شعر الدكتور عبد الوهاب برانية 1-من وحي الجامعة

شعر الدكتور عبد الوهاب برانية
1-من وحي الجامعة

بقلم / دكتور / أحمد مصطفى

أول ماوقعت عيني على دواوينه الثلاثة ؛ أيقنت أن الدكتور عبد الوهاب برانية ،يشتبك مع واقعه، وهذا أمر قلما تجده عند كثير من الشعراء، وفي قراءة خاطفة لمجمل الدواوين الثلاثة ،تأخذك هذه الإشارات لجمع كبير من السادة الأساتذة والشعراء والأصدقاء الذين حفل بهم شعره،إلى عالم مليء بالحب والود والخير ،وكلها بقايا إنسان يبحث عن ذاته في عيون لفظه ومعناه، ناهيك عن قضايا المجتمع وومضات الواقع ،والصور الفنية ذات الصياغة الشعرية البسيطة .
إن ماقراءته في شعر الدكتور عبد الوهاب، يؤكد وجود رؤية لشاعر أكاديمي، يستحضر واقعه ، ويصف حياته ،ويهني ويبارك ويرثي أحبابه، عبر لوحات فنية ، أحق أن توصف بالطرافة،فيها المفارقة المعنوية، واللوحات التصويرية، والملامح المصرية، وهذا كله في رؤيته الذاتية ، التي تكشف كثيرا من بقايا الإنسان ،وتعري بعض أحداث واقعه ومافيه من ألم ،عبر البوح الشجي بومضات من الزمن الجميل.
وفي الصفحات الأولى لديوانه الأول (من وحي الجامعة) ،تجد مجموعة من القراءات السريعة لعدد من السادة الأساتذة في جامعة الأزهر ، وهذه القراءات فيض من الود والاحتفاء بالرجل ، تجمل معاني الإجلال والإكبارللصديق والابن البار ، والتلميذ النجيب المبدع ، وفيها نظرات نقدية تستحق الوقوف عندها .
وقد وصفت الدكتورة مفيدة إبراهيم الديوان بأنه”يحتفي بالمشاهد غير الصغيرة ،ذات الغور النفسي ،والبعد الفلسفي شديدة الشفافية ترصد حالات الوجد ولاتبوح ..” وهذه قراءة للديوان من زاوية مهمة ،يؤكدها النبض الصادق لبوح الشاعر،في بحثه الدائم عن معالم جديدة لحلمه الذي يراوده .
وفي تقديمه ينبه أستاذنا الدكتورأحمد خليل –رحمه الله-القراء إلى قيمة الجمال والتعلق به ،وان قيمة الجمال تتراءى في صورة قد تكون لوحة أو أغنية أو قصيدة ،فليس شعر العلماء كله يخلو من الصدق والعاطفة والشعور،فقد تجد في شعر العلماء عاطفة حارة وفيض من الإحساس.
فعزف الشاعر على أوتار قصيدة الشعر العمودي،جعله في حاجة ملحة لمخزون من الألفاظ والصور الشعرية التي تاخذ القاريء إلى عالمه دون التقيد بمفردات بعينها، تردد كثيرا وتتكرر، وكانها نغمات متلاحقة يملها السمع والبصر.
والشاعر كما قال الدكتور أحمد خليل” يفتح قلبه أما قارئه ويطلعه على ما مربه من حوادث ..” وهذه حقيقة يلمسها القاريء في تصفح الديوان؛مما جعل كثير من القصائد “مناسبة لكل الأوقات؛فهي تمثل لحظة تأمل يسبح من خلالها وجدان الشاعر في عالم رحب من التسامي والنورانية..”(4)
وهذا التسامي سببه “اعتزاز الشاعر برسالته الجامعية ،وتقديره دور الجامعة ،فإن اهتماماته الشعرية قد نبعت من منابع وطنية ،ذات رؤية شمولية تترجم رؤية الشاعر الأديب المعلم الذي يحمل هموم أمة بأسرها..”
وإن كان الدكتور أحمد خليل يقترح عنوانا للديوان (من وحي 2017م) نظرا لأن معظم القصائد يرجع ابداعها لهذا العام ، وهذا العنوان كان من الممكن أن يكون(من وحي الجامعة في عشق العروس القاهرة ) كما ذكر الدكتور محمد سلام؛ فإن ديوانا يضم أكثر من ألف بيت (1007بالتحديد) يحتار المرء في اختيار اسم له،وبعيدا عن هذا الإحصاء، تجد كثيرا من القصائد ذات هدف متكامل ومتسارع ،يصل بالقاريء إلى لحظات شعورية تبعث في النفس الرضى ، من خلال مفردات تتسم بالروحانية والتدين .
