تجليات المكون الرومانتيكي في شعرية إلهام عفيفي
متابعة /إيمان الحملي
***************************
بقلم/ الناقد الأدبي الدكتور / حسام عقل
بوجه رومانتيكي صبوح ، لا تخطئه العين ، تواجهنا ” إلهام عفيفي ” ، بديوانها الجديد : ” أنثى من الشرق ” ، حيث يضم الديوان بين دفتيه حزمة من الظواهر الفنية اللافتة ، تتصدرها المكونات و الأبنية الرومانتيكية التي تداخل نسيج قصيدتها بوضوح ، لغة و رؤية و نسقا ً تخييلا ً و صوزا ً شعرية ، تنهض _ في جملتها _ على سمة الإغراب .
و من أخص التجليات الرومانتيكية في مجموع قصائدها ، تظهر _ بادي الرأي _ سمة نشدان البساطة في الأداء الأسلوبي _ معجميا ً و تركيبيا ً _ و دفق العاطفة الموارة التي تهيمن على اللغة و أنساق الأخيلة و الصور ، بقوة و عرامة ، فضلا ً عن إرخاء العنان بتعمد جلي ، لعمليات التخييل الجموح ، التي تعيد تركيب مفردات الكون و الوجود ، و البشر و الحواضر ، في تكوين جديد هجين ، لا حد لخصوبته التخييلية . و حين نطالع القصيدة الافتتاحية : ” و يخبرني ” ، يتأكد لدينا أن الرومانتيكية المترقرقة في أخاديد القصيدة و ثنياتها ، ليست محض انتماء إلى مدرسة في الكتابة ، تشدها إلى كوكبة الوجدانيين الكبار من طراز ” ناجي ” و ” الهمشري ” و ” علي محمود طه ” و ” مختار الوكيل ” و أضرابهم ، و إنما تبقى الرومانتيكية ” حالة شاملة ” ، تتغلغل في تكوينات شعرية ذات معمار ، قائم على التكرارية و النمط الفسيفسائي الأرابيسكي ، المعتمد _ في جوهره _ على التعاشيق المتداخلة المتكررة ، باستنساخات متنوعة . و تتجذر الولاءات الرومانتيكية _ على ما مر _ في مثل هذا المقطع :
” و يخبرني بأني الجمال
و أني اكتمال الحسن و الرقة
و يجري بوجهي
جمال الشروق بمنتهى الدقة
و أن البدر مختبيء
بضوء تحت أجنحتي
يشع النور و الشهقة ”
و يتعانق مع حزمة الظواهر الرومانتيكية المتوطنة _ كما ألمعنا _ سمات أسلوبية مصاحبة تمتطي ثبج التعبير الفني ، و تتوزع بقوة و مضاء على الجمل و العبارات و الأطر التركيبية المطروحة ، و أخصها و أظهرها ما يمكن أن نسميه ، في هذا السياق ، ب ” النزوع الفانتازي ” ، و قد أسماه البلاغيون العرب القدماء في مواريثهم البلاغية بسمة ” الغلو الفني ” ، و تتحرك قصيدتها هنا في مساحة ، تشارف _ في تقديري _ ما بعد المبالغة الفنية ( أو الغلو بتعبير القدماء ) ، و نقصد بذلك رفع المعنى المجسد إلى أعلى سقوفه ، زيادة لا تزيدا ً ، على ما يبدو في قولها :
” و أن فواكه الدنيا
تفوح من شذى صدري
و أن الزهر في كفي
يعاني الشوق و الحرقة ..”
و لأن الذات الرومانتيكية تواجه محيطا ً عدوانيا ً ، لا يكف عن الدفع بها إلى مربع التضاؤل و التقازم ، فقد كان منطقيا ً أن تواجه الذات المحاصرة ، هذا التغول و العدوان بما يشبه ” النرجسية ” أو حالة الامتلاء ” ( المبررة ! ) في إطار القانون الطبيعي القائم على ثنائية الفعل و ” ردة الفعل ” و يبدو هذا في تعبيرات متواترة توزعت _ بما يشبه الهيمنة _ على القصيدة المنوه بها ، كما في قولها :
” و يخبرني
بأنه فارس
يعلو إلى مجدي ..”
