(رائد مدرسة الجن الشعرية السيد خلف أبوديوان)(1) 6 مايو، 2020 أخبار العالم - الادارة (رائد مدرسة الجن الشعرية السيد خلف أبوديوان)(1) إعداد الدكتور:صبري فوزي أبوحسين أستاذ ورئيس قسم الأدب والنقد بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بمدينة السادات المدرسة الشعرية: اصطلاح حديث، يكاد يكون تعريبًا لمصطلح المذهب الأدبي، أو نقلاً له إلى ساحة نقد الشعر، ويُقصد به ذلك الكيان الثقافي الخاص الذي يتكون من رائد وأتباع، يجتمعون في إبداعهم على جملة من المبادئ الفنية العالية الخاصة، التي تتغيا نقل الإبداع إلى مرحلة جديدة غير معهودة، مرحلة تتجاوز المطروح على الطريق، المُلقَى على الجمهور والعامة. وشعرنا العربي عريق عتيق عبر الزمان والمكان والإنسان، مر بمدارس شعرية متنوعة، لعل أولاها (مدرسة عبيد الشعر) التي رائدها أوس بن حجر، وتابعه زهير بن أبي سلمى، وأتباعهما كعب ابنه والحطيئة وهدبة بن الخشرم، وكثير ونصيب، وغيرهم، تلك المدرسة التي يقول الجاحظ(ت255هـ) عنها: “قال الحطيئة: خير الشعر الحَوْلي المحكَّك. وكان الأصمعي يقول: زهير بن أبي سُلمى والحُطَيئة وأشباههما عبيد الشعر، وكذلك كل من يجوّد في جميع شعره ويقف عند كل بيت قاله، وأعاد فيه النظر، حتى يخرج أبيات القصيدة كلها مستوية في الجودة. وكان يقال: لولا أن الشعر كان قد استعبدهم واستفرغ مجهودهم حتى أدخلهم في باب التكلف وأصحاب الصنعة، ومن يلتمسُ قهرَ الكلام واغتصابَ الألفاظ، لذهبوا مذهب المطبوعين، الذين تأتيهم المعاني سهلاً ورهوًا، وتنثال عليهم الألفاظ انثيالاً( (. فهي مدرسة مغايرة، ذات طريقة خاصة، تتأنق وتتفنن وتحدث مجهودًا ذهنيًّا في الإبداع. وجدت في الجاهلية واستمرت في عصري صدر الإسلام وبني أمية، ثم تطورت في العصر العباسي من خلال ما سُمِّي (مدرسة البديع) التي أسسها أبوتمام، وسار في ركابها مسلم بن الوليد وابن المعتز وغيرهم من الشعراء المحدثين، ثم كانت (مدرسة اللزوميات) عند الشريف الرضي(ت406هـ) وأبي العلاء المعري(ت449هـ)، والتي خرج من رحابها (مدرسة البديعيات) في شعر عصر الدول المتتابعة، على يد صفي الدين الحلي( ت:750هـ ) وأضرابه، وهي قصائد في مديح النبي الخاتم -صلى الله عليه وسلم- مُحَلَّاةٌ في كل بيت من أبياتها بلون أو أكثر من ألوان البديع تصريحًا أو تلميحًا، وأقدم نماذجها ” الكافية البديعية في المدائح النبوية ” لصفي الدين الحِلِّي، التي تعد أول بديعية مكتملة في تاريخ (البديعيات)، وقد حرص على معارضتها والنسج على منوالها أكثر من سبعين شاعرًا، نظموا بديعياتهم على غرار ما فعله الصفي الحلي متخذين (البحر البسيط) وزنًا، و(الميم المكسورة) رويًّا و(مدح الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم) موضوعًا، وقد ضمنوا كل بيت من أبيات بديعياتهم شاهدًا على فن بديعي. وجاءت البديعيات بعده كلها قصائد مطولة وصل بعضها إلى ما يقرب من ثلاثمائة بيت، ونادرًا ما يأتي منها في أقل من سبعين بيتًا، ثم كان العصر الحديث، وقد كثرت مدارسه، بدءًا من مدرسة الإحياء وما بعدها من مدارس، فقد مر الشعر بأطوار