الكلمة الأخيرة في الصورة في فنون السرد والسيناريو والشعر والفن التشكيلي

بقلم شيخ النقاد الدكتور/ رمضان الحضري

 


لأولِ مرةٍ في حياتي أتمنى ألا أكتبَ معلوماتٍ أو استنباطاتٍ خاصة، وقد بلغَ الوجلُ من تلك الكتابةِ أنني أكتبُ وأتمنى ألا تنتشرَ هذه المقالةُ انتشاراً يسببُ مشكلاتٍ لمن يقرؤها ، أو يتمسكُ بها ، وأدعو اللهَ أن تمرَّ على كلِّ من يقرؤها مرورَ الكرامِ .وقد بذلتُ جهداً متواصلاً في الإعداد لها ، بالتأكيد هو أكبر من جهد الكتابة ، لكن الجهدين طالا وأضنيا ، وبيَّنا وأضفيا ، وأهلعاني حين حاولتُ كشفَ الغطاء ، لإعادة ترتيب الأفكار ، فلما كشفتُ النقابَ عن بعضها ، واتضح لي أننا ظللنا عقوداً عديدةً نَصفُ النور بالظلام والظلام بالنور ، والشر بالخير والخير بالشرور ، فضقت ذرعاً بالصمتِ ، وقررتُ أن أحطمَ سلاسلَ الكبتِ ، والله المستعان ، وله الأمر في الأولى والآخرة ، فنعم المولى ونعم النصير .
أظن أن الجاحظ ( 159 هـ : 255 هـ ) إمام النقد الأدبي العربي كان أول من استخدم لفظ ( الصورة ) في حديثه عن الشعر ، حينما قال : ( والمعاني مطروحة في الطريق ، يعرفها العجميّ والعربي ، والقرويّ والبدوي ، وإنّما الشأن في إقامة الوزن ، وتخيّر اللّفظ ، وسهولة المخرج ، وكثرة الماء ، وفي صحّة الّطبع ، وجودة السّبك . فإنّما الشعر صناعة ، وضرب من النَّسج ، وجنس من التصوير ) .
وتلاه قدامة بن جعفر ( ت 337 هـ ) حينما قال : ( المعاني كلّها معرَّضة للشاعر ، وله أن يتكلّم منها فيما أحبّ وآثر ، من غير أن يحضر عليه معنى يروم الكلام فيه ، إذ كانت المعاني للشعر بمنزلة المادة الموضوعة والشعر فيها كالصورة ، كما يوجد في كلّ صناعة من أنّه لابدّ فيها من شيء موضوع يقبل تأثير الصورة منها ، مثل الخشب للنجارة ، والفضّة للصياغة ) .

