سلالة العجائبي والعشق المفضوح

في نقود البشير الجلجلي
تونس :بقلم د.إيمان محمود المليتي

ازدانت المكتبة النقدية العربية بكتاب مرجع في السرديات حول الكاتب الصحراوي الطارقي الذي يبحث عن واو الصغرى، وطنه المفقود في صحرائه فكان كتاب “العجائبيّ في أعمال إبراهيم الكوني الروائيّة (بحث في سردية التعجيب في الرّواية العربيّة)” للناقد البشير الجلجلي، الأستاذ والباحث الجامعي المختص في البحوث السردية وعضو مخبر السرديات والدراسات البينية بمنوبة و الرئيس المؤسس لعديد المهرجانات الوطنية والعربية واليد البيضاء على الأعمال الأدبية في تونس والوطن العربي صاحب مشروع النقد التفاعلي فكان الكتاب ضمن مشروع سلالة العجائبي بعبارته. يقول الناقد البشير الجلجلي حول كتابه في مقدمته:

“انشددنا في كتاب “العجائبيّ في أعمال إبراهيم الكوني الروائيّة ” (بحث في سردية التعجيب في الرّواية العربيّة) إلى “خطو العجائبيّ في الرّواية العربيّة الحديثة وطريقته الفنيّة في تطويرها كمبحث متّصل بالتجريب”. وهي إشكالية اهتممنا بها في سياق التمحيص في مدى إعلان الرّواية العربيّة جِدّتها من خلال العجائبيّ الذي رأيناه عنصرا بؤرويا تكوينيا أساسيا هيمن على مجمل المدونة. وهذا الشاغل العام للكتاب يتطابق إلى حدّ كبير مع سياق النظر في تطور الرواية العربيّة الحديثة التي مرّت بعديد المراحل وجربت إمكانات مختلفة لتطوير سرودها متخذة الوجهة التجريبية التي انبنت عليها بعض متون الأعمال الروائية العربية وقد تحوطّها العجائبي وصولا إلى الرواية الليبية التي تميز بها إبراهيم الكوني والتي اتخذناها أنموذجا. وهي وجهة مبرّرة من عديد الزوايا: أولها اكتساح الرواية مساحة نصّية جعلها تتصدر التقبّل وثانيها قدرة الرواية على الإيهام والمراوغة والتخييل العميق وثالثها أن عديد الروائيين العرب كإبراهيم الكوني وغيره راهنوا على تقنيات فنية أدخلت بعض الأعمال الروائية في مساحات من التخييل واسعة وأمارات من التجريب عميقة وخاصة تجريب التعجيب ممّا رشّح أن تكون هذه الأعمال ضامنة للإغراء والمتعة في آن واحد.

وقد توسّلنا في هذا البحث بخطة ثلاثية الأبواب: أوّله نظريّ يتصل بإشكاليّة العجائبيّ وتأثيره في الرّواية العربيّة متّخذين ثلاثة منافذ: الأوّل يبحث في مرادفات المفهوم والثّاني يتعلق بحدّه لغويا واصطلاحيا وتمايزه عن الحقول المجاورة له كالعجيب والغريب وفوق طبيعي والسحري واللامعقول وغيرها من المصطلحات التي تميّز منها العجائبي بمفهوم “التردد”
(hésitation/hesitation) والثالث يندرج في الصيغة التجريبية للعجائبي في الرواية العربية، أما البابان الثاني والثالث فجاءا تطبيقا على مدوّنة إبراهيم الكوني الروائية وخاصة رواية “نزيف الحجر” بحثا من ناحية في مظاهر العجائبي ومصادره، ونظرا في أهميته تقنية فنّية طافحة بالدلالة من ناحية أخرى باعتباره عنصرا بؤرويا مهيمنا Elément focal dominant/Dominant focal element)) ذلك أن العنصر الفني المهيمن “يسم الأثر في كلّيته” بعبارة جاكبسون.

