ضربة الأربعاء..

بقلم الأديب فتحي بن معمر – تونس.


أعْلَنْتُ موتِي لأصدقائِي، فانتشر كالهشيم بين آلاف الأصدقاء الافتراضيين الذين لم أرهم قطّ في حياتي؛ من ذوي الوجوه الصقيلة، ومن ذوات العيون الدعجاء. يبدو أنّ الخبر قد أحدث ضجّة وبدأت تتوافد على العائلة هناك حيث ينتظر ثرى “أمِي يثِي” جثّتي الطاهرة -كما أقدّر طبعا – جموعُ النّاس مصدومين، مُستفسرين، مُعزين، مُتمنّين الرّحمة والفردوس الأعلى لرجل كان طيّبا حسب تقديرهم حتّى وإن أساء إليهم يوما ما. كما تداعت عليهم المكالمات الهاتفية من كلّ صوب وحدب. ولولت الزّوجة المصون، وبكى بعض الأقارب والأصدقاء حُرقة من هول المفاجأة، وانتشر العويل بما يوحي بجنازة حامية لرجل يبدو أنّه كان محبوبا أو صار بعد موته كذلك على الأقلّ. فهمت كلّ ذلك من خلال رنين هاتفي الذي لم يتوقفّ دون أن أردّ فانا ميّت الآن. كما أدركت ذلك أيضا من خلال كمّ الإرساليات التي تصل زوجتي وأبنائي على حساباتهم الالكترونية العديدة التي استطعت بقدرة لست أدري من أين أتت أن أخمّن كلمات السرّ وان افتحها جميعا. كانت الحواسيب الستّة مفتوحة أمامي وأنا أقرأ بعينيْن ساهمتيْن عبارات التعزية والأسى.
كان الجوّ غائما مساء الأربعاء، كانوا جميعا يستعدّون لمغادرة البيت نحو، لست أدري، عرس أو حفل أو لا أعرف، المهمّ أنّني أشعر بثقل يجثم على صدري، يدعوني إلى الموت. زوجتي كانت تبالغ في القيافة والأناقة وتُطيل الوقوف أمام المرآة بشكل لافت يُوحي بأنّها تتزيّن لغيري … فمن تُراه يكون؟؟ مجرّد التّفكير في الأمر يزيد أمواج الموتِ الجامحة في نفسي صخبا. لم يلحّوا عليّ لمرافقتهم وقد لا حظوا انكماشي وعزلتي وذعري من لا شيء، فتركوني لأستعيد توازني وحيدا كما تعوّدوا. غادروا جميعا ترفرف حولهم رائحة العطور الممتازة المتداخلة الكريهة. حملت الحواسيب والهواتف والجهاز اللاقط للويْفَايْ وقميصا ناصع البياض وعود أراك وسجّادة صلاة جديدة ومسبحة، ولم أحمل معي أيّا من المصاحف العديدة الفاخرة المنتشرة في أركان البيت وفي رفوف مكتبتي، فقد قرّرت أن أكتفي بمصحف قديم ذي الخطّ المعرّق على رواية ورش، ذاك المصحف الذي تُرسم فيه الفاء بنقطة من أسفل والقاف بنقطة من فوق والذي يُقال أنّ جدي “مْهَنِّي” كان قد اشتراه من بواكير ما كسب من النّقود بعد أن اشتغل سخرة في بناء “بير الرومي” في حومة السّوق(2). بعد أن افتكّ منه أحد الأعيان أرضه وصفعه أمام القوم.
