الهجرة حضارة علمت الحضارة٠

الهجرة حضارة علمت الحضارة٠

بقلم / أ.د. / محمد طه عصر

بالامس ،وفي غفلة الاحداث، التي تخبل الحليم وتختل السليم ،تيقظ العام الهجري من رقاده، فطوي بساطه ،وحل رباطه ،ونضح وجهه المحرور بأنداء الذكري ،ونفح جفنه الوسنان بعبير طيبة ،وأخذ ينشر من تجليات الهجرة كتابا مرقوما ،لا يحتاج الي شرح، الا اذا احتاجت الشمس في كبد السماء ،الي شرح لمعني الظهيرة ، فالهجرة النبوية ،لم تكن قولبة أيديولوجية أو تأسيسا لدولة كهنوتية تقول: رهبوت خير من رحموت ، وتقع من مرشدهاالعام أو الأعلي موقع القراد من است الجمل ،وتربي أبناءها بالسمع والطاعة تربية الدجاج في الحظيرة ،يمشي مكبا علي وجهه ينقنق بين الحب والماء،منعزلا عن محيطه ويسير الي حتفه كالقنيصة متكئا علي عصا الصائد يحمل صحيفة المتلمس ،يظنها ميراث العمة الرقوب ،لا يدري ماتحتها من فخاخ، هي أدري من شراك نعله ،وانما كانت تأسيسا لدولة مدنية تقوم علي الحرية والاختلاف ،والتعددية، واحترام الأخر ،فالدين لله والحكم للأمة، والوطن للجميع،لست عليهم بمسيطر ،لا اكراه في الدين ،لكم دينكم ولي دين والناس سواسية كأسنان المشط وبهذا نقلت الدين الجديد من مرحلة الدعوة الي مرحلة الدولة ،ومن مجتمع العبودية الي مجتمع انفرجت فيه خوانق الأغلال ،وأصبح ثاني العطف في المدينة ،بعد أن كان خافض الجناح في مكة ٠ كانت هجرته ص اختبارا في الوطنية ،يوم أخرجه قومه من أحب البلاد اليه، وبات كالطائر الحيران ضيعت الريح عشه،فوقف علي المنحدر الشاهق،يتبين نسما لطريق ،أو يعرف وجها لغاية،ثم يذكر العهد والمنزل ،ثم بكي واستبكي ، حتي بلل الدمع وجنتيه ، وخدد خديه ، وما فتئ يقلب وجهه في السماء ،ويتضرع الي الذي فرض علي القرأن ،أن يرده الي معاد، ويحول اليها قبلته ،كان ساعتئذ في الصلاة ،فكان في شطرها الأول متجها الي بيت المقدس،وفي نصفها الثاني الي البيت الحرام ، لم تكن هجرته الي المدينة، غزوا عسكريا ،وانما كانت بدعوة من أهلها فيما سمي ببيعة العقبة ، وكانت بوحي سماوي ،في رحلة الاسراء حين قال له جبريل :هذه طيبة، واليها المهاجر، انزل وصل ،فنزل وصلي، ودعي ربه، وكانت يومئذ وبئة واسمها يثرب فسميت طيبة ،وصارت أطيب مايكون هواء ٠ كانت عناية الله مصدر قوته ،وقوات حمايته ،فأغنت عن مضاعفة من الدروع ، وعن عال من الأطم ،وكان من تجليات هذه العناية جنود لم تروها،وسكينة أنزلها عليه ،وفدائي ينام في فراشه ،وحفنة من تراب ألقاها في وجوههم، فضربت علي أذانهم، فغشيهم من النوم ما غشيهم ،وجعل أية النهار عمياء ولسان الحرس أبكم ،كانوا يغطون غطيط البكر ،كأن الصبح لم يتنفس، ولم يزل الليل لباسا،واذا بالنبي ص يمر من بين أيديهم مر الرائح المتحلب ،وتظل عناية الله تلاحظه عيونها، فاذا المخاوف كلهن أمان ، فابن أريقط خبير الطرقات وكان مشركا ،يسلك به طريق الحفاة الي أصحاب النعال ،و ابن هبيرة يهش علي غنمه ،ليمحو أثار أقدامه ،واذا سراقة الذي تأبط شرا وكان اعدي من الشنفري ومن السليك بن السلكة،كلما تذكر المكافأة كان الي طلبه أعجل من كبش الي حوض، كلما راي الماء هام، فلا يرد حتي باللجام ، ولكن نفحة من عناية الله يمسسه وهيجها ،فتنعش ماانكمش منه، وتضيئ ما أظلم فيه ، فتكون أول حجامته تخدير القفا ، فاذا الذي كان اجرأ من ذبابة علي حلوي ،وأشجع من خاصي الأسد في عرينه يضيق صدره، ولا ينطلق لسانه ،فيصير أضرط من عير ،وأجبن من نعامة ، ثم ينكص علي عقبيه وينسي ماكان يدعو اليه، واذا جواده الذي كان يمر مر الرائح المتحلب تغوص في الرمل قوائمه ،كلما رفعها تبعها دخان يلفح وجهه ويزكم أنفه ويحرق اصابعه ولجامه ، ويشمس فرسه ، فلايسمع الصوت المهيب، ولا يطيع السوط الكابح ولا يستجيب لمروضه الخبير ،حتي