وقد تنوعت نصوص الديوان ؛فتنوعت معها الموسيقى الداخلية والخارجية ؛ولكن هذه النصوص في مجملها شكلت فيضا من العطاء تجاوز خمسين قصيدة (51 بالإهداء) وكأن الشاعر يقف عند هذا العدد الكبير دون قصد منه ؛ ليؤكد للقاريء أن عمره في قصائده وأن شعره نبضه وحياته ، وأن هذه المفارقة قد لايلتفت إليها أحد ،بقدر ما يغوص في أعماق الديوان قراءة وتحيليلا، لكنها مفارقة مهمة تناسب عنوان الدكتور أحمد خليل ؛ ففي (2017م) كان شاعرنا قد تجاوز الخمسين بعام واحد؛ولعل القاريء الكريم قد وجد سببا مقنعا لعرض آراء السادة الأفاضل في مقدمة الديوان .
وفكرة الديوان تقوم على عرض كثيرمن المواقف الحياتية ، مما أكسبها المباشرة والوضوح ،وإن انجرف بعض أبياتها للمعرفة العلمية واستحضار معادلة النهوض بالجامعة ،وما ترتكز عليه من بعد ديني وسطي أصالة، بداية من قصيدته (كنا يوما نحصل علمنا ) ؛ إذ أن الشاعر خصص خمسة عشر قصيدة لدراسته بالأزهر جامعا وجامعة ، في كليته ومنسوبيها وطلابها وموظفيها،وست قصائد في أسرته ، وتسع قصائد في الوطنية، وباقي قصائده جاء في تدوين مواقف أخرى.
والشاعر كثيرا مايستحضرنداء الوطنية ،فيتحدث عن ثورة25يناير ،والانجازات الرياضية وحبه لمصروجيشها ، وتألمه للشهداء وأسرهم ، وهذا امر أصيل في ذات الشاعر،ينم عن حس وطني يكتنفه أسلوب واقعي مباشر يدركه الانسان العادي وشرائح المجتمع قاطبة في الشارع والمنزل والمقهى وتحت خيمة نظرية الأدب للمجتمع .
يقول :ص27-28
يامصر لاتتفرغي من باطل أوتجزعي من صانع النكبات
فستصمدين لكل قرن منهــــم وستكسرين بعزمك الضـــربات
يتسارعون إلى حماك ليهتكوا عرض البلاد وينهبوا التركــات
وينفذوا خطـــــــــط العـــــــدا تبا لهم ويقسموا في أطـــــــهر العرصات
قضية كبرى شغلت بال الشاعر ؛ فقصة ثورة يناير قصة في غاية الأهمية ،إلا أن النص جاء حرا طليقا كحرية الشعب ،ونبض الشارع ، يضمر خلفه لغته ،وقائع لأحداث مهمة فيها الرمز والإيقاع ، والحديث عن الطرف الثالث ، وصفقات بيع الضمائر الخاسرة، ومعاداة الوطن من أبوابه الخلفية ، والقاريء للقصيدة ، يلحظ روح الوطنية الخالصة ،فالمحب لايرضى لبلاده الذل والسقوط ، ولايفتعل الحماسة والفداء ، جاءت كل هذه التعبيرات بلهجة الناصح الأمين ، العاشق لتراب الوطن والباغي سلامة أراضيه.
