السرد بين البنية والرؤية

السرد بين البنية والرؤية
( حب برائحة المومياء )
**********
النص الإبداعي صناعة فنية متقنة تحمل روح كاتبها ، يتكون من
مادة خام هي اللغة وقد تم تشكيلها حسب موهبة وقدرات وثقافة
المبدع ، ولو شبهنا النص بسفينة أو طائرة فإن السفينة أوالطائرة
صنعت من مادة خام هي الحديد الذي تم تشكيله حسب مواصفات
ليناسب الجسم والوظيفة التي صنعت من أجلها ، فإذا أردنا
التعرف على السفينة أو الطائرة فعلينا أن نستمع لمهندسي هذه
الصناعات ، فهناك فرق بين الحديد كمادة خام وبين الحديد بعدما
تم تشيكله ليتحول لطائرة أو سفينة ، فلم نعد نتكلم عن المادة الخام
بل نتكلم عن موهبة وحرفية وثقافة المبدع الذي قام بالتصنيع .
ولذا فإن المفردة في المعجم اللغوي المكتوب أو المحفوظ بالذاكرة
هي مادة خام ، وحينما تدخل في جملة أو متوالية يكون تم تشكيلها
لتصبح كلمة في الشكل الإبداعي الجديد ، فالكلمة تأخذ شكلها
الجديد من النص الجديد الذي وضعت فيه ، فإذا ظلت على
تاريخها القديم وظلت تحمل ذات المقومات القديمة داخل النص
الجديد ؛ فالكاتب في هذه الحالة ليس مبدعاً ، ولكنه سيكون
كالحداد الذي لا يجيد سوى صناعة حدوة الحصان التي عرفها
العرب منذ ألفي عام وربما أكثر ، فهو لم يطور ذاته وبالتالي
لايجيد أن يأتي بتطوير لهذه المادة .
وينطبق هذا على الشعر كما ينطبق على السرد تماما ، فإذا
نظرت في كلمات الشاعر / أحمد بدوي العميد حينما يقول : —
يا توأم البدر صارت أدمعي نهَرًا
ونبضُ قلبيَ من عينيَّ مفطوم
فضي اشتياقًا سما عن كونه ألمًا
وزملي النايَ إن الشدو محموم
فالتوأم هو المولود مع غيره في بطن واحد ، وعكسه الرئبال الذي
لم تلد أمه غيره ، فحينما أخذ العميد كلمة توأم لم يستخدمها كما
اتفق العرب على استخدامها ، بل طوّر المفردة لتؤدي وظيفة
جديدة تناسب النص الجديد ، كذا العلاقة الجديدة بين نبض القلب
ورؤية العين ، حتى إذا بلغنا الشطرة الثانية في البيت الثاني صحنا
بعزيمة هذا هو الشعر ، فقد أحدث علاقات جديدة بين مفردات
قديمة ، فعلاقة الناي بالتزميل والحمى علاقة جديدة للغاية وطريفة
حد الدهشة ، رغم تسرب كلمة الشدو لتعطي تعالقا قديما مع كلمة
الناي .
بينما سردنا العربي أكثر اتساعا في استخدام اللغة على التوافقية
أو التواطؤ القديم ، وقلة من كتاب الرواية الذين يجيدون تطوير
لغة السرد منهم حسين نوح وعمار علي حسن ومحمود كمال
ورزق عويس ومجدي جعفر ومحمد عبدالله الهادي وحنان محمود،
والنص السردي الذي أتناوله الليلة للكاتبة المصرية / حنان محمود
وهي كاتبة رواية وقصة وسيناريو ، ومن الكاتبات القلائل على
مستوى الوطن العربي التي ترجمت أعمالها للإنجليزية والفرنسية
والتركية ، وقد ألفت حنان محمود بهذه اللغات كذلك .
والقصة بعنوان ( حب برائحة المومياء ) .
والكاتبة تكتب بعينين كاملتي الإبصار ، فعين تبحث في بنية النص
وعين تبحث في وظيفة النص في المجتمع ، ولذا فهي تكتب
عبر البلاغة الحديثة من التكوينية ، وعبر البلاغة الأسلوبية
من المذاهب الأدبية الجديدة سواء كانت الحداثة في البنيوية
أو ما بعد الحداثة ، وتمتاز الكاتبة بأنها ترفع درجة السرد
من التربة الخصبة لتنمو أحداثه في فضاء العقل ، فصعب ان
تفرق بين حقيقة حادثة وتخيلها في صورتها الذهنية ، ولأنها
من كاتبات السيناريو المجيدات لهذه الصنعة ؛ فهي تدرك جيداً
المسافة بين الصورة الذهنية والصورة المرئية ، فيأتي الوصف
