعو يا محمد؟ فقال له: أَدْعُوكَ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، وَأَنْ تُقِيمَ الصَّلاةَ، وَأَنْ تُؤْتِيَ الزَّكَاةَ) وعدِّد عليه أمور الإسلام، وكل الخصال الحميدة.
فقال عكرمة: ما دعوتَ إلا إلى الحق وأمر حسن جميل وشعر أن كل ما ذكره النبي (ص) كان حقًّا، وأن كل ما تحدَّثَ عنه قبل ذلك أيام مكة وبعد مكة كان صدقًا، وكان من كلام النبوة والوحي. وهنا قال عكرمة: قد كنتَ -والله- فينا تدعو إلى ما دعوت إليه، وأنت أصدقُنا حديثًا، وأَبَرُّنَا بِرًّا، فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله.
في لحظة واحدة انتقل عكرمة رضي الله عنه من معسكر الكفر إلى معسكر الإيمان!!
ثم قال عكرمة رضي الله عنه: يا رسول الله، علمني خير شيء.فقال الرسول (ص) تَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ).
فقال عكرمة رضي الله عنه: ثم ماذا؟
قال: أَنْ تَقُولَ: أُشْهِدُ اللهَ، وَأُشْهِدُ مَنْ حَضَرَ أَنِّي مُسْلِمٌ وَمُهَاجِرٌ وَمُجَاهِدٌ.
فقال عكرمة رضي الله عنه هذه الكلمات.
فقال الرسول (صلى)وهو يعرف أن عكرمة رضي الله عنه ما زال حديث عهد بالإسلام، ويحاول قدر المستطاع أن يقرِّبه إلى الدين: لا تَسْأَلُنِي الْيَوْمَ شَيْئًا أُعْطِيهِ أَحَدًا إِلاَّ أَعْطَيْتُهُ لَكَ.
لم يطلب عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه مالاً، أو سلطانًا، أو إمارة، وإنما طلب المغفرة فقال: فإني أسألك أن تستغفر لي كل عداوة عاديتُكَهَا، أو مسيرٍ أوضعت فيه، أو مقام لقيتك فيه، أو كلام قلته في وجهك، أو أنت غائب عنه. فقال صلى الله عليه وسلم: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ كُلَّ عَدَاوَةٍ عَادَانِيهَا، وَكُلَّ مَسِيرٍ سَارَ فِيهِ إِلَى مَوْضِعٍ يُرِيدُ فِي هَذَا الْمَسِيرِ إِطْفَاءَ نُورِكَ، فَاغْفِرْ لَهُ مَا نَالَ مِنِّي مِنْ عِرْضٍ فِي وَجْهِي، أَوْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهُ).
فقال عكرمة رضي الله عنه: رضيتُ يا رسول الله.
ثم قال صادقًا: لا أدع نفقةً كنت أنفقها في صدٍّ عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله، ولا قتالاً كنت أقاتل في صدٍّ عن سبيل الله إلا أبليت ضعفه في سبيل الله.
ووهب عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه حياته للجهاد في سبيل الله عز وجل، سواءٌ في حروب الردة أو في فتوح الشام، حتى قُتِلَ شهيدًا رضي الله عنه في اليرموك.
انظروا كيف بدَّل الله عز وجل حياة عكرمة تغير كامل بحسن استقبال الرسول له، وبتأمينه إياه، وبغفرانه له كل التاريخ الأسود الذي كان له مع المسلمين، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: (لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ). وفي رواية: (خَيْرٌ لَكَ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ).