هذه الخطّة الثلاثيّة كان لها كبير الأثر في النتائج التي توصّلنا إليها تمحيصا في المدونة الروائية العربية وحضور العجائبي فيها، ونظرا في السياق التاريخي والحضاري الذي استدعاه الكاتب العربي -وخاصة إبراهيم الكوني- لتسييج نصّه به تجاوزا للنمطية التي تردت فيها الرواية العربية وبحثا عن آفاق جديدة استفادت من هذا الشريان الهام متخذين العجائبي جنسا خطابيا (Genre de discours/ Discours genre) به ينعتق من الممكن إلى المستحيل. فهو من التقنيات الفنية الهامة للتجريب الذي خاضته الرواية العربية الحديثة منذ أكثر من أربعة عقود. وإبراهيم الكوني إذ يبحث بهذا المعنى عن إمكانات جديدة لمشروعه الروائي فإنه تخطى البعد المحلي (الرواية الليبية) إلى رؤى مغايرة للإنسان والعالم والعوالم التّخييلية وفق سُلالة سردية جديدة.

وبعدُ، فإن هذا الكتاب هو لبنة أولى في مشروع بحثي ضخم شرعنا بهذه الصحيفة في وضع خطاته الأولى تأكيدا على أهمية العجائبي في بناء روائية الرواية العربية الحديثة ومبحثها التجريبيّ.”
وقد نال الكتاب حال صدوره واخر شهر سبتمبر 2020 عن منشورات سوتوميديا حظوة كبرى من الإعلاميين والنقاد فقال عنه د .عبد العالي بو طبيب من المغرب:”للناقد قدرة مكنته من تصريف مفهوم العجائبي وتوظيفه في مقاربة روايات الكوني.وهو ما جعل هذه الدراسة إضافة هامة للمشهد النقدي الروائي العربي”….
وهو لعمري من ثمار بحث وجد وعشق من الناقد للكاتب كشف ستاره د.فؤاد القرقوري من تونس صاحب التقديم بقوله:”نرى ذات المؤلف متعلقة بأدب إبراهيم الكوني عاشقة لنصوصه عشقا مفضوحا” وهو ما أكده صاحب المقدمة الثاني د.الراحل الحبيب العوادي يقوله:”لذلك يعتبر الكتاب مساهمة جادة وطريفة في دراسة العجائبي مفهوما وجنسا مخصوصا من الخطاب الأدبي الحداثي ذي المنزع التجريبي”
وهو منزع أكدته الباحثة الجادة د.مريم جبر من الأردن بقولها:”سيترك الكتاب أثره في مسيرة البشير الجلجلي ناقدا يتحرى الجدة والتجديد ، كما تشكل إضافة متميزة للمكتبة النقدية العربية”…
وهو ما لاحظه الناقد التونسي رضا بن صالح في وصله بين تنقيب الكوني في اللاوعي الجمعي للطوارق وبحث الجلجلي في تلك الرحلة عبر تيمة العحائبي.
هذه العلاقة بين الروائي والناقد كان من ثمارها هذا الكتاب في عزف ثلاثي بين الكاتب والباحث والعجائبي الذي يشكل لحظة حاسمة في قرار القارىء بين العجيب والغريب حسب التعريف التودوروفي.وهو ما أكده الصحفي التونسي الشاعر محمد الهادي الوسلاتي في جريدة الشعب التونسية يوم 15 أكتوبر 2020بقوله'”البشير الجلجلي أحسسناه تناول إبراهيم الكوني باللسان والعين والقلب وتحريض العقل وذخيرته أشعة تطل على أوجاع كاتب عجائبي مقيم في مدونة روائية دون ثيابها الداخلية”
فالكتاب بهذا التقدير العربي هو إضافة هامة للمشهد النقدي العربي ولينة سميكة في بنيان النقد لناقد عاشر العمالقة ودرس عن توفيق بكار والمنجي الشملي روح المغامرة بالكلم والنقد…
بقلم د.إيمان محمود المليتي

Related posts