في مدرسة سوق الحدادين ، فنان تشكيلى بدرجة حداد من [ زَمِنَ الْفَنُّ الْجَمِيلُ ]

 
تقرير – محمد مأمون .
 
في منطقة إحتفظت بأطلال تراثها من حجر البازلت الذي كاد أن يختفي مع مرور الزمن بعد أن كان يكسو شوارعها ، كانت جولتنا داخل سوق الحدادين ، أقدم المناطق التاريخية بمدينة المحلة والتي تميزت سابقاً بوجود العشرات من ورش الحدادة البلدي التي تعتمد في عملها على الكير والمطرقة والسندان قبل أن يتقلص عددها إلى ثلاث ورش فقط .
 
يروي الأسطى ” إبراهيم كُسبر ” صاحب أقدم ورشة حدادة بالمحلة والذي توارث المهنه عن والده وجده أن حرفة الحدادة بمفهومها التقليدي القديم وبوسائلها العتيقة قد تأثرت نتيجة الآليات العصرية الحديثة مثل الهيلتي والصاروخ ، إلا أنها لم تستطيع أن تحتل مكانة الحداد الذي إستطاع أن يجعل من مهنته فناً تشيكلياً بإستخدام الحديد والنار .
 
وعن أسباب تأثر المهنة يؤكد “كُسبر” أن إرتفاع أسعار الحديد وأسعار فحم الكوگ قد أثر بشكل سلبى على طلب المُعدات البلدي التي تصنعها الورشة ولجوء الصنايعية للأدوات الصيني لرخص أسعارها على الرغم من قصر عمرها ، وعدم إمكانية إعادة تشكيلها بالنار لدخول الحديد الزهر في تكوينها .
 
ويضيف الأسطى “ شحتة ” صاحب الخمسة وثلاثون عاماً من الخبرة بالعمل في ورشة الحدادة أن المهنة فقدت العديد من طلابها مثل الأدوادت الزراعية ، فنادراً ما أصبح الفلاح يستعملها ، بعد أن سيطرت الآلات العصرية على آليات الزراعة والحصاد .
 
ويشير “شحته” بإبستامته التي لم تفارقه طيلة الحوار أنه غالباً ما يضطر لقبول الحد الأدني من أجر عمله للزبون حتى لا تتوقف عجلة العمل خاصة وأن رواد الطلب على منتجاته غالباً ما يبادرون بتقديم الأعذار المادية وضيق ذات اليد .
 
ويؤكد ” محمد فكري ” صاحب ورشة حدادة ، والذي إلتحق بالعمل مع والده منذ أكثر من خمسة وعشرون عاماً أن الحداد لم يعد اليوم قادرا على توفير لقمة عيشه ، فالأدوات الحديدية التي يصنعها بيده بعد ساعات من العمل الشاق ، لم تعد في مجملها ضمن الأدوات المستعملة حديثاً ، متمنياً لو إستطاع أن يترك مهنة الحدادة خاصة بعد تأثر صحته بسبب العمليات التي خضع لها نتيجة ممارسته لهذه المهنة .
 
ونختتم جولتنا مع الأسطى “ سعد ” واحد من أقدم صناع المهنة بسوق الحدادين ليروي لنا تاريخ المنطقة وكيف إلتحق بالمهنة منذ أن كان عمره 10 سنوات ، وأنه هوى تلك المهنه ولم تفرضها عوامل الوراثة عليه كباقي اصحاب الورش ، حيث تميز حديث الأسطى “سعد” بالرضا والقناعة رغم كل المعوقات الحالية للمهنة ، وكيف إستطاع أن يحافظ على إستمرار أبناؤه بالتعليم بعيداً عن العمل بمهنته لما فيها من مشقة وألم ، مؤكدا أن إرتفاع الأسعار أثر سلباً على عملهم إلا أنه راضي بنعمة الله عليه من الصحة وأن الرزق بيد الله عز وجل .
 
ونخرج من سوق الحدادين بنتيجة واحدة ، أن المهنة التي أخرجت أمهر صُناعها قد توشك على الإنقراض بعد أن لجأ العديد من اصحاب الورش لتغيير نشاطهم بسبب التطور العصري ، وهجر الشباب لتعلم الحرفة لما تحتويه من مشاق وخطورة ، وضعف المقابل المادي الذي لا يكفيهم لتوفير ما يحتاجون إليه من متطلبات حياتهم الجديدة بعيداً عن .. زَمِنَ الْفَنُّ الْجَمِيلُ

Related posts