حينما فقدنا أحجارنا
بقلم / سعد الدين سامي
” من كان منكم بلا خطيئة فليرمها اولًا بحجر “، آية الانجيل التي يعرفها المصريون عن ظهر قلب بإنجيل يوحنا (7:8).
أعتقد أن تلك الآية من انجيل يوحنا كانت سببًا رئيسيًا في تعاطف الكثير من المصريين مع عمرو وردة.
ليست الظاهرة جيده جدًا لو كان رأيي يهمك، في إعتقادي أن ذلك التعاطف ليس فقط وليد الشعور بضياع مستقبل اللاعب، اعتقد أن ما حدث هو أقرب للشعور بالاشتراك في الذنب، لقد كان عمرو وردة قريب جدًا من الكثيرين في معسكرهم الاجرامي.
لابد أن كل شاب منا يعرف (الشقط) أو له صديق (شقيط)، لابد أن الفتيات يعرفون هؤلاء (الشقيطه) إن لم يكونوا أحد الضحايا (المشقوطين) بشكل او بآخر.
من منا لا يعرف هذا الصديق الذي كانوا يسمونه في التسعينات (فلانتينو) وفي بدايه الألفينات (مقطع السمكه وديلها)، مَن مِن الفتيات لا تعرف من تم (شقطها) أو قامت بتجربة (الشقط) يومًا ما.
جرب أن تقرأ منشورات حفلات (ريدبول) سواءً (ريدبول في الشارع) أو (الساوند كلاش) التي يتم تنظيمها كل عام تقريبًا، ثم حدثني عن كم الباحثين عن فتياتهم اللواتي رقصن معهم ونسوا تبادل أرقامهم الخاصة معًا أو طريقة تواصل معهم، حدثني عن الفتاة التي تبحث عن شبيه احمد مالك او صاحب العيون العسلية التي تنقلب لخضراء مع ضوء الشمس، انا لا أتحدث عن صحة او خطأ ما يحدث، لست في مجال تقييم أفعال مجتمع أنا منه واخطئ نفس اخطاؤه، لكن أليس هذا هو (الشقط) كما نعرفه تمامًا؟؟.
لو كانت تلك الطريقة عسيرة التجريب فيمكنك بكل بساطة أن تجرب الدخول على موقع ” الفيسبوك ” بحساب فتاه لترى كم الرسائل اللزجة التي سترسل لك من كل فئات المجتمع، وحدثني عن كم الصور الجنسية التي أرسلت لك باعتبارها ترسل بحسن نية لتعطيه حضرتك _ باعتبارك فتاة _ رأيك إن كان قضيبه بالصورة الجمالية المناسبة أو يحتاج إلى عملية تجميل!.
حدثني عن الطالب الجامعي الذي عاش طوال أربع سنوات على مجموعه دفعته على الفيسبوك بحساب مزور باسم فتاه بصورة موديل جميله وليست مشهورة جدًا حتى يرد عليه الشباب سريعًا في اسئلته الدراسية لأن الشباب لا يردون إلا على الفتيات (الجميلات منهم) فقط، يمكنه أن يحدثك جيدًا عن كم الفضائح التي أرسلت له لو جربت أن تسأله وقتها.
جيلنا يعرف ذلك المصطلح جيدًا، وقد جربه الكثيرين، الكثيرين جدًا إن أردت أن تكون أقرب للدقة.
لقد وقفنا صامتين لا يملك أحدنا حجارته حتى يلقي بها في وجه المذنب، لم نملك محاسبة من يقوم بنفس اخطائنا.
كيف يمكننا محاسبة عمرو وردة على ذنب مجتمعي ؟؟، كيف نفتح هذا الباب ونفتح النار على آلاف الشباب المصريين الذين لا يسلون أوقاتهم إلا بـ (شقط) الفتيات والعكس صحيح لو أردت الدقة؟.
لابد أن فقداننا لأحجار النقاء كانت دافعًا قويًا جدًا لمحاوله صد المجتمع عن اعتبار ما حدث ذنبًا كي لا يطول الجميع نيران العقاب !.
سببًا اخر يحسنه المصريون جيدًا كان دافعًا لا يستهان به للتعاطف مع عمرو وردة، وهو تعالي العاطفة على القانون، ذلك القانون المصري الذي اخترعه المصريون ويعرفونه جيدًا هو ما أوجد الواسطة بالمناسبة، جرب أن تكون صاحب عمل ويتقدم إليك في العمل شاب مؤهل للعمل معك، وابن خالتك، وحدثني عن اللوم والاتهام بقله الأصل إن رفضت ابن خالتك هذا حتى لو كان راسب في الاعدادية !.
حدثني عن (العيبه) التي ستلحق بك لو تركت صديقك يقف في طابور السجل المدني وانت موظف الشباك وقتها، كيف تُعامل صديقك كالبقية ؟، لابد أن لواءات الجيش يعرفون جيدًا عشق المصريون للواسطة وكم أنهم يصبحون معشوقون من الجميع إن كان أبناءهم في طريقهم للجيش او للتقدم الى الحربية.
