قراءة في شعر الدكتور عبد الوهــاب برانيـة

دكتور / أحمــد مصــطـفى
،*******

4- قلبي يتالم عند الفجر:
كان (الفيس بوك) بالنسبة لي ولغيري من رواد شبكة التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للترفيه والتواصل مع الأخرين ممن نعرفهم خبرا أوعيانا ، وكنت في بدء معرفتي بالانترنت أعتقد أن هذا العالم الافتراضي لايمكن أن تأخذ منه معرفة ولامعلومة وإن أخذت ؛ فستحيلك مشاركتك وتفاعلاتك لبعض الشك فيما توصلت إليه.
والشبكة العنكبوت الضخمة يراها المرء هائلة لا مخرج منها ؛لأنه أعاد بها ود أصدقائه الذين مضى على معرفته بهم زمنا ، وقابل بها زملة من بقايا الحياة ، وكتب على صفحاتها خواطره وأماله وأحلامه ،وعرف بها كثير من أهل العلم والأدب .
وقوي بهم حين ظن انه ضعيف ، فاقد الفاعلية فاقد الثقة بنفسه، “ولو أنه تحول إلى وضع الفاعلية الحضارية من جديد لأدرك أن كل هذه الإشكاليات المفروضة عليه من خارجه تستحيل إلى غبار وهباء بل ستظهر على أنها إما سوء فهم من الآخر أو سوء نية” .
ومع الأيام أصبحت العلاقة حميمة بين الانسان والفيس بوك من خلال كتابات النخبة المثقفة شعرا ونثرا على شرفات التواصل ،الذي تلاقت فيه الأرواح حياة وعشقا ومن هؤلاء الأستاذ الدكتور عبد الوهاب برانية ، ذلكم الأكاديمي الفذ والشاعر الحر العاشق لأزهره ووطنه ،القادم بكل ثقة وحزم في الكتابة الشعرية الممتعة.. والقاريء في ديوانه ( قلبي يتألم عند الفجر) تأخذه مجموعة من التساؤلات ،وكلها تساؤلات حول الذات والأخر، حول الوطن والمواطن ،حول الجندي والقائد، حول وطن يعيشهنا ونعيش فيه ، فأي عشق أجمل من عشق الوطن وأي كتابة تكون أرقى حين يرتل ما في أعماق النفس العاشقة تارة والحزينة تارة اخرى والمتأملة أيضا في مكنونات ما يصادره القلب .. يقول:
يا مصر يانبض الفؤاد وراحة القلب العليل
سيظل حبك صامدا يبقى على الأمد الطويل
سيظل عند تزاحم العشاق معشوقي الجميل
إلى قوله:
سأظل أدني صاحبي مادام عنها لايميل
فإن تحـــــول حبه حولت قلبي ألف ميل
ألم تر أن لغة التاريخ تأخذك ؟! ؛فيصوغ الشاعر في أشعاره صورا للعقل والإحساس والإِرادة في علاقة البشر بواقعهم وتاريخهم ، فكانت أبياته ذات نفس شعري، تحمل لونا خاصا يصنعه بتدرُّجاته وانبثاقاته المدهشة ،إنها مصر التي في خاطره ، يحبها ويتخيلها إنسانة يخاطبها ؛فالوطن حاضر في كل قصائده, رمزاً ووضوحاً, يتألم لأوجاعه ويحب من يحبه ويعادي من يعاديه.
