تاريخ الرواية العربية

كتبت / منى عبد اللطيف

لقد عرفت الرواية منذ قديم الأزل ولكن بصورة مختلفة وعٌرفت كلمة الأدب قديما   للدلالة علی معان مختلفة فقد دلّت في عهد الجاهليّة علی الدّعاء إلی المأدبة، کما دلّت في الجاهلية والإسلام علی الخلق النبل الکريم … ثم أطلقت علی تهذيب النفس وفي القرن التاسع وما بعده استعملت للدلالة علی جملة العلوم والفنون … ولمّا کان القرن الثاني عشر استعملت في الشعر والنثر.

وقد ذهب مؤرخو الأدب في تحديد تاريخ ظهور النثر الفني … وقال بعضهم إنّه ظهر قبل القرآن بقليل وصاحب ظهور القرآن ثم نما وازدهر أن اُقرّه عبد الحميد الکاتب وابن المقفّع وقال البعض الآخر إنّ النثر الفنّي لم يعرف عند العرب إلا مع عبد الحميد وابن المقفّع .

القصة لغة واصطلاحا:

قص أثره: يقصه قصا وقصيصاً … کما جاء في اللسان والصحاح وفي التهذيب: القص اتباع الأثر ويقال خرج فلان في إثر فلان وقصا وذلک إذا اقتص إثره.
القصة هي «الفن الذي نعرفه اليوم بهذا الاسم بين الأجناس الأدبية قد أطلقها العرب علی عدّة الأشياء وأطلقوا أسماء هذه الأشياء عليها وهي الحديث والخبر والسمر والخرافة  وتضمنت قصص الجاهليّة قصصاً فنية وأسطوريّة وواقعيّة، تصور معارک العرب وحروبهم وأساطيرهم وتروي أخبارهم وسير ملوکهم وتنتقل عن الأمم المجاورة لهم وعن الشعوب التي اتصلوا بها … وامتزج کل هذا بالقصص العربية .

إنّ التغيير في الحالة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة والأدبيّة لأي بلد ترتبط ارتباطاً مباشراً بالأوضاع السياسيّة الحاکمة علی هذا البلد، تارةً ينتهي إلی الخضوع أمام السياسة المسيطرة، وتارةً ينتهي إلی الخلاف مع السياسة الحاکمة وبالتأکيد يتأثر هذه الاتجاهات علی النظام الاجتماعي والأدبي ..قد تأثر فن القصة بالأدب الغربي في العصر الحديث في أطوار متعاقبة مع تأثره عن الأدب القديم وبخاصة المقامة والخرافات والقصص علی لسان الحيوان وأوضح مثل للتأثر بفن المقامة هو “حديث عيسی بن هشام”، “لمحمّد المويلحي” وفيه امتزاج تأثير فن “المقامة” بالتأثير الغربي … وفي قصة “لادسياس” لشوقي، تظهر عنايته بالتعبير ثم اعتماده في تطور الأحداث.لطور الثاني من ميلاد الأدب القصصي في عصرنا الحديث أخذنا- في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين- تتخلّص قليلاً قليلاً علی الاعتماد علی التراث العربي القديم وبدأ الوعي الفني ينمي جنس القصة من موردها الناضج في الآداب الأخری، وقد بدأ هذا الطور بدءاً طبيعياً بتعريب موضوعات القصص الغربية وتكييفها لتطابق الميول الشعبيّة أو لتساير وعي جمهور المثقفين..
ثم نضج الوعي الأدبي، ونهض الجمهور ثقافياً، فتطلب الترجمة الصحيحة وقد قام بها کثير ممّن أسدوا إلی الأدب واللغة خدمة عظيمةً ونذکر من هؤلاء الدکتور “طه حسين”، والدکتور”عبد الرّحمن البدوي” والأستاذ “عبد الرّحمن صدقي”

 القصة القصيرة

وإذا کانت قصص المنفلوطي، التي احتواها کتاب «العبرات» تمثل الريادة الأولی غير الناضجة لفن القصة القصيرة، فانّ قصص محمّد تيمور، التي ضمتها مجموعة، “ما تراه العيون”، تمثل الريادة الناضجة والأدنی إلی الكمال في هذا الفن . فهي خطوة تالية لخطوة المنفلوطي… وأولی قصص محمّد تيمور هي قصة، “في القطار” التي نشرها سنة 1917م والتي تمثل ميلاد القصة القصيرة الفنيّة في الأدب المصري الحديث.

