نحو سياسة جغرافية حديثة لإدارة الأزمات وقت الأوبئة

نحو سياسة جغرافية حديثة لإدارة الأزمات وقت الأوبئة

رؤية مشتركة يكتبها؛
هاني أبو العلا أستاذ جغرافيا العمران و نظم المعلومات الجغرافية بجامعة الفيوم- مصر
وتغريد الجهني أستاذ مساعد التخطيط العمراني ونظم المعلومات الجغرافية بجامعة طيبة- السعودية.

متابعة د.هادي حسان

لا شك أن ما تعيشه الأمة العربية والاسلامية في ظل أزمة عالمية عاصفة بفعل انتشار هذا الفيروس اللعين (كرونا المستجد) قد وضع صانعي القرار في حرج حيث لم يكن مخطط له على الاطلاق، وربما كان التفكير فيه درباً من الخيال وأفلام الخيال العلمي التي تشغل بال المغامرين من شباب اليوم.
و من خلال معايشة لمظاهر و مشكلات انتشار ذلك الوباء عالميا، فقد دعانا ذلك لتحليل المشكلة من وجهة نظر جغرافية للوقوف على بعض معوقات السيطرة عليها.
فالناظر لمشكلة جائحة كرونا يجد عدد من العوامل لا يمكن انكارها، فالاختلاط هو أشد مسببات انتقال العدوى، و قد يكون الحجر حلاً لكنه ليس مثالياً، فالانسان كائن متحرك اجتماعي يغلب عليه طبعه في كثير من الاحيان. والمواصلات العامة قد تكوم الأشد خطرا في انتقاله، لكن كيف لنا أن ننتقل لوسائل النقل الخاصة في ظل مجتمعات متباينة مستويات المعيشة، وكيف لنا أن نحمي بيئتنا من الملوثات حال انتشار وسائل النقل الخاصة، إن كنا ننادي بالتنمية المستدامة ومحاربة التلوث؟
وإذا أوقفنا سكان المدن وخظرناهم في بيوتهم، فكيف نضمن سير عجلة الانتاج في ظل حاجات لا تتوقف؟ و إن كنا لا ندري الأبعاد الزمنية للأوبئة؟
كيف لنا أن ننفذ عمليات حظر سكاني وقت الأزمات مع الحفاط على دولاب العمل و الانتاج يعمل دون توقف؟
كيف نستطيع العزل السني أو النوعي بحسب ظروف كل أزمة، حمى الله بلاد المسلمين من الأزمات؟
وفي حال عزل مناطق أو أحياء بعينها في المدن كما حدث في المدينة المنورة ومكة المكرمة، فكيف تسير الحياة المدنية بتوقيف بعض أجزائها، التي قد تكون مراكز هامة؟
كلها أسئلة طرحناها على أنفسنا محاولين المشاركة الايجابية في تلك المرحلة، وإن كان لنا اسهاماتنا الاكاديمية المشتركة في قضايا سالفة.

بعد نقاشات توصلنا لأطروحة، فقد تناولنا خطط المدن، التي لا يمكن سرد عناصر المدن بناء عليها إلا حال إنشاء مدن جديدة، وتساءلنا هل يمكن أن نأخذ خطة بعينها لتطبيقها على ماهو موجود بالفعل؟ وهل يمكن اعادة تخطيط المدن، كأن نعيد التخطيط لنجعل المدينة ذات مجاورات مستقلة أو نجعلها متعددة النويات مثلاً، وإن كان لهذه الخطة مزاياها النظرية، إلا أنها سوف تصطدم بالواقع العملي في كثير من الأحيان، فالإنسان العربي المسلم لديه من الثوابت العقائدية والطبائعيه ما يجعل من تنفيذ بعض الخطط النظرية أمراً صعباً بعض الشئ. فضلاً عن البعد القِيَمي والديني لبعض المدن، فلو نظرنا لمكة المكرمة أو المدينة المنورة منارتا الإسلام والمسلمين، فمن الصعب اهمال مركزية المسجد الحرام والمسجد النبوي حال التخطيط، ولا نعني المركزية المكانية، اننا المركزية الروحية.

إذن فالخروج بالحل من بؤرة النقل والانتقال أمر حتمي، ودعونا نفكر سوياً؛
ففي تفعيل عناصر المدن الرقمية جزءاً من الحل وفي تبني فلسفة المدن الذكية الجزء الآخر.
فعناصر تكنولوجيا الاتصالات و خلق قواعد للبيانات الضخمة جزء كبير من الحل، كما إن وجود كوادر مدربة و برامج توعوية للسكان على التطبيق هو الجزء المكمل.
فلو تخيلنا تبني المؤسسات لخلق واقع افتراضي يمكن للمؤسسة والفرد الدخول عليه وإدارة العمل والانتاج من خلال حسابات مؤمنة ومنضبطة، مع تأمين شبكات قوية من الانترنت المجاني كالماء والهواء فضلا عن مجتمع تم توعيته وتدريبه بشكل كبير، فهل يكون هناك مشكلة لتفعيل ذلك وقت الأزمات؟
ولا نعني بذلك وجود الآلات فقط، انما نعني التغيير السلوكي للأفراد عن طريق برامج عملاقة للتوعية، تكون ذات مخرجات قابلة للقياس و المتابعة.
وأين نظم المعلومات الجغرافية مما يحدث، فهل فكرنا أن تتضمن قواعد بياناتها بيانات للسكان و أعمارهم وحالاتهم الصحية وفقاً للأحياء مع تحديثها بشكل دوري، هو ما يمكن من خلاله باستخدام بعض المعادلات البسيطة تحديد أشد الأحياء تضررا وخطورة وفقا لمعايير أي جائحة!
لماذا ننظر لرقمية الأنظمة لا لذكائها؟ لماذا نفكر خارج الصندوق إذا كانت المشكلة بداخله!
الأزمة أبعادها مكان+زمان وهو مايساوي الجغرافيا.
الجغرافيا تساوي المكان والإنسان، فلا يجوز التخطيط في المكان بعيداً عن خصائص الإنسان.
فكيف نخطط نظرياً ضاربين في المستقبل لمئات السنين، مهملين كل المتغيرات،التي قد تستجد! وهل كنا نتوقع أن تأتي ٢٠٢٠ لتعلم الناس كيف يغسلون أيديهم.

Related posts