حملت تلك الأغراض لأضعها بجانبي كما كان يضعها القدامى في قبور موتاهم وقد تأكّدتُ خلال النّدوة الأخيرة بقلالة أنّ من يُفترض أنّهم أجدادي يفعلون ذلك حين ذكر أحد المحاضرين أنّه عثر على قبر بجهة “تلات” يحتوي على لُقًى أثريّة توحي بذلك. حملت تلك الأغراض وتوجّهت نحو الغرفة القديمة العتيقة الشّامخة في أقصى “المنزل” رغم قدم بُنيانها الواضح للعيان، غرفة مربّعة الشّكل، تتوسّطها قبّة عالية، بها بعض الثّقوب الجانبيّة التي تُسدُّ وتُفتحُ حسب الحاجة إلى الضوء والدّفء. بها نافذتان متقابلتان ومصاطب ودكاكين بعرض متر تقريبا على طول جدرانها الأربعة. غرفة ليست فارهة ولا عظيمة ولا مزركشة. ليست في قيمة أهرامات مصر، لكنّها يمكن أن تكون قبرا لفرعون بسيط مفترض يحسب أنّه صنع بعض المعجزات في مسيرته المظّفرّة المنكسرة.
دخلت الغرفة المهيبة مُسلّما، فردّ عليّ جدّي “مْهنِي” الذي لم أره، ولم أسمع صوته، بل لم أعرفه، فقد وُلِدت بعد وفاته بخمسين سنة. لكنّني أعرفه من خلال حكايات والدي عنه ومن خلال نبرة الافتخار وهو يروي بطولاته وحادثة البغل الذي أغلق عليه الباب في مسجد “جَمْعْ الليل” ليلة أربعاء كاملة حيث لا يقوى أعتى الرّجال وأكثرهم شجاعة على قضاء ليلة داخله لفرط ازدحامه بأهل “كَسْ بَسْ بَسْم الله”. أغلقت باب الغرفة الخشبيّ العتيق ذي الصّرير المرعب المُخيف، أحكمت إغلاقه بالمزلاج الحديديّ الضّخم الذي اشتراه جدّي “مْهَنِّي” من اليهودي “حْوَاتُو” بعد أن أودعه بعض التعاويذ من كتابهم المقدّس تمنع السّرقة عن المنزل والحوش والغرفة، ولذلك لم تعرف أملاك العائلة السّرقة والاتلاف حسب ما يزعم الوالد والأعمام عدا حكاية البردعة التي سأرويها لكم إن لم أمت بالسرعة القصوى.أخذت قصعة جدّي الخشبيّة، لم أنفض عنها الغبار المتراكم على مدى السّنين فهو من التّراب وأنا صائر إليه بعد حين من الزّمن، ألم يقل عنّا بورقيبة “أنّنا مجرّد غبار بشري متناثر” في هذه الأرض. صببت جرّة الماء صبّا نزعت عنّي خِرَق الحياة دون حرج لأوّل مرّة في حياتي، لم أر عانتي عانةً بل قطعة سويّة من جسدي كيدي وأصابعي تماما. قرفصت في القصعة الممتلئة ماءً. وأخذت أصبّ الماء بجفنة فخاريّة عتيقة أظنّها تعود لجدّي أيضا وأنا أُوالي بين الأعضاء كما يقتضيه فقه الاغتسال وتفاصيل فقه غسل الميّت وقد كنت ميْتًا يرحمنِي الله.
