البعض يحبها في الخفاء
بقلم / سناء أبوالنصر
“البعض له حضور يشبه الغياب ولكنه إذا غاب افتُقِد.
هؤلاء الهادئون العابرون بلا ضوضاء ولا رغبة في شهرة ولا ظهور.
أولئك الذين يشبهون نور الصباح، وضوء القمر ، يصنعون حياة دون بروباجاندا، هم فقط يعملون ما يرونه واجبهم في الحياة.”
إلى أولئك وإليها أهدي هذه السطور.
كان هذا هو الإهداء الذي استهل به روايته الجديدة، والتي كالعادة أهداها نسخة منها، أرسلها بالبريد على عنوان بيت والدها دون أن يكتب لها إهداءً شخصيا.
تلك هي الرواية الوحيدة التي وصلتها من بين خمس روايات، هن حصيلة ما كتب في سنوات غيابها السبع. كل رواياته السابقة احتفظ بهن والدها في صندوق صغير خبأه بعناية بين صناديق مقتنياته حتى لا تكتشفه في زياراتها السنوية له، أما هذا العام فقد غاب الأب وتسلمته هي في إجازتها الاضطرارية لحضور مراسم الدفن وتقبل واجب العزاء، فهي ابنته الوحيدة.
كان أبوها يعرف أنها تحبه ويعرف أنه أيضا يحبها ولكنه كان يعرف أيضا أنه لن يستطيع أن يواجه العالم بهذا الحب، وأنه لن يدافع عنه ولن يحارب من أجله، على عكسها، فقد كانت على استعداد للدفاع عن حبها حتى آخر نفس.
كان أبوها يعرف أنه لن يستطيع أن يواجه مجتمعه المحافظ بقصة حب لفتاة تعزف الكلارينت وتستعد للسفر للدراسة في ألمانيا وحدها.
لفت انتباهها حجم المظروف الكبير وثقله، ولكن حزنها غلب فضولها فتركته، دون أن تفضه، على طاولة جانبية في غرفة المعيشة.
وعاودت جلستها مع أقاربها الذين لم يتوقفوا عن التوافد على البيت منذ يوم الوفاة رغم أن أيا منهم لم يكن يتردد عليه طوال فترة غيابها سوى إبنة عم لها كانت شديدة الارتباط بأبيها، أما الآن فحان موعد توزيع تركة الرجل الذي لم ينجب ولدا.
بالطبع لم يكن أي منهم يفاتحها في الموضوع صراحة ولكن أعينهم التي تتجول في أنحاء المنزل محاولة هتك ستر الأبواب المغلقة كانت تفضحهم أمامها. كان اليوم هو اليوم السابع منذ وفاة والدها، وحينما قاربت الساعة العاشرة، أخبرتهم أنها تشعر بالتعب وترغب في الحصول على قسط من الراحة، وأنها تشكر لهم تعبهم معها طوال الأيام الماضية وأنه حان الوقت ليعاود كل منهم حياته الطبيعية التي عطلها ليساندها في مصابها، ثم وقفت لتسلم عليهم منعا لمزيد من المماطلات في الخروج من بيتها.
تغلق الباب خلفهم وتُسند ظهرها إلى الباب، تغلق عينيها وتمرر أصابعها بين خصلات شعرها كأنها تطرد الأفكار التي تطاردها.
تعود إلى غرفة أبيها، تتأمل أركانها وتشم ما تبقى من رائحته في أركان الغرفة، تتحسس فراشه بكفيها وتقبل وسادته حيث كان يضع رأسه.. تتساقط دموعها في صمت وهي تهمس “مع السلامة يا بابا”.
يغالبها النعاس فتنام في مكانها مستأنسة بعبير أبيها.
تفتح عينيها مع ضوء النهار ولكنها تفضل البقاء في فراش أبيها لمزيد من الوقت وهي تتجول بعينيها في أنحاء الحجرة، وشريط من ذكرياتهما يدور في رأسها.
تغادر الفراش وتحاول أن تعيش أول يوم هادئ بدون متطفلين، تتجول في انحاء المنزل بلا خطة ولا هدف ثم تجلس في كرسيها المعتاد في غرفة المعيشة، فيلفت انتباهها المظروف المغلق، تتناوله وتقرأ اسم المرسِل.
دار روافد للنشر، اسم لا يمثل لها أي شيء، ربما هي إحدى الدوريات التي كانت تُرسل لوالدها بانتظام، تضع المظروف على الأريكة وتذهب لتصنع قهوتها الصباحية، ثم تعود مرة أخرى إلى أريكتها، تفض المظروف وهي ترتشفها.
تضع كوب القهوة على الطاولة الجانبية وهي تقرأ اسم المؤَلَف والمؤلِف، “البعض يحبها في الظل”، عمرو أبو الخير، تعيد قراءة اسم المؤلِّف كأنها تكذِّبُ عينيها. تفتح الغلاف لتقرأ الإهداء
“البعض له حضور يشبه الغياب ولكنه إذا غاب افتُقِد.
هؤلاء الهادئون العابرون بلا ضوضاء ولا رغبة في شهرة ولا ظهور.
أولئك الذين يشبهون نور الصباح، وضوء القمر ، يصنعون حياة دون بروباجاندا، هم فقط يعملون ما يرونه واجبهم في الحياة.”
إلى أولئك وإليها أهدي هذه السطور.
تبحث عن توقيعه أو إهداء بخط يده ولكنها لا تجد.
تتصفح الرواية سريعا، مختطفةً جملَ ومقاطعَ أسلوبِ كتابة تعرفُه، وتعرف مفرداته جيدا، يتنازعها فضولان، فضول القراءة الذي طالما ميّزها وفضول البحث عن نفسها بين السطور، هي تعرف أنها كانت دوما هناك، مختبئة بين السطور، هكذا كان يحبها .. دوما في الخفاء. علاقة كان عليها دوما أن تلتزم فيها مكانا قصيا لا يلحظها فيه أحد.
كان يبرر رغبته تلك تارة بأنه يرغب في تمرير علاقتهما لأهله على مهل، ودون مصادمات، وتارة بأنه لا يريد إعلانها إلا حين تصبح في إطار رسمي لأنه لا يريد لأحد أن يخوض في سيرتها، لم تكن تعارضه لأنها كانت تحب وجوده في حياتها رغم أنه وجود خفي على صعيد علاقاته علني على صعيد علاقاتها. فعلاقتهما معروفة لأهلها، أما بيته فهو ثقب أسود يختفي عنها بمجرد أن يصله إلا حينما يصير وحيدا في غرفته، يحادثها على عجل ليطمئن عليها ثم يختفي بين قصاصاته أو أفراد أسرته أو حتى على الفيسبوك الذي لم يقبل طلب صداقتها عليه فسحبت الطلب بعد شهر، وقتها فقط سألها: ” انت ليه لغيتي طلب الصداقة على فيسبوك؟”، لم تجبه، ولكنّها قررت أن تذيقه طعم حياة الظل، فأخبرته أن أباها صار يتغير وجهه كلما انسحبت بهاتفها إلى حجرتها وأن أصدقاءها صاروا يسألونها عن سبب تواجده الدائم معها حتى حينما تخرج معهم وأنّ فكرة كونه يحاول تكوين علاقات جديدة تفيده ككاتب لم تعد مقنعة بالنسبة لهم، وهكذا تقلصت مساحات تواجدهما سويا سواء عبر الهاتف أو في لقاءاتهما الثنائية التي صارت تعتذر عنها كثيرا لأنه كان دوما يختار أماكن بعيدة عن وسط المدينة حيث تعمل وتقطن، متعللة أن