مصر بين الصمت والبناء… ورسائل الردع الذكية

مصر بين الصمت والبناء… ورسائل الردع الذكية
بقلم: المستشار الإعلامي والسياسي خميس إسماعيل

ما نقلته القناة 14 العبرية على لسان إيلياهو ديكل، رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية الأسبق، عن تحذيره بأن معاهدة السلام مع مصر في خطر، وأن القاهرة تستعد للحرب، هو في حقيقته تعبير صريح عن قلق استراتيجي إسرائيلي متراكم. إنه قلق يكشف عمق التحول في ميزان القوى الإقليمي، خصوصًا بعد أن أصبحت مصر تمارس سيادتها على سيناء بشكل كامل، دون أن تكون مضطرة لتقديم تبريرات، رغم التزامها الشكلي باتفاقية كامب ديفيد.

تعزيز الترسانة العسكرية المصرية:
هذا ليس بالأمر الجديد، بل هو نهج استراتيجي بدأ منذ سنوات ويعكس فلسفة “السلام القوي”، الذي يتطلب قوة ردع تحمي السيادة الوطنية وتمنع تكرار سيناريوهات الماضي. تدرك إسرائيل جيدًا أن مصر اليوم ليست كأمس، لا في التسعينيات ولا في السبعينيات، وأن جيشها لم يعد مجرد قوة دفاع بل بات ركيزة لاستقرار الإقليم.

إنشاء مطارات عسكرية في سيناء:
وجود قواعد ومطارات عسكرية في عمق سيناء لا يمثل خرقًا فاضحًا للاتفاق، خاصة أن البروتوكولات الأمنية المرفقة بكامب ديفيد خضعت لتعديلات عدة، خصوصًا بعد 2011، باتفاق الطرفين، ومنها السماح بتوسيع الوجود العسكري المصري لمكافحة الإرهاب. إسرائيل، التي كانت طرفًا في هذه التعديلات، اليوم تدّعي أن التوسعات تجاوزت المتفق عليه، وهو في الحقيقة اعتراف ضمني بأن مصر باتت تفرض معادلتها، لا تكتفي بالامتثال لها.

الجسور والمعابر فوق قناة السويس:
إنشاء ما يقرب من 60 معبرًا وجسرًا فوق القناة ليس شأنًا إسرائيليًا، بل هو شأن سيادي مصري خالص، يعكس استعداد الدولة المصرية لكافة السيناريوهات، سواء المدنية أو العسكرية، ضمن إطار استراتيجيتها الشاملة للأمن القومي. هذه البنية التحتية المتقدمة هي جزء من قدرة مصر على التحرك السريع والفعّال عبر ضفتي القناة متى دعت الحاجة.

“فوضى” اتفاق السلام:
عندما يقول ديكل إن الفوضى بدأت مع توقيع الاتفاق، فهو يقرّ ضمنيًا بأن إسرائيل كانت تراهن على أن تظل مصر دولة منزوعة الإرادة الاستراتيجية لعقود. لكن هذه الرؤية تصطدم اليوم بواقع جديد، مصر فيه قوة إقليمية مستقلة القرار، لا تدور في فلك أحد، ولا تنتظر إذنًا من أحد لتأمين مصالحها.

الرد العملي المصري:
لم تهدد مصر، ولم تخرق اتفاقًا بشكل مباشر، لكنها استعادت زمام المبادرة بهدوء، وبصمت، وبخطط بناء متواصلة. لم ترفع شعارًا تصادميًا، لكنها فعّلت فلسفة الردع الذكي، عبر خطوات محسوبة ومدروسة. وهو ما يمثل ذروة الذكاء الاستراتيجي.

أنا وقلمي وقهوتي
المستشار الإعلامي والسياسي
خميس إسماعيل

Related posts