وان كسر نابه وحطم ظلفه وتستمر عناية الله ، فاذا شاة أم معبد وكانت عجفاء تصير حلوبة ،وابن أبي بكر يسترق الاخبار،،واذا الغار يظلله غصنان ، كأنهما مسنونة زرق وأنياب أغوال ، واذا العنكبوت خلف نسيجها فارس دارع ،والحمامتان كأنهما حارسان علي مرقب ،والبيضتان كأنهما قنبلتان موقوتتان والصدق في الغار والصديق لم يرما وهم يقولون ما بالغار من أحد ،لم يكن بينهما وبينهم سوي خطوة الي الأمام ،ونظرة الي الأسفل لكنها عناية الله ،طمست أعينهم ،فلم تعاين ،وشلت أقدامهم، فلم تتقدم ٠ اليوم يطل هلال العام كزورق من فضة أثقلته حمولة الربيع الاحمر وأشحبته حرب داعش الغبراء، وسقوط دولة العرب، وتهجير أهلها في الشام والعراق وليبيا واليمن السعيد ،فقد تداعت علينا الأمم ،بعد ان أيقنوا أن الحسام العربي، ارتد الي غمده ،ولم يعد للفخر بسيف كليل ،افتخر به ابوتمام، اي خطر بازاء تلك العصابات الرويبضات التي استنقع الجهل شرابهم، واستنعق البوم غرابهم، واصطنعهم الغرب علي عينه ،ليحاربوا عنه بالوكالة ،وأقعدهم منه مقعد القراد من است الجمل ،ولاعليهم، فالدراهم مراهم ،والمال ميال وماالمرء الا بدرهميه ،والدولارات تبيح المحظورات ، حتي اذ جد الجد وحان وقت الحساب احمرت الحدق ،واصابهم القرين بنمو القرون ،وصاروا ابرا في قرونه ،وقالوا الاسلام هو الحل ،واتخذوا المصحف اطارا لعقيدتهم والسيفين قاعدةلشريعتهم ،وجعلوا في كل ركن جهنم ،وفي كل جهنم اباليس، ومع كل ابليس توابعه وزوابعه، ثم سلطوا نعرة أحدهم علي انف صاحبه، وجلسوا يشرقون بدمائه وينضجون في حريقهم شواءه، دون أن يطلقوا رصاصة واحدة ضد عدو الله وعدوهم ،فتحرير القدس يبدأ بابادة العرب ، فاذا انتهت مهمتهم، استغنوا عن خدماتهم، فأدبروا ووجوه الأرض تلعنهم ٠ سمهم ان شئت طالبان أو القاعدة ،او الأخوان ،أو المتسلفة ، أو جند الشام ،أو أكناف بيت المقدس أو فيالق القدس،أو أيات اللات وأنصارها ، أو النصرة ، أو حسم ، أو التكفير والهجرة ، فكلهم من وساوس الشيطان وسبارسه وبهارسه وهلاوسه ملتمس ، ،لا فرق بين المرشد العام، والمرشد الأعلي، والأخ والمجاهدوأية الله وروح الله وسريعته وخليفة مسلميهم وأمير مؤمنيهم ،كلها اسماء مملكة بغير حقيقة ،كالهر يحكي انتفاخا صولة الاسد ،والغابة كلها شريعة واحدة ، فالحباري خالة الكروان ، والعقرب عمة الأفعوان ، لافرق بين أفعي تفح ،وعقرب تصيئ، اذا رأيتهم تقرفك صورهم ، لحية داعشية كألية الأغنام، وزبيبةقاعدية كبعرة النعام ،وبطن كبيرة منتفخة بالكبيرة ،ولا عليهم بعدئذ ان يشتغلوا بالنفل عن الفرض ،ويحملوا السلم بالعرض ويستنزلوا البدر الي الارض ،ويستسقطوا دولهم ،ويخربوا بيوتهم بايديهم ،بعد ان يرسلوا عليها عديدهم وحديدهم ، ويجعلو ظلها حرورا، وماءها مهلا، وطعامها ضريعا ،ولا عليهم اذا مزقوا اوطانهم ،وجعلوا وحدتها ايادي سبأ ، كالقصيدة العمودية في العصور الخوالي ،ولا عليهم اذا جعلوا رخاء أهلهم شدة ،وخصبهم جفافا ،وأيديهم فارغة ككف السائل ،معروقة كيد المسلول ،وأصبحوا من القتل والتهجير ،بين حدي سيفين ،لا يجدون في الأرض مقعدا، ولا الي السماء مصعدا ٠ أجل يطل العام الهجري علي امة صاحب الهجرة ، وقد وشحها متأسلموها بوشاح أحمر، سال فيه الدم حتي تقنطر ،وكلنا أمل ان يكون عامنا هذا خيرا من أسلافه، وأن لا نكون كمن هو أمل ،غير واجد ،وزارع غير حاصد ،وأن نضع اعيننا علي أبنائنا ليستوعبوا في وثيقة المدينة دروس الهجرة وتجلياتها الحضارية ، قبل أن يكون لهم مع كل نحلة نكسةومع كل نكسة هجرة ، ومع كل هجرة أطلال وعلي كل اطلال بومة تعشش أوغراب ينعق ٠
اطيب وأرق التهاني وكل سنة وأنتم -بالواو-طيبون.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏لقطة قريبة‏‏‏

Related posts