قراءة نقدية لرواية ملائكة الرماد..
كتبت / إيمان الحملى
أثارت رواية ملائكة الرماد بعد نشرها ومناقشتها العديد من الكتاب والنقاد العرب، وأدلى كلا بدلوه فى قرأة نقدية، ومنهم
أستاذ البلاغة والنقد ولسانيات النص الدكتورة النقادة: أمل سلمان – العراق
تداوليّة الخطاب الروائي
فى قراءة في رواية “ملائكةُ الرَّمادِ” للروائي المصريّ صفاء محمد .
_______________________
تُعدُّ التداوليّة إحدى المدارس اللسانيّة التي تناولتْ الظواهرَ في مجال الاستعمال اللُّغوي وقد مرتْ شأنها شأن المناهج اللّغوية الأُخرى بمراحلِ تّطور ونمو وتّوسع فانتقلتْ من مجال اللُّغة إلى مجالِ الأدب وعُنيت بفهم الخطاب الأدبي وتحليل النصوص المتنوعة وتأويلها والبحث في إمكانات التاثير الإتصاليّة للنصوص وشروحها مُركزة على الإشاراتِ والمعينات التواصليّة و السياق وما فيه من افعال إنجازية وتأثرية وبيان مقصدية المؤلف إذ يرى “فان دايك” وغيره من التداوليين أن فكرةَ التداوليّة الأدبيّة هي إنجاز بعض الافعال المُجتمعية خلال الكلام فالنص الادبي بشكل عام يقوم على فعاليّات إتصاليّة ترتبط بالعوامل الاجتماعية والسياسية والثقافية التي تتطلب من الكاتب التعبيرعنها بشكل يعكس رؤاه وافكاره ويعبر عن معتقداته .ومن هنا اصبحت التداولية منهجا سياقيا وانبثقت عنها التداولية السرديّةالتي تُعنى بتحليل الخطابات الروائية من خلال التركيز على عناصر الإتصال ووظائفها التداولية من قبيل، العنونة والسياق والمقصديّة والحوار والحواريّة وغيرها على الرغم من صعوبة تطبيق هذا المنهج على الأعمال الروائية؛ بسبب عدم وجود نظرية تداولية مُتكاملة ومُحكمة الأطراف فضلا عن أن الخطاب الروائي ينماز بالفنتازيا وبعده عن الحقيقة والصدق الواقعي باعتراف كبار التداوليين أمثال اوستين وسيرل .
تأسيسا على ما سبق سأحاول اسقاط رواية ملائكة الرَّماد الصادرة عن مؤسسة أخبار اليوم في القاهرة عام ٢٠١٨في مِخْبر القراءة والتجريب من خلال توظيف الآليات التداولية مع علمي ان الاشتغال التداولي على هذا النمط ما يزال يسيرُ على استحياءٍ مركزة على العنونة والسياق .
_أوّلا __العنونة
يكتسبُ العنوانُ في الخطاب السردي أهمية أستثنائية بوصفه أوّل المُثيّرات القرائيّة التي تفتحُ بابا للتأويل والتفسير لما يحمله من رمزية وإيحاءات مُتشعِبة الأمر الذي يولّد في نفس القارىء الرغبة والدافعيّة للقراءة ،ولقد أشار التداوليون إلى عدد ٍمن الوظائف التي يحققها من قبيل ،التسمية والآرائية والتلخيصية وغيرها .وفي الحقيقة عنوان رواية ملائكةُ الرّماد عنوانٌ صادمٌ لم استطع فكّ شِفرته إلا بعد إعادة القراءة مرتين ،فمن المتعارف عليه أن الملائكةَ اجسامٌ نورانيّةٌ لا يَعصُونَ الله ما أمرهم ويفعلُونَ ما يُؤمرُونَ لكّن الإسنادَ الصادم إلى الرّماد ولّد إشكاليّة فالرّمادُ مادةٌ تبقى بعد احتراق أشياء عُضويّة بالكامل وربَّما نكتشفُ حقيقةَ هذه الملائكة في المَتن الروائي ففي ص ٥٩ نقرأ إشارة عندما يتكلم