كتبها/ سيد علي
في أعقاب أي زلزال عالمي، تبدأ عملية فرز الركام؛ بحثاً عن الناجين، وحصراً للخسائر، وتحليلاً للأسباب. وجائحة “كورونا” كانت زلزالاً شاملاً هز كل بنى المجتمع العالمي، بما فيها المجتمع المصري.
ولكن بينما كان العالم منشغلاً بقياس الأضرار الصحية والاقتصادية، كانت هناك هزة عنيفة أخرى، ربما تكون أكثر خطورة، استهدفت البنى التحتية للثقافة والفكر والذوق العام والتماسك المجتمعي.
والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح:
هل ما نعيشه الآن من حالة “الانحسار الحضاري” هو نتيجة طبيعية لتداعيات الوباء، أم أن هناك “كورونا” أخرى، أبطأ وأخطر، كانت تعمل في صمت حتى تسارعت وتيرتها مع الجائحة؟
المشهد الذي يصفه المواطن المستيقظ من “سُباته الطويل” ليس مجرد تشاؤم عارض ،،، بل هو تشريح دقيق لواقع بات ملموساً.
لقد تحولت ساحة الإعلام من حلبة لنقاش الأفكار إلى مسرح لصراعات الأنا، حيث يُقاس التأثير بمدى الضجيج، لا بعمق المحتوى.
الأمر أصبح “فُله،شمعه منوره” وأصبحت المنافسة الفنية تُختزل في نزاعات استعراضية على لقب “نمبر ون”، او من سيقبض اكثر لتشويه او المشاركة في تشويه كواكب الفن المصري.
هذا في غياب صارخ لأي مشروع فني جاد يذكر.
بينما تتسع الساحة السياسية شكلاً، يضيق محتواها جوهرياً، وتتكاثر الأحزاب عدداً ويتقلص عدد القادرين على التفاعل مع أرض الواقع ،، بل نَدُر من فَهِم فقه السياسة الواقعية و الفرق بين الخدمة العامة و التنظيم السياسي لرفع شأن مؤسسته الحزبية ،، نُدرة الرؤية الفكرية.
أين ذهبت “القوة الناعمة” لمصر التي كانت تصدّر الفن والأدب والفكر للعالم العربي؟
أين ذلك الصانع الماهر الذي كان عنواناً للجودة والإتقان؟ يبدو أن الجائحة لم تعطّل حركة المصانع والمطارات فقط، بل عطّلت أيضاً “مصنع الإبداع” و”مطار الأفكار”. لقد خلقت حالة من الاستقطاب الحاد والانكفاء على الذات، حوّلت الهم العام من بناء المستقبل إلى مجرد البقاء في الحاضر و قيادة التوكتوك خيرًا من ألف مهنة و أبرك من صنعة حرفية تدفع المجتمع للأمام.
والسؤال الساخر الذي تطرحه هذه المشاهدات:
هل يمكن أن يكون “التطعيم” نفسه – بكل ما أحاط به من غموض وتسريع وتسييس – جزءاً من معادلة هذا التحول؟
ربما، وبنظرة سوسيولوجية ساخرة، نجد أن “التطعيم” قد يكون مجازاً عن عملية أوسع: تطعيم المجتمع ضد “الفيروس الفكري” عبر جرعات مكثفة من الترفيه السطحي بأشولة من الأرز المسوس، الذي يخدر التفكير النقدي.
تطعيمه ضد “فيروس التساؤل” بتركيزه على صراعات وهمية تستهلك طاقته العقلية.
تطعيمه ضد “فيروس التماسك” بإشاعة ثقافة الفردية والنجومية الزائفة.
لقد تم تطعيمنا – مجازياً – ضد العمق، فصرنا نعاني من حساسية مفرطة تجاه أي خطاب ثقافي أو فني أو فكري جاد.
الخسارة ليست في رحيل العمالقة – فدورة الحياة تقتضي ذلك – ولكن الكارثة هي في غياب البيئة الخصبة التي تنتج عمالقة جدداً.
لقد كانت الأزمة الصحية ذريعة مثالية لتسريع عمليات التحول هذه تحت شعارات “الاستمرارية” و”مواكبة العصر” و”إرضاء الجمهور” ،،، النتيجة: مشهد ثقافي وسياسي واجتماعي هش، يعاني من “نقص المناعة” ضد الرداءة والتفاهة.
الخروج من هذا “الكابوس” لا يحتاج إلى العودة إلى الكهف، بل يحتاج إلى إيقاظ جماعي. يحتاج إلى وقفة جادة لإعادة تقييم ما فقدناه خلال سنوات العاصفة، ليس فقط على مستوى الاقتصاد، بل على مستوى الهوية والروح الجماعية. ،،، يحتاج إلى إعادة اكتشاف “الصانع المصري” بداخله، سواء كان ذلك الصانع فناناً، أو مفكراً، أو سياسياً مبدعاً، أو حرفياً متميزاً.
الوباء سيمضي، ولكن “كورونا” التدهور الحضاري قد تبقى إذا لم نعترف بخطورتها. ،،، فهل نستيقظ الآن، أم ننتظر جرعة تعزيزية أخرى من النسيان؟