أو كما في قولها :
” و يتبع وجد أزهاري على كفي
كقبطان يجوب بحار تجربتي
و يبغي التيه في شطي ..”
إى أن تقول و كأنها أيقونة ” الجمال الكوني ” :
” و أني الحياة
و ما تبقى احتضار
و أني نبوءة الأنثى
بهذا الكون
و أني ختام معجزة
و أني مواسم العشق بأجمعها ..”
و يتلاحظ لنا في انعطافة أسلوبية شديدة التميز _ بوحي التكنيك الإحصائي _ تكرر لفظة : ” أني ” نحوا ً من عشر مرات ، في تأكيد شبه رقمي لسمة الامتلاء النرجسي ، أو الحالة الدفاعية المفترضة ، في مناهضة فيالق متغولة ، لا تكف عن التهميش و نهش الأطراف !
و لأن لغة الشعر قائمة _ في جوهرها _ على تفجير النقائض و المفارقات ، وفق تكنيك المقابلة المتصلة ، التي تقيم بين المتعارضات ” جدلا ً هيجليا ً ” نشطا ً ، فقد كان منطقيا ً _ في لجاج مفهوم أو متوقع _ أن تنتقل الذات الشاعرة من ضفة ” الامتلاء ” إلى ضفة ” التضاؤل ” أمام المحبوب ، تعذبا ً ووجدا ً و اشتعالا ً بنيران عشقه :
” لما عرفت الحب هامت أعيني
و رأيت نور العشق يشعل أضلعي
و أطل بدري في السما يلومني
كيف استحل العشق كل مدامعي ؟ ..”
و تتعالى في فضاءات هذه الشعرية المفعمة بتحرقات الشوق و صبوات المدن ، أقوى الصيحات التمردية / الثورية التي تستوحي أدبيات النسوية الجديدة Feminism بفهم ووعي . و هو ما نأنسه بصورة نموذجية ، في قصيدة : ” أنثى من الشرق ” :
” و مأساتي في وطني أنثى
ناقصة دينا ً أو عقلا ً
مأساتي في وطني أنثى
و الأنثى مكانتها السفلى
مأساتي أني كامرأة
سأظل لأسيادي ظلا ..”
و مع التصعيد البادي في جهارة النبرة ، و قوة الانتماء ، و نقمة الغضب و الرفض ، تترادف _ حد التماهي التام _ دلالة ” قضية المرأة ” بدلالة ” الفاجعة ” أو المأساة التي مدارها أن جوهر الأزمة لا يكمن في اعتداء هنا ، أو شين و تشهير هناك ، بل في فهم ” الإنسان الشرقي ” ذاته لدلالة ” الأنثى ” أو معنى مفردة ” السيدة ” ، و هو فهم قامع لا يكف عن محاصرتها بالمساءلات و نصب المحاكمات لأدنى بادرة :
” لو أضحك ماذا يضحكها ؟
أو أكتب قالوا هي ليلى
أو أقرأ قالوا تهملني
أو أجلس قالوا هي كسلى
خبرني بالله عليك
ما شكل السيدة المثلى ؟ ..”
و لأن معجمية ” نزار قباني ” _ بمظلتها العملاقية المهيمنة _ تبدو واضحة بقوة في متون القصيدة العربية المعاصرة و أخيلتها و نسقها التصويري ، و مرجعياتها الكبرى ، فقد كان منطقيا ً أن تتوشح تجربة رومانتيكية قائمة على تحرقات العشق و تباريحه _ كهذه التجرية _ بشيء من معجم نزار و ببعض من صوره المتقافزة _ بكل نزقها الصبياني _ و إن اشتممنا قدرا ً باديا ً من الخطورة ، جراء التماهي في بعض مناطق التجربة مع ” الحالة النزارية ” بصورة معممة مطلقة ، لا تتحسب لفروق الزمان و المكان و طبيعة التجربة .
و يتلاحظ للمتلقي _ في موجة التلقي الأولى _ أن هنالك قدرا ً ملحوظا ً من السلاسة الإيقاعية و عرامة الموسيقى المتدفقة ، ما كان منها داخليا ً و ما كان منها خارجيا ً ، و هو ما وصل ببعض القصائد إلى تخوم الإمكانية المطواعة لأن تغنى على نقرة عود ، كما في قصيدة : ” عيناك حكايا وهمية ” ، و هي قصيدة مؤسسة على استنفار المعنى الكوني و الإنساني ”
” أحببتك في عصر العلم
فوجدتك أسمى نظرية
في خصرك .. خارطة الكون
في كفك طهر البشرية
في جيدك أنهار تترى
في خدك تضحك أغنية ..”
و في فورة نشوة العشق ، و لحظاته الجذلانة المفعمة بالمواجيد الصوفية ، أو ما يشبه المكابدات ، تتماهى حالة العشق ب” اللذة المازوخية ” ، التي تبحث عن ” القيد ” و لا تفر منه ، بل تجد مراحها في تطويقه لمعصمها :
” أحببت قيودي في عشق
لا أرجو ديمقراطية ! ..”
اعتمدت أكثر قصائد الديوان على توطد الحالة الغنائية و ترسخها ، فخرجت التجارب _ في معظمها _ نفثة الذات ، بيد أن هذه السمة ، لم تكن بالقانون المهيمن ، فقد حادت _ مثالا ً لا حصرا ًً _ قصيدة مثل : ” عاشقان ” عن هذا السنن المنضبط ، أو المظلة الغنائية الرحيبة ، التي مدت رواقها بقوة و تمكن ، فخرجت القصيدة المنوه بها ” بوليفونية ” ، تنهض على الصوتين ، و تفعل ( بتنشيط باد ٍ ) منظورين متعارضين في الرؤية . فكانت التجربة أجنح إلى الحوارية الشاملة بين صوتين : ( هو / و هي ) :
” هو : مازال حبك في العيون ضياء
فكأنك القنديل قد شق السماء
هي : يا صاحب الكلمات قد أخجلتني
بكواكب من حرفك اللئلاء …”
و لا تكف القصيدة عن تفتيق رقعة واضحة للمبادهة و المباغتة و الإدهاش ، حين تجعل التجربة _ في بعض منعطفاتها الحريفة _ من ” السكين ” وسيلة لمداواة الجرح ( لا إحداثه ! ) :
” أنا من أداوي جرحي بالسكين
ألم الحبيب بمهجتي
قد فاق والله طلوع الروح ..”
و في إطار حس الإدهاش ذاته ، الذي يلف حزمة الصور و الأخيلة ، تصبح ” العينان ” _ في معاجم العشق و ذروة تباريحه _ ” لحنا ً سيمفونيا ً ” و ” قنديلا ً لمسجد ” في آن :
” عيناك أكبر أوركسترا
تعزف لي لحنا سيمفوني
أقر}ها بحسي و بروحي
يسمعها قلبي و عيوني
عيناك كقنديل المسجد
و أنا أشعله لأصلي ..”
و لم تحرم الذات الشاعرة فضاءات القصيدة من معنى التنوع ، حيث آنسنا طائفة من القصائد ، تنتمي إلى منظومة ” المدائح النبوية ” كما في قصيدة : ” رحمة للعالمين ” ، تطرح فيها الذات ، مفردات السيرة العاطرة و مشاهدها ، بحس عصري ، و انشغالات حضارية جديدة ، لتؤكد الشاعرة من خلال هذا الدفق الشعري الجديد ، أنها أعادت تقديم بطاقة تعريف جديدة بدروب مشروعها الشعري ، و فيافيه الحافلة بالإدهاش و الصبوات و الارتحالات المتواترة نحو معنى جديد للإنسان و المجتمع و الآفاق الجديدة للأوطان .