عندها تشكيلا مختلفا عن غيرها من كتاب الرواية ، تقول : _
اسمي غزالة : هكذا أسماني أبي ، وهكذا كان الجميع من حولى ينادينى غزالة كما كانوا يقولون : أنت
غزالة بالفعل اسم على مسمي وأنا لا أخفيكم سراً أنني كنت أفرح كثيراً عندما يخبرونى بهذا الكلام
، كان خُطَّابي كثر، حتى أنه لا ينفك يوم حتى يطلبنى أحدهم للزواج لدرجة أن أبي كان يقول لي :
أن عتبة بيتنا انبرت من كثرة خطابك وأنت لا يعجبك العجب ؟!
وكنت أنتشي وأضحك على كلامه ، حتى تقدم لي شاب كان يعمل فى أحدى الدول العربية وكانت
حالته المادية جيدة ، ولم يكن به عيب مطلقاً حتى أتحجج لأبي به لكي أرفضه ومن هنا تم الزواج
وعشت معه فى راحة تامة لا يعكر صفونا شيئ سوى أنه كان ضعيف الشخصية ،
لماذا لا أعرف إلا أنني لاحظت أنه لا يرفض لي طلباً أبداً بصورة مستمرة لا يعارض ذهابى إلي
بيت عائلتى فى أي وقد مرت الأيام بنا وحملت بطفلتى وأنجبتها وفرحنا بها كثيراً ؛
ولما لا نفرح بها وقد كانت أجمل طفلة وأجمل شيئ فى حياتنا ؟ كل هذا وكانت حياتنا تمر بشكل
عادى أو روتينى ، كنت دائماً أشعر أنه ثمة حلقة ما مقفودة بيننا ، وأن شيئاً ما ينقصنا فى علاقتنا
ولكن لا أعرف ما هو؟ .
الملامح الشخصية لبطلة الرواية واضحة في حالتها النفسية ، مختفية في ملامحها الجسمية ، ولكن
دلالات الجمال الجسدي موجودة ، ولكنها موجودة دلاليا وليست تفصيلا لغويا ، مما يجلي خطة
الكاتبة لكي تكون روايتها فيلما فيما بعد ، فتقدم تفصيلات للشخصية التي يقع عليها الاختيار ، بينما
الملامح النفسية فهي تلك الملامح التي تخدم المجتمع ، فالبناء السردي يعتمد خطابا خاصا
بالنص ذاته ، والنص بعد التشكيل أصبح عضوا فاعلا في المجتمع المصري وبخاصة المجتمع
الصعيدي ، فلربما تدلل البنت في بيت أبيها ، لكنها لا تملك ذلك في بيت الزوجية ، وفي
كلا البيتين لاتمتلك الحرية التي تطلبها أو التي تستحقها ، ولايشفع لها جمال النفس أو
الجسم بأي مساحة من الحرية ، فالمرأة تملك حرية الحلم فقط ، تملك حرية التخييل فقط
تملك حرية التصور ، لكنها لاتملك حرية التصرف أو حرية التنقل والحركة أو حرية
الرفض أو التعامل كما يليق بها كإنسانة .
النص السردي عند حنان محمود ليس نصا تجريديا ، لكنه نص نبت أرض الواقع الخصيب
وأثمر في المجتمع ذاته ، فكان المنبع المجتمع ، وكان المجتمع ذاته مصبا لهذا النص ، بينما الوسيط
المختار لحمل هذا النص كان يتمثل في البناء اللغوي والتشكيل الفني للنص ، وتحتاج دراسة اللغة
عند حنان محمود لمقالة خاصة ، بينما يحتاج التشكيل الفني لمقالات عديدة ، حيث إن لكل رواية
تشكيلا مختلفا عن الرواية الأخرى ، فهي لاتعتمد نمطا واحدا في الكتابة شأن بعض الكاتبات
وخاصة تلك التي لاترى سوى ذاتها في النص ، فتظل تدور حول رؤيتها الخاصة دون النظر
فيما يدور حولها في المجتمع .
شكرا لكاتبة السيناريو والروائية / حنان محمود على إتاحتها لي الفرصة لقراءة هذه الرواية
الفريدة ، والتي لم أتتبع أحداثها أو وصف شخصياتها أو تطورها ؛ حيث إن الرواية في
طور الطباعة والظهور للجمهور .
د / رمضان الحضري .

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، ‏‏جلوس‏‏‏
ربما تحتوي الصورة على: ‏شخص واحد‏
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، ‏‏‏جلوس‏ و‏حمام سباحة‏‏‏‏
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏٢‏ شخصان‏، ‏‏نص‏‏‏

Related posts