انهيت الاغتسال، وخرجت من القصعة لست أدري بعد كم من الوقت ميّتا طاهرَ الجسد مُنقّى القلب والرّوح بالأدعية والأوراد التي حفظها والدي عن والِده عن جدّه عن أبيه بسلسلة متّصلة محكمة الحلقات تصل إلى الفقيه عبد الرّحمان الذي حفظت بعض القرآن على يد ابنه الفقيه بعزيز الذي صليّت منذ أسبوع صلاة العشاء خلف ابنه الفقيه “جمال”. لبست القميص الأبيض النّاصع وتعطّرت بحنوط كنت قد اشتريته وخبّأته منذ عشرين سنة يوم قرّرت أن أضع حدّا لحياتي لمّا أرهقتني المراقبة الإدارية والملاحقة والمنع من العمل. أشعلت شمعة، وتمدّدت على حصير متآكل أقدّر أنّه أكبر من والدي المتوفَى منذ عشر سنوات. أخذت المصحف بعد أن شغّلت الحواسيب وفتحت كلّ حسابات زوجتي وأبنائي التي اخترقتها بقدرة قادر. فتحت المصحف وبدأت أقرأ الفاتحة فالبقرة وكنت أتوقّف من حين لآخر لأتأمّل حالي واستعرض شريط حياتي. تذكّرت حلمي المزعج ذات ليلة اربعاء، حيث أرى نفسي أُدخَلُ إلى فرن كأفران الفخار بقرية الفاهمين وأنا أسمع تلاوة متكرّرة للآية ” كلّما نضجت جلودهم أبدلناهم …” قفزت ليلتها من سريري قفزة أذعرت زوجتي، توضأت بسرعة وتهجّدت، وأرجعت سبب رؤية الحلم إلى تفريطي في صلاتي في تلك السّنوات العجاف أنّى يكفر الإنسان بكل شيء.
ولمَ يُعاقبني ربي؟….، ولدت في عام النّكسة وما اخترت ذلك، اعتقدّت ما اعتقده الآباء والأجداد، أضأت الشّموع لـ “المعمورة” ليلة الأربعاء اتّقاء لـ “تِثَ نَلِرْبْعاءْ” كما كانت تنطقها جدّتي لأمّي بوجل وخوف عظيميْن، تقرّبت لـ “حنِيني بُوفْكَر” بنصيبي من لحم الوليمة حتّى يُزيل عنّي انتفاخا مفاجئا أصاب عضوا حَيِّيتا منّي، فزال الانتفاخ دون أن أشعر. لم أفعل الشرّ في حياتي رغم أنّني أفكّر فيه غالبا. لكنّني كثير السؤال والشّغف بالمعرفة. أيُعاقبني الله على كثرة السؤال والهواجس والشّغف بالمعرفة كما تعاقب الأنظمة الموقّرة بالسّجن والتّعذيب وجحيم المراقبة والملاحقة والمنع من العمل؟ …. لست أدري؟؟؟رفعت رأسي، وسرحت ببصري في سماء القبّة المظلم وحالي تُردّد مطلع الأغنية الشّعبيّة “شيّعت راسي لخالقي مولايَ …. يا ربي يا معبود فرّج دايَ” أتراه يأتي الفرج. ولِمَ أبحث عنه وأطلبه وقد أعلنتُ موتِي؟؟؟عدت إلى المصحف، قرأت بعض الآيات، ثمّ عادت إليّ أنواء الهواجس صاخبة، سببتُ نفسي ولعنت خيباتي الماثلة، ثمّ عتوت افتخارا بما أنجزت وما لم أُنْجِز، وعشت مع أحلام لذيذة مرقت مروق السّهم ولم تعُد. لا أعرف كم دامت تلك الهواجس، ولا تلك المحاورات مع وجوه جميلة ساحرة حينا، ولا تلك المشاحنات مع وجوه عابسة غاضبة مكفهرّة حينا آخر. ضحكت وبكيتُ، وتألّمت وتلذّذتُ.