وفقاً للمدارس الشعرية التي حملت لواء الشعر ووجهت زورقه، وهذه المدارس هي: (مدرسة الإحياء) ورائداها البارودي(ت1904م) إبداعيًّا، والشيخ حسين المرضفي(ت1889م) تنظيريًّا ، ومدرسة الديوان ورائداها عبدالرحمن شكري(ت1958م) إبداعيًّا، والعقاد(ت1964م) ومعه المازني(ت1949م) تنظيريًّا، ومدرسة أبوللو، ورائدها أحمد زكي أبوشادي(ت1955م) تنظيريًّا ومن رادتها الإبداعيين إبراهيم ناجي(ت1953م)، ومدرسة الشعر الحر، ورائدها تنظيريا نازك الملائكة(ت2007م)، ومن رادتها الإبداعيين محمود حسن إسماعيل(ت1977م) وعلي أحمد باكثير(ت1969م) وصلاح عبدالصبور(ت1981م) ونزاز قباني(ت1998م)، ثم كانت مدرسة أو مدارس ما يسمى الحداثة التي يكفينا بيانًا لها قول رولان بارت (1915 – 1981): “إنها انفجار معرفي لم يتوصل الإنسان المعاصر إلى السيطرة عليه”.وقول جوس أورتيكا كاست في كتابه(النزعة اللاإنسانية في الفن: (“إنها هدم تقدمي لكل القيم الإنسانية التي كانت سائدة في الأدب الرومنسي والطبيعي، إنها لا تعيد صياغة الشكل، بل تأخذ الفن إلى ظلمات الفوضى واليأس. ويقول أرفنك هاو في مقاله: (المدخل إلى فكر الحداثة”: لم تأت الحداثة بأسلوبها الخاص المؤثر، وإذا أتت بذلك تكون قد انتهت كحداثة”. وقول ليونيك تيرلنك: الحداثة بالنسبة إلينا العدمية والموقف المعادي للحضارة( (“. ومن سدنتها العرب الأديب السوري علي أحمد سعيد المعروف بأدونيس! فنحن نعيش في ظلال طغيان تيار الحداثة التغريبي بآننا الحزين هذا! ذلك التيار الذي لم يدرك الغاية من الحياة، ولم يؤمن بها فشقيت نفسه وعاش الحياة برؤية سوداء قاتمة، واتجاهات معتمة كابية متأثرًا بأزمات نفسية وحضارية يعيشها المجتمع الغربي الذي يختلف اختلافًا جذريًّا عن المجتمع العربي الإسلامي. عاش هذا التيار التغريبي تائهًا متخاذلاً، غارقًا في ملذات الجسد بكل ألوانها، محاربًا العفة والأعفاء، شَموسًا جموحًا نافرًا من ثوابتنا الحقة، منقطعا عن تراثنا وماضينا، معتمدًا على عقائد الآخر وتصوراته الفكرية عن الحياة والألوهية والطبيعة وعلاقة الإنسان بذلك كله وبغيره، داعيًا إلى أن تكون هذه العقائد الغربية دينًا جديدًا للبشرية ينسف جميع ما عرفت من شرائع وعقائد، ثائرًا على الثالوث المميز لنا: الدين واللغة والقيم الطاهرة… وبذلك ضل هذا التيار بلبسه زيَّ الآخرين ومعاولَهم. تلك حقيقة قررها كثير من مؤرخي الفكر والحضارة الأصلاء النبلاء. ومذ زمن بعيد ينتابني، أو ينتاب الناقد في شخصي، حزن على الحالة الشعرية الوسط المهيمنة التي نعيشها، حيث كثرة أشعار ارتجالية لامحة خاطفة، يكتفي مبدعها بالوزن والقافية اليسيرين، أو بالوزن السيار من كامل أو رجز أو وافر، وإن زاد فبسيط! ويعتمد على معجم شعري محدود، وعلى فكرة سطحية أولى مباشرة، وصورة مكرورة مملة مملولة! هذا فضلاً عن الأدعياء الأصفار الذين فرضوا أنفسهم على ساحة الشعر، فن العربية الغالي الثمين، فأمطرونا بما ليس من شعرنا إيقاعيًّا أو لغويًّا أو بيانيًّا! ولو ادعى ذلك مدع مأجور متاجر! حتى إن الأصلاء منا ليستدعون كلمة اللغوي الراوية النسَّابة ابن الأعرابي(ت231هـ) عن شعر أبي تمام(ت231هـ)، وما أدراك ما أبوتمام إمام الشعراء المحدثين في زمنه!: “إن كان هذا شعرًا فكلام العرب باطل( (“! أو مطلع الناشئ الأكبر(ت293هـ): لعن الله صنعة الشعر، ماذا من صنوف الجهال فيها لقينا؟ يـؤثــرون الغـريب منه على ما كــان سـهلاً للسـامـعـيـن مـبـيـنا ويرون المحال شيئًا صحيحًا وخسيس المقال شيئًا ثـمـيـنا يجهلون الصواب منه، ولا يد رون للجهل أنهم يجهلونا( ( نعم إنهم أصفار، ضعاف، متصنعون، يقلبون الأوضاع، فيجعلون الحق باطلاً، والباطل حقًّا، ويجعلون الخسيس مكان النفيس، والمحال مكان الممكن الصحيح! ومن ثم كان البحث عن علم فذ أو مدرسة فذة تنتشلنا من هذا الواقع الهزيل المريض الحزين! فكان السؤال النفسي الصامت: هل من سبيل إلى علاج ذلك التسطيح، وتلك الإبداعات السريعة المكرورة الصادرة عن علماء أو مُعلِّمين أو مُعَلَّمين! هل من سبيل إلى الجزالة والفحولة والإدهاش، إلى التجارب العالية الغازية المنتشرة على كل لسان، وفي كل آذان؟! شعر ينطق عن تمكن ويعلن عن صفة الشاعر الحق، والشعر الحق. شاعر يحمل على عاتقه بعث الشعر العربي الفصيح من جديد، وإعادة الوجه المشرق للغة، بعد ترهلها ، شاعر منفتح لم ينغلق على تجارب السابقين، ولم ينغلق شكل عروضي معين، بل ارتاد كل الأشكال، فكتب شعره على المهجور منها والمتداول، وكذلك الشعر السطري التفعيلي، والشعر المسرحي والملحمي، وله شوق خاص باللزوميات… وكان الجواب في هذا الوحيد البعيد:السيد خلف المكنى أبا ديوان! ذلكم الذي التقيته أول مرة، في مؤتمر القصة الشاعرة العاشر الجامع للأحباب والأتراب في رحاب الإبداع الحداثي، شابًّا غضًّا جزلاً، طويلًا قسيمًا جسيمًا، فخيمًا وسيمًا في شكله الجسدي، في عينيه غموض لذيذ، نظراته سمائية، كأنه من كوكب غير أرضنا! وفي حركته نرجسية عالية، لا يُقبل على أحد غريب عليه، ويُقبل عليه كلُّ أحد، لا يَتصدَّر ويُصدِّره كل من رآه، في المجالس كأنه ابن الثمانين ثقافة وحضورًا وانطلاقًا وإضافة! فقلت في نفسي: من هذا العجيب الغريب المريب المثير المستفز لقارئ البشر ومُتفرِّسهم؟! من هذا الذي مرَّ أمامنا مزهوًّا كغضنفر، كأنه لم يرنا؟! ثم مر الوقت عليَّ بسبب هذا المرور الاستعلائي ثقيلاً، إلى أن أجابت المنصة عن سؤالي؛ إذ كان جاري، وعرفت أنه يسمى الدكتور السيد خلف، ثم انطلق في كلمته فصيحًا نصيحًا، منيلاً غير نائل، عاذرًا غير عاذل، مجليًّا رؤيته بكل جرأة وعمق وأدب، وقد سجلت من كلمته بعض رؤًى أعجبتني، ثم جاءت كلمتي فاستمع إليها، وبدأ يهش ويبش في وجهي، فعلمت أنه من هؤلاء الذين لا يسمحون للآخرين دخول حياتهم الخاصة إلا بعد امتحان ومعاشرة عقلية وقلبية، وأظنني منذ ذلك الحين فزتُ بقلبه وعقله ؛ لما قد يكون رآه من جِدٍّ فيما قلت، فقد كنت عروضيًّا في كلمتي، وهو من عشاق الثقافة العروضية، وكانت سعادتي بذلك الفوز لا تُوصَف! ومن ثم كان بحثي عنه في الشابكة الإلكترونية، سألت شيخنا جوجل: من الدكتور السيد خلف؟ فأعلمني عن شاب بدأ عظيمًا وأنجز عظيمًا، فعزمت على قراءة منجزه في هذه الدراسة إن شاء الله تعالى:… أعجبني