والحق إن الدكتور عبد الوهاب انشغل في مشروعه الشعري بحرارة التعبير، والتنفيس عن ذاته المشحونة بالأمل والعمل والحياة ، فيكتب الشعر بذات الصدق الذي يتنفَّس به للفـقد والترحيب والتحية والشكر والعرفان والذكرى في أوراق ماضيه ؛مما يجعله شاعراً مخلصا وفيا. يقول:
جموع الشعب قد وقفوا صفوفا
يؤدون الصلاة بثوب عيد
يصافح كل إنسان أخاه
يبادله التحية بالأيادي
إذا بالغاشم العربيد يأتي
كما تأتي العواصف بالبوادي
أحالوا ثوبنا في العيد ثوبا
خضيبا باحمرار معْ سواد
ولكن فاتهم أنَّا سريعا
سنرصدهم بأجنادِ جياد
نجندلهم ونتركهم صراعا
نمزقهم بأضراسٍ شداد
ونخلي أرضنا من كل جرذ
نشتت شملهم في كل واد
وهو يذكر للقاريء مناسبة كل قصيدة يقول:”بينما كان المصريون في صلاة عيد الفطر، وكان جنودنا المرابطون في الكمين 14بالعريش يتنسمون روائح العيد المنبعثة من أجواء مصرنا الحبيبة والمشبعة بعبق الإيمان والسكينة، كانت جحافل الإرهاب وخفافيش الظلام تشق طريقها بأدوات الغدر والخيانة لتفزع ملايين المصريين في حفنة من فلذات الأكباد غدرا وخسة ”
وفي جمله المتناسقة التي يوضح بها مناسبات قصائده ،لاتحسبه يقدم لشعره فالشعر لا يُقدّم له، ولكنه يقدِّمُ نفسه .. هكذا علّمتنا دراسة الأدب . لكن الشاعر اعتاد أن يلامس قلوب قرائه بأجنحته وشعاعه السني ، فيمنحهم من طاقته الشعورية ما يهيئهم لأشعاره..
يقول:
ووددت لو رفعتْ حواجز بيننا
فلثمت جبهة صاحبي وعيونهْ
وحضنته وانسبت في أضلاعه
وبثثت كل لواعجي المكنونةْ
لكنْ فطنت إلى رفاقي والثرى
والزرع والأطيار إذ ينعونهْ
ورجوتهم أن يحتفوا أبدا به
ويؤانسوا محمودَ، هل ينسونهْ؟!
ورجعت في ليل حزين قابض
كل الرفاق معي ولكن دونهْ
إن ذكريات الدكتور عبد الوهاب المتعلقة بالرحيل هى الأشد إيلاماً عنده ، وإن أشد الراحلين إيلاماً برحيلهم هم من يتركون بصماتهم بأعمق منطقة فى روحه وحياته؛ لأنهم عندما يرحلون يخدشون البقعة الأعمق، يتسببون فى الجرح الأعمق . لكنه يقدر الأشياءأكثر بعد فقدها ؛ ﻓﺎﻟﺼﻮﺕ ﻭﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﻻ ﻳﻤﻜﻨﻬﻤﺎ ﺃﻥ ﻳﺤﻼ ﻣﻜﺎﻥ ﻛﺘﻒ ﺗﻠﻘﻲ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺭﺃﺳﻚ ، ﻭﻗﻠﺒﺎ ﺗﺸﻌرﺃﻧﻪ ﻳﻨﺒﺾ ﻋﻠﻰ ﻭﻗﻊ ﺿﺮﺑﺎﺕ ﻗﻠﺒﻚ.
لقد رحل صديقه البار الخلوق المتواضع وافر العطاء نقي الوجدان (الدكتور محمود توفيق) في عمر الزهور ، مخلِّفا وراءه لوعة لا تنقضي وحزنا لا ينتهي في قلوب محبيه فيذهب إلى قريتة لكنه لم يدرك لحظات التشييع،فيتوجه إلى قبره و الذهول وصورة محمود لم يتركا له فرصة لإدراك شيء من الواقع المؤلم.
وقصائد الرثاء تمثل 17℅من مجمل قصائده والتي يبلغ عددها (52) وهذه القصائد هي: ( نسائم العيد –وداع محمود – لحظة وداع- المعاني لاتموت- راثاء الدكتور محمود عباس- مواساة- الفوارس يترحلون- طفل على قبر أبيه – سما) وكلها يصور الفجائع التي حلت .. ومازالت ذائقته واحساسه المرهف وخبرته بالنفس ومايعتريها من تقلب وألم وسرور وحزن ، دافعه للبوح والغوص في أعماق الذات ؛ فتراه يكتب دون ملل ولا زيف.. يرسم نبضاته بريشة فنان ويرتل اشعاره في محراب المتصوف الناسك …
هكذا أراه في ديوانه ، لكني أعتب عليه صرخاته العالية لكل فقيد ،وأوجاعة المتتالية لكل راحل ، وهذا عتاب يُبقي ودا ، ذلك لأني على يقين بأن النابغين وراءهم حزن كبير.