البطل عن والده يقول “كان وكأنه ملاكٌ خرجَ من رماد كلّ الأرواحِ الطيّبة التي عاشت على هذا الكوكب الذي تفوح الشرور من قاع بحاره ،وورد روابيه ” وفي ص ١٥١ عندما يصف الروائي تلك الطبقة الكادحة من الناس الذين يعتنقون الحب رغم قساوة الحياة إذ يقول :”لا بّدأن أرواحَ هؤلاء حين تَعرجُ إلى السّماء تعودُ لتتساقط على ذلك الرّماد لِينبت ملائكةً جديدةً تلبس اجساد بشر آخرين ليتحرَّكوا بيننا وينشروا النورَ ،تجوب الأرضَ لتحصد ذلك الشّوك النابت من تراب الأشرار ”
هذه المُعينات الإشارية تحيلنا إلى بعض الطقوس العقائدية عند الدُّول وهي طقوسٌ الرّماد عندما يوصي الميت بحرق جسده ولا يرغب بطقوس التراب ودفن الجسد إيمانا منه أن الموتَ هو مصير الجميع فلا داعي لوجود الجسم تحت الأرض ومن ثم يؤثر سلبا على البيئة والبعض الآخر يرغب بأن لا يكون له قبرا يثير الحزن زمنا طويلا بقلوب الذين احبهم واحبوه ويمكن التمثيل لهذا التأويل بالخطاطة الآتية :
طقوسُ التراب
|
تراب الاشرار
|
تنبت الشر والاشواك
|
تنشر الكره
في حين _____ طقوس الرّماد
|
رماد الاخيار
|
تنبت الخير والورود
|
تنشر الحب
والسؤال المطروح هنا ،كيف تُنبت الملائكة من الرماد ؟ولماذا الارواح الطيبة ينسبها الروائي إلى الرماد ؟وهذا يجعلنا نميل الى الاعتقاد أن الكاتبَ يدعو إلى الانعتاق عمّا هو عقائدي وراسخ واعتناق سبيل المحبّة وهو ما يتفقُ مع الإهداء عندما قال :”إلى كلّ من اعتنق المحبّة والعطاءَ والتسامُح ،وكل من يُساهُم في جعل هذا الكوكب أكثرَ حياة ”
__ثانيا __ السياق
السياق هو المحيط غير اللغوي الذي يؤطر الخطاب ويبيّن معناه بحيث يشمل الشروط التداوليّة التي رافقت الحدث من زمان ومكان وأطراف وعلاقات ،فالحدثُ يحكي قصةَ شاب مصري أسمه عمر ،ولد وترعرع في قرية في محافظة الشرقية ثم غادرها لدّراسة الهندسة في القاهرة وبعد التخرج يتفقُ مع حبيبتهِ على اتمام مراسيم الخطوبة في يوم عيد ميلادها ،واثناء ذهابه هو وصديقه يتعرض إلى حادث مروري يفقد بسببه ذاكرته التي تعود إليه بعد مرور اكثر من خمس وعشرين سنة يُزرع خلالها بأرض غير أرضهِ ،وناس غير ناسهِ يتحول إلى خالد باشا، بخدعة من صافيناز هانم ، ابنة أحد الوجهاء التي دهسته في ذلك الحادث ،وحتى تغطي فعلتها تستغل بالتعاون مع ابيها وعائلتها موت صديقه وفقدانه الذاكرة وذكائه في مجال الهندسة المعمارية ليدخلوه شريكا ثم زوجا ثم صاحب اكبر الشركات الخيّرية “المجموعة الخالدة “التي لم تدع مكانا بمصر إلا وتركت به نبتة خيرٍ أو بصمة عطاءٍ ،لكن بذرةَ الخيرِ التي غرّسها والدهُ ذلك الملاك الرمز في صلب ابنه بقيتْ لم يغيرها تقلب الحال .وعندما تعود إليه الذّاكرة نتيجة حادث آخر
يآبى إلا العودة والرجوع الى عمر ويترك كل ما بناه خلال تلك السنين التي دفع عمره ثمنا لها بعد اكتشافه تلك اللعبة القذرة .
فالرواية تبتغي التعبير عن فعل إنجازي يتمثّل في العودةِ إلى الأصول احتجاجا على التردي الحاصل في منظومة القيّم الأخلاقيّة.