وأرى أن وطنية الشاعر نابعة من نشأة دينية ، فالشاعر أزهري ،يجمع كثير من المعارف بالإضافة لكونه عالما لغويا وأديبا وناقدا، يجمع في دراسته بين الماضي بذكرياته وومضاته الجميلة وبين الحاضر البائس ، فيعبر عن أزمات ومحن مرت بها مصر نتيجة عوامل خارجية طرأت عليه. وربما أعطى النص نبوءات متوقعة سوف يؤول إليها الامر فيما بعد.يقول:ص74
سوف تبقين بلادي رغم تدبير الصغار
في أمان من عدو في بنــــاء وعمـــــــــــــــــار
سوف تبقين بقلبي ليس في هذا اختــــــيار
وفي قصيدته (الكون العاشق) استلهام لنص شيخنا الراحل إبراهيم بديوي (الشعر مع الله والذرة) ومطلعها:
بك أستجير ومن يجير سواك فاجر ضعيفا يحتمي بحماك
لكن نفس الشاعر لم يكن طويلا كنفس الشيخ ، وموضوعه اقتصر على سرد بعض جماليات الكون ، إلا أنه أعطى أبياته جزءا من مشاعر الوجد بمقدمته الغزلية الرقيقية ، التي نفتقدها كثيرا في الديوان ، ولعل الشاعر أخفى عن القاريء مشاعر وجده ؛ لما يتمتع به من التزام ومحافظة وموقع وطيفي مرموق ، جعله يغض الطرف عن غرمياته، ولايشك أحد أن الغزل نبض الشعر ومحوره ، وإني ألتمس العذر للشاعر بهذه الأبيات الجميلة التي تخللت بعض قصائده ،وكشفت جانبا من عشقه وحبه ؛وإن كانت الحبيبة عنده رمزا لكل جميل ، فقد تكون لغة أوطنا أو مقر عمل أو أما أو أبا أو زميلا أو طالبا…
يقول:ص79
فاسأله عن حب البلاد وعشقها ينبئك عن بحر بلاشطآن
واسأل طيور النيل عما غردت تسمعك تغريدا بكل لسان
والنيل به من الدلالات السياسية والجغرافية والثقافية، ما يجعلك تتاكد من حب الشاعر لمصر وعشقه لترابها، وان مانظمه إنما هو لحن شجي على أنغام دقات قلب عاشق روى النيل عطشه، وملأ الخير قلبه؛ فالوطن في رؤية شاعرنا أمل وعمل ووفاء وولاء.
وفي قصائده (بين تلميذ وأستاذ-عقوق تلميذ-وفاء تلميذة) يطالعك بفيض من الحوار الداخلي وهموم معلم وأستاذ جامعي ، يخلص في النصح والتقويم ،ويأمل الوصول للمعاني الفاضلة ، ويضيء الطريق بأنوار معارفه وخبراته.
يقول :ص64
قال لي تلميذ أمس كل ماسطرت فيا
من معاني ساميات إنه منـــــــــك ألــــــــــــــــــيا
قد تلقيت صغـــــــــــــــــــيرا منك ماصــــار لديا
ولااكاد أقف على جوانب الصورة حتى أجدني أمام شاعر نبيل كريم ،يقدر زملائه ،ويسعد بهم وضمن أسمائهم في ديوانه، يشكر هذا ويهني هذا ويزور هذا ، ويكرم هذه، وهكذا يأتي طرحه لموضوعاته، وكأنه أراد من خلال شعره إحياء القيم المتوارثة ،والتي قد ضلت طريقها في زمن المحمول والانترنت ..يقول:
ففي المدائن والأرياف قدعلموا أن الهواتف لاتسأل عن السبب
قدباعدت بينهم وقطعت صلــة كانت موثقـــــة بالــــــود والنســــــــــب
والحق ، إن أسلوب الشاعر يتصف بالصدق في التعبير والقوة في البيان والحرارة في الإحساس، ويكفي أنه يحاول جاهدا غرس مفاهيم وقيم جمالية ،فيها الكثير من المعالجة للجوانب التربوية النابعة عن ذات شاعرة تفصح عن نفسها من حين لأخروتعبر عن رؤيتها وإرادتها بشكل معتدل محافظ على الشكل العمودي للقصيدة ، ومضمون فيه الاصالة المرسومة بريشة فنان يعشق اللغة ويحتضن ألفاظها. يقول معتذرا لعصفورة ص150
ودخلت في ذاك الصباح حجيرتي فلقيتها ووجــــــــــــــدت عزة عندها
فجريت نحوصديقتي في لهفــــــــــــــــــــــة أتحسس الأنفاس أرقب نبضها
ألفيتــــــــــــــــــــــها وقــــــفت على أقــــدامها وكأنما عادت لســـــــــــــابق عهدها
فتطايرت نحو الفضاء وأيقـــــــــــــــنت أني بريء من جريمة حبـــــــــــــــــسها
وينتهي الديوان بهذه الأبيات ، وبصفحة رقم( 150 ) ولا أدري أكان الشاعر متعمدا للزج بهذا الرقم الذي يغازل سنين عمره؟! أم أنها مصادفة أن يكون عدد القصائد خمسين قصيدة وعدد الأوراق خمسين بعد المائة؟! وما يهم الناقد أنه أمام تجربة ذاتية ، فيها التميز والقدرة والكبرياء، وأمام نصوص مكثفة مستمدة من عبق الماضي وأصالته ، وتعبر عن فكر صاحبها ببساطة ،وتستمد إيقاعاتها من جمال اللغة وانسياب الألفاظ وعمق المعاني.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏٢‏ شخصان‏
لا يتوفر وصف للصورة.

Related posts