إن الدكتور عبد الوهاب أسهب في الحديث عن أوجاعه وكليتيه (اللغة العربية والدراسات الإسلامية) وحين يتحدث عن الحب تجد مصر هي حبه ، ومازلت أكرر سؤالي :أين الغزل من بوح الشاعر؟! ولماذا ازدحم ديوانه الأخير بهذا الكم من الحزن والألم ؟! أهي الأحداث المتتابعة والمواقف المتباينة؟! أم أن ثمة ديوان أخر في أدراج مكتبه لم يخرج بعد إلى النور؟!
وعلى ضفاف القلب تزداد لهفة الشاعر لكلمات الغزل ويزيد شوقه في ترتيل اهاتها بنبرات حزينة ..يقول:
كريستيانُ أنا أهديكِ سيدتي
نبضا بقلبي وأنغاما بأوتاري
فالقلب تنبض في صدري لواعجهُ
ما زال ينبض رغم القصف والنارِ
والقصف في بلدي أودى براحتنا
لكن حبكِ قد أودى بأوزاري
أظل يوميَ في بؤسٍ وفي تَعَسٍ
ألوذ والأهل خلف النؤي والدارِ
لكنني بالمسا أرنو لشاشتكم
لكي أراكِ وما أصغي لأخبارِ
فما توقفت في يوم على “حدثٍ”
إلا لتنظركم عيني بإكبارِ
فإن رأيت على الشاشات طلَّتكم
نسيت كل هموم القصف والغارِ
كما تمنيت بُعدَ القصف عن بلدي
فقد تمنيت رؤياكم بأسحاري
وبين رسالة اليمني (عمر العمودي) ومذيعة (قناة الحدث) الجميلة “كريستيان” يجتمع النثر والشعر على مائدة واحدة ، وكلاهما يواصل يواصل المسير في شكواه بحروفَه الرصينة ،إن هذا الديوان يحتوي أدبا راقيا يحمل أحلاما و يشجو بآلام من ناحية أخرى و المحبوبة هي مصر .لكني شعرت بعض الشيء بالرتابة عند قراءتي لقصائده (وداعا صديقي – د.عزت شكرا-سأقهر كل غدر-اعتذار) فقد كان يكفيه في صديقه الخلوق الراحل قصيدة واحدة يمكن أن تطول ، وشكره للدكتورعزت أمر متصل بأخلاقه وتواضعه ومعرفته الفضل لكني في الحالتين لم أجد تلك الروح الشاعره التي تعودت عليها في شعر الدكتور عبد الوهاب تلك الروح التي تجعلني ملاحا تائها في خضم الحياة وروحا شاردة في آفاق الوجود.
ولكني ركنتُ إلى طبيبٍ
جديرٍ باحترامٍ واعتبارِ
سألتُ هناك عن (عرقوبَ) لمَّا
رأيتُ الجالسين كما التتارِ
فما مرت ثوان بعد سُؤْلِي
ولا مرت دقائقُ من نهارِ
رأيتُ أخي يسارع في مثولٍ
يعاملني معاملة الكبارِ
ويصحبني بكل حُنُوِّ قلبٍ
كأني بعضُ صبيته الصغارِ
يهدهد راحتي ويرد عني
هواجس في الحشى مثل الأوارِ
ولكني أزاح الهمَّ عني
وأنساني الهواجس باقتدارِ
وهذا أمر ربما يختلف طبقا لوجهات النظر ، ورأي خطأ قد يحتمل الصواب، لكن الديوان يحمل من القضايا الاجتماعية والوطنية الكثير والكثير ،وإن قلت جودته عن أعماله السابقة ، ( من وحي الجامعة – ومضات – بقايا إنسان) ولعل الشاعر أجهد نفسه حين جعل كل ماتقع عليه عينه يصلح ليكون موضوعا للشعر؛ ليتسنى له بناء قيم نبيلة تكمن فيها الإنسانية .
شرفت كثيرا بقراءة شعركم أستاذي الفاضل ،أاشهد أني وجدت في كل محاولة شعرية شحنا للألفاظ بطاقة غير عادية ،واجتهاد في استغلال الإيقاع الشعري وانك منحتنا من فكرك ولغتك شجنا، صنعت منه نصا مؤثرا شكلا ومضمونا.
قكان شعرك ضربا من الاستئناس و استدعاء للماضي واستحضار للواقع وأمل في المستقبل.

Image may contain: 1 person

Related posts