وضعت عود الأراك بفمي واستويت على الحصير، وانتظرت أن تفيض روحي بسلام متوجّسا من نزعها نزعا مؤلما غاصبا، مستعينا على اللّحظة بأدعية من مأثور ما حفظت وهل ينفعني المأثور في زمن الحداثة الموتور؟؟
لا أعرف كم دامت وضعيّة انتظار الموت، ولا كم غفوت، لكنّني أفقت على وابل من إشارات صوتيّة تنبئ بوصول رسائل وإرساليات على حسابات أبنائي وزوجتي. قفزت إليها وطفقت أتصفّحها وأقرأ بشغف. أغلب المعزّين لا أعرفهم، لكنّهم وللحقيقة يُثنون عليّ ثناءً كبيرا، هل هذا أنا؟ حتّى ذاك الغبيّ الذي تشاجرت معه منذ أيّام ونعتني بأقذع النّعوت فرددت عليه بأقذع ممّا تلفّظ يذكرني بخير ويعدّد محاسني، بعض صديقاتي اكتفين بعبارات تعزية عامّة باردة صادقة، وبعضهن الآخر بالغن في عبارات الحزن والفقد بشكل يفضح ما اجتهدنا في اخفائه سنينا عددا. لم أقرأ أيّ ردّ أو إجابة على هذه الرّسائل من أيّ واحد من أفراد العائلة. خمّنت أنّهم في شغل عن ذلك وقد هزّتهم الصّدمة خاصّة حين عادوا إلى البيت ولم يعثروا على جثّتي الطّاهرة – كما أقدّر طبعا – لا شكّ أنّهم في ارتباك شديد وحيرة أشدّ أين “اختفت جثّته؟؟” أعرف أنّ ابني الرابع النّزق يسبّني ويردّد الآن مصفّقا يدا بيد: “أين هو؟ أوووووف، يُصرّ على تعذيبنا حيّا وميّتا”.
أضحك من أعماقي، وأعود إلى نفسي، تنتابني مسحة حزن غريبة، يُرعبني الموتُ، أتُراني أكون بعد لحظات لا شيء؟ كيف سمحت لنفسي أن أعلن موتي؟ كيف سمحت لنفسي أن أُدخل العائلة والأصدقاء في هذا الامتحان العجيب، في يوم حشر دنيويّ مقيت؟؟ بكيت طويلا وانتحبت، شرقت، كاد ينقطع نفسي، رأيت الموت قاب قوسيْ أو أدنى، لوّح لي ملك الموت بيسراه من على ربوة بالجدار، أفزعني الأمر، هرعت إلى القلّة وكرعت منها، كرعتُ ماء الحياة. قررتُ أن أنهي اللّعبة، فتحت حسابي وكتبت تحت تدوينة الموت المسائية:
“فجر جديد … صباح جديد .. أليس الصبح بقريب..حبّي الوافر وتقديري لكلّ من حزن واحتار…
متّ في هذه الصفحة وفيها بُعثتُ وإليها أُحْشرُ مرّة أخرى كما تُحشرون”
أغلقتُ حسابات الزّوجة والأبناء قبل أن أواصل قراءة الرسائل التي تسبّني وتنعتني بالجنون والنّذالة. وقبل أن أتمّ قراءة التّعليقات الشّنيعة على تدوينتي الأخيرة. سمعت آذان الفجر. وقبل أن أفكّر في الصّلاة، كان الباب الخشبيّ بمزلاجه الحديدي الكبير الذي تحفظه تعاويذ “حْوَاتُو” قد طُرحَ أرضا تدوسه أحذيّة عسكريّة لرجال شُمطٍ من سلالة أبناء الملائكة وبنات النّاس. حُمِلتُ في لمح البصر مقيّد اليديْن، مغمض العيْنيْن إلى الحشر الأفضع بتهمة إزعاج السّلطات الجديدة بعد الثّورة المباركة وبثّ أخبار زائفة من شأنها أن تبثّ الفوضى وتجعل النّاس يخرجون إلى الشّارع كما يُروى أنّهم خرجوا ذات يوم، ذات إقدام شابّ على الانتحار. وأدركت …. أدركتُ أنّها لعنة “ضربة الأربعاء” أو “تِثَ نَلْرْبْعاء” كما تنطقها جدّتي وكما نردّدها وجلين.
بقلم الأديب فتحي بن معمر(تونس)
الإحالات
1- كاتب تونسي و رئيس جمعيّة ألق الثقافية.
2 – المدينة الرّئيسّية لجزيرة جربة التوّنسيّة .

Related posts