فكان النقد العربي قد استعد لاستقبال عبدالقاهر الجرجاني
( 400 هـ : 471 هـ ) ليتحدث عن الصورة الشعرية بهذا
الوضوح الجلي حينما يقول : ( إنما الكلام أصوات محلّها من
الأسماع محّل النواظر من الأبصار ، وأنت قد ترى الصورة
تستكمل شرائط الحسن ، وتستوفي أوصاف الكمال ، وتذهب في الأنفس كلّ مذهب ، وتقف من التّمام بكلّ طريق ، ثم تجد أخرى دونها في انتظام المحاسن ، والتئام الخلقة ، وتناصف الأجزاء ، وتقابل الأقسام ، وهي أحظى بالحلاوة ، وأدنى إلى القبول ، وأعلق بالنّفس ، وأسرع ممازجة للقلب ، ثم لا تعلم – وإن قايست واعتبرت ، ونظرت وفكّرت – لهذه المزيّة سببا ، ولما خصّت به مقتضى ) . ويقول في موضع آخر : ( أعلم أنّ قولنا (الصورة) إنّما هو تمثيل وقياس لما نعلمه بعقولنا على الذي نراه بأبصارنا، فلمّا رأينا البينونة بين آحاد الأجناس تكون من جهة الصورة ، فكان بين إنسان من إنسان ، وفرس من فرس بخصوصية تكون في صورة هذا لا تكون في صورة ذاك ، وكذلك كان الأمر في المصنوعات ، فكان بين خاتم من خاتم ، وسوار من سوار بذلك ، ثمّ وجدنا بين المعنى في أحد البيتين وبينه في الآخر بينونة في عقولنا وفرْقا ، عبّرنا عن ذلك الفرق ، وتلك البينونة بأن قلنا : للمعنى في هذا صورة غير صورته في ذلك ، وليس العبارة عن ذلك بالصورة شيئا نحن ابتدأناه فينكره منكر ، بل هو مستعمل مشهور في كلام العلماء ويكفيك قول الجاحظ : وإنّما الشعر صناعة وضرب من التصوير ) .تناول النقد العربي الصورة الأدبية مبكرا للغاية بشكل ملفتٍ للنظر ، فالجاحظ الذي عاش في القرن الثاني الهجري يرى أن الشعر العربي هو جنس من التصوير ، في عبارة مختصرة وقمة في البلاغة لوصف ماهية الشعر العربي ، وينطبق هذا التعبير على الشعر العالمي كذلك ، وكان قدامة أكثر توضيحاً لوضع الصورة في الشعر العربي ، وربما أثرت الثقافية اليونانية بفلسفتها عليه حيث إنه اطلع عليها اطلاعا وافيا ، كما اطلع على علوم الشرائع السماوية الثلاثة مما جعله علامة عصره في اللغة والشرائع والنحو والفكر والثقافة ، فجاءت أراؤه تجمع الفكرين ( العربي واليوناني ) .
ولا شك أن العلامة عبدالقاهر الجرجاني قد نهل من الجاحظ
كما هو واضح من استشهاده باسم الجاحظ ، ونهل من قدامة
كما يمكننا أن نستنبط من شرحه وتفنيده ، فلم يكن هناك نحوي أو لغوي أو كاتب أو شاعر سبق عبدالقاهر إلا وقرأه عبدالقاهر قراءة المستنبط بوعي المثقف القدير ، فجاءت آراء عبدالقاهر
وكأنها مكتوبة أمس قبل كتابة هذه المقالة مباشرة ، بل ظني كبير بأن معظم كبار النقاد والأدباء الغربيين قد قرأوا كتابي عبدالقاهر الجرجاني ( أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز ) ، وتأثروا بهما في فك شفرات النصوص المكتوبة من سرد أو سيناريو أو شعر ، والأدلة على ذلك كثيرة ، لكنها تحتاج إلى إفراد مقالات لها ، ربما يمد الله لي خيرا وعلما وعمرا فأكتب عنها .فقد انتبه عبدالقاهر للصورة في كلام العامة قبل الصورة في الشعر ، ورأى أن كلام العامة لا يخلو من التصوير ، ومن المسلم به أن كلام العامة يقصد به التواصل أو تبليغ رسائل مباشرة على العموم وهو غير السرد الذي يحمل رسائل مباشرة وغير مباشرة وأكثر تعقيدا من كلام العامة ، ويدفعني هذا لتقديم نموذجا سرديا للكاتبة / هبة بنداري بصفتها روائية من نوع خاص ، فهي
موهوبة وتمتلك أدوات الكتابة السردية بتقنيات مبتكرة
للغاية ، وقد وقع اختياري على نص سردي بعنوان ( اللعنة )
تقول فيه :
( حين تخضبت كفاي باللون الأحمر لم أكن أدري أهي دماؤه أم حنة عرسي. تكاثرت السحب وتجمعت بعيناي ومن ثم أمطرت وابلا من النيران تحرقني بعد أن ثار بركان قلبي وصمتت الصرخات عندما تقطعت أحبال روحي.. رفعت يداي أنظر لذلك اللون الأحمر محاولة فك شفرة النقوش عليهما.. أين القلوب التي خطت ” أم السعد” حروف اسمه بها والتي قضت فيها ساعات طوال.. وكلما نقشت حرفه على كفي دقت طبول الفرح بقلبي.. موصول ذلك القلب به ومحفور اسمه فوق جدران روحي من هذا الذي يمكنه أن يفرقنا؟! لا الزمن ولا الحساد ولا الظروف والبعاد والهجر ولا حتى تلك اللعنة
تفتحت عيناي على حبه.. لا أدري حتى متى أحببته
ولا كيف ولا لماذا؟ كل ما أعرفه أنه قدري وجنتي وناري وعشق حلمت به حتى باتت شراييني لا تحتمل شلاله الهادر بدمي هو حب لن يفهمه البشر لأن من أودعه بقلوبنا هو خالق البشر كلما نظرت إلى وجهه الحبيب رأيت جبينه مكتوب فوقه اقترب يومه كم بكيت ليالي طويلة وأنا أسمع كلمات تتردد حان موعده ناشدته أن نهرب فأرض الله واسعة كان يبتسم برقته التي تفتت
الصخر ويقول لي
_ وهل يهرب الإنسان من قدره ؟
شهد على حبنا وعهودنا أشجار الزيتون والليمون وأشواك التين الذي كان يقشره لي.. كل شوكة كانت تغرس بأصابعه كانت تشق أخدودا بقلبي ولا أدري لماذا إصراره على تحمل الألم من أجلي ربما كان يريد أن يؤهلني حتى أصبر على الوجع حين تحل علينا اللعنة
شقت صرخة ذلك الصمت الرهيب وتبينت منها صوت أمي تقول بلوعة
_ أحلام
لم أفهم باقي كلماتها لكنني انتبهت أن فستاني الأبيض قد
تحول هو أيضا إلى اللون الأحمر القاني من أين لي بهذا اللون؟!
زحف على جسدي دبيب يشبه وخز الأشواك تلك التي كانت
تغرس بيده وأستشعرها بقلبي.. غطت أنحاء جسدي حتى أنني تهاويت على صدره ومن بين غيومي تراقصت صور الجموع في حلقة حولنا يصرخون.. تراهم يحتفلون بعرسنا أم ينعوننا؟ حلت اللعنة التي طالما حاولت الفرار منها كما حلت من قبل على الكثيرين من سكان بلدتنا.. لم أعد أقوى إلا على تحريك أناملي..
لمست بها وجهه الحبيب لأخر مرة قبل سفرنا معا ) .
لوحة تصويرية تعبيرية تقدم صورا ذهنية غاية في السهولة وقمة في العمق ، نعم كاتبة ترسم سردها صورا على جدار الروح التي يقرأ بها المتلقي ، فهي تصر أن تجعل القارئ روحا تبتعد عن الحواس بمسافات تصغر وتكبر وتعلو وتهبط ، وسوف أعرض للصورة السردية في هذه القصة القصيرة في اللقاء التالي حيث إن هذا الجزء لا يحتمل أكثر من ذلك ، وقد اخترت مقتطفات شعرية متعددة لشعراء من مصر مثل الشاعرين / عبدالعزيز جويدة وعلي عمران
والشاعرة / إلهام عفيفي ومن خارج مصر مثل الشاعر / احمد الغامدي
كما اخترت لوحات من الفن التشكيلي في محاولة لتنفيد التعريفات الجديدة
التي أراها تناسب عصرنا وتضحد أفكارا منتهية الصلاحية .

 


 


 

Related posts