حدثني عن سائق الحافلات الذي يرى أنه يجب أن يكسر الإشارة لأن شرطي المرور يركب معه كل يوم عند عودته وهذا (جميل) في حق شرطي المرور يعطي السائق حق كسر الإشارات كل يوم والوقوف في منتصف الطريق دون سحب رخصته.
لا زالت لدينا مشاعر تعاطف وتسامح جيده، لكن تلك المشاعر تعيق تطبيق القانون في الكثير من الأحيان حينما تكون في غير محلها، تمامًا مثلما حدث مع عمرو وردة، لن يشعر أحد بالفتاة التي تضايقت من تلك الصور المستفزة لمجرد وجودها على الفيسبوك فقط ليس الا، لن يحدثك أحد عن مشاعر الخوف والتقزز بداخلها ومن يحدثها يهددها بوضعه المجتمعي !.
لقد شعرنا بالتعاطف فقط مع اللقطة النهائية، ولن اكذبك أنني شعرت بالتعاطف معه تمامًا، ولكن ليس تعاطف المظلوم، تعاطف الأهوج الذي أضاع مستقبله بنفسه، لابد أنني اتعاطف تمامًا مع القاتل الذي يُعدم، اتعاطف مع الزاني الذي يتم جلدة، ولكن تعاطف من أوقع نفسه موقع العقاب بيدية، وليس تعاطفًا يجعل من يطبق القانون على رقابه ظالمًا.
الحقيقة أن عمرو وردة أظهر ما نحن فيه من تخبط في الأحكام والمشاعر، أظهر ما نحن فيه من ضياع تام في الفصل بين الجاني والمجني عليه، في الفصل بين القانون والعاطفة، بل وحتى الفصل بين ما يمكن التعايش معه باعتبار أنه فصل بين الحياه الشخصية للاعب الكرة، وبين الحياه المهنية للاعب الكرة.
أعتقد أن أفضل عقاب للاعب كره يستغل نجوميته في ارتكاب جُرم، هو حرمانه من نجوميته نفسها، لقد أصبحت نجوميته خطر على المجتمع نفسه وابتزاز صريح له.
لن اخفي عليك أن أمر عمرو وردة كان من أكثر المواضيع المثيرة للحيرة والتخبط فعلًا لو حاولت اتخاذ موقفًا يؤيد الوقوف في صفه او صف ما وقع عليه من عقاب، للموضوع أبعاد كثيره، ولسنا خالين الوفاض لكي نتحدث عن تطبيق عقاب على آخرون، فمن كان بيته من زجاج لابد أن يمتنع عن إلقاء الاخرين بأحجاره كما تعلم، ولو طبق علينا العقاب اللازم لأفعالنا لكانت حياتنا ارخص بكثير مما نستحق على ذنوبنا.
لكن من قال أن كثرة الذنوب تمنعنا من التحدث عما نراه خطئًا باعتباره خطأ حتى لو كنا من مرتكبيه يومًا ما ؟.
اعتقد أن استعدادنا للعقاب على جرمنا، أفضل من اعتبار جرمنا لا يستحق العقاب، من كان منكم بلا خطيئة فليرمها اولًا بحجر، صدق المسيح وصدقناه، لكن رغم فقداننا لأحجار النقاء لن ننكر ابدًا كونها خطيئة، وتستحق العقاب، وأننا على استعداد تام للعقاب المماثل في حال ارتكابنا لنفس الجرم، وأن من آمن العقاب اساء الأدب، وأن التاريخ يحكي لنا أن رسولنا اقسم على عقاب فاطمة نفسها لو سرقت لقطع يدها مجنبًا عاطفته ورافعًا للقانون موقع القدسية.
في النهاية لست هنا للحديث عن وجوب عقاب شخص أو التسامح والتعاطف مع شخص، انا فقط أتحدث عن رأيي في ظاهرة اجتاحت مواقع تواصلنا الاجتماعي لأكثر من أسبوع كامل حتى بعد عودة وردة سالمًا غانمًا للمنتخب، كما قلت اننا لسنا خالين الوفاض ولسنا انقياء للدرجة التي تجعلنا نحكم على الاخرين باستحقاق العقاب من عدمه، وقد وقفنا صامتين امام المسيح حينما طالبنا بإلقاء المذنب بحجر لعدم امتلاكنا للنقاء الكافي، حيرتنا في الرأي الذي يرضي ضميرنا أكبر دليل على امتلاءنا بالخطايا الكافية لإخراسنا تمامًا، ولكن ما اعرفه أن الخطأ هو الخطأ ولو كنا من مرتكبيه، وان القانون يُطبق على الجميع ولو كانت يد القانون يمتلكها محبيه.
وهدانا الله واياكم وبارك في عودة وردة للمنتخب بعد تهدئة الغاضبين وإنقاذ مستقبله وأدام الله رقينا وتسامحنا لحين اشعار آخر !.