وبعد هذا وصلت القصص إلى استقرار و«كان من مظاهر هذا الاستقرار، نمو القصة القصيرة ونضجها وملامحها حتی صارت كائناً قوياً… وكان ذلك بفضل جيل من الرواد الذين اهتموا بالقصة القصيرة… من أمثال، “عيسی عبيد”، “محمود تيمور”، “محمود طاهر لاشين”، كما أسهم في هذا الفضل بعض الكتاب المرموقين ممن كان لهم نشاط كبير في ميادين عديدة مثل “إبراهيم المازني”، “توفيق الحكيم”، كما أسهم في هذا الفن بعض شباب الأدب في ذلك الحين، ممن سيكون لهم شأن كبير في ميادين عديدة من ميادين الأدب مثل “نجيب محفوظ”.

وأخيراً «بدأت القصة العربيّة تتأثر بالاتجاهات الفلسفيّة والواقعيّة في معالجة الحقائق الكبری أو المشكلات الاجتماعيّة نقتصر هنا علی التمثيل بقصة، «أنا الشعب»، لمحمّد فريد أبي حديد وقصة الأُستاذ توفيق الحكيم، “عودة الروح” وقصة، “الأرض” لأُستاذ “عبد الرّحمن الشّرقاوي” … وكذا قصص الأُستاذ “نجيب محفوظ”.

الفارق الأساسي بين القصة القديمة والحديثة

والفارق الأساسي بين القصة القديمة والحديثة يرجع إلی الأفكار الحاكمة في حياة «القصة القديمة تدور في إطار عالم مثالي أو خرافي أو وهمي،‌ بعيد إلی حد كبير عن حقيقة الحياة التي يحياها أوسط الناس وأدناهم اجتماعياً، أما القصة الحديثة فقد أفسحت الجبال وفتحت الباب واسعاً – باب فنون القص- ليحتل مكان الصدارة فيها الإنسان العادي البسيط

الرواية 

هي أكبر أنواع القصص من حيث طولها ولكن الطول ليس وحدها هو يميز الرواية عن القصة أو الأقصوصة، ‌فالرواية تمثل عنصراً وبيئةً، أي أنّ لها بعداً زميناً من المألوف أن يكون زمانها طويلاً ممتداً، بل ربمّا اتّسع البعد الزمني، فاستغرق عمر البطل أو أعمار أجيال متتابعة ، بعد التطورات التي مرّت  وصلت الرواية إلی المرحلة التي تحاکي قصص الغرب فی حين، تسعی أن تستحفظ التراث العربي القديم، وبعض الکتاب قد سعوا إلی کتابة روايات بصيغة مقامة، ولکن نری، أنّ أغلب الکتب التي عالجت نشأة الرواية الفنية، اعتبرت الرواية، زينب، للدکتور “محمّد حسين” هيکل كأول نشاط علمي لهذا الفن فی الأدب العربي.

تختلف الرواية الفنية عن الرواية غير الفنية فی عدة مسائل ولکن الأسس التي تفرق بين الرواية الفنية عن غيرها، تنحصر في اتجاه الرواية الفنية إلی الواقع ولا تعتمد علی الوهم والإسراف فی الخيال وأيضاً أنّ الرواية الفنية تحترم التجربة الذاتيّة والحس الفردي ولکن الأشکال الأُخری تعتمد علی المطلق والمجرد والمثال.
الرواية عبارة عن خيال نثري طويل له طول معين، ولکن الرواية الفنية عبارة عن، نثر روائي واقعي کامل فی ذاته وله طول معين، والصفة الواقعيّة هنا جاء بمعنی عام، بمعنی الحياة الواقعيّة بخلاف الرومانس التي تتجه إلی الهروب من الواقع وکلاهما يختلف موقفهما من الحدث، وبناء العقدة، ورسم الشخصية.
ومن جانب آخر، نری بأنّ الرواية التّسلية والتّرفيه،- أی الرواية غير الفنية- تتجه فی اختيار أحداثها إلی إرضاء فضول القاریء، وذکر الحوادث العجيبة، والغريبة، ولا تکشف عن إحساس خاص للأديب ولا يخضع وقوع الأحداث فی هذه الرواية للسببية، ولکنّه يخضع لمجرد رغبة المؤلف فی إشباع فضول قارئه إلی المزيد من العجائب والمدهشات وأيضاً أنّ الرواية الفنية فی بناء العقدة تعکس موقفاً حضارياً وتحترم التجربة الإنسانية، ولا تعتمد علی الأساطير والتاريخ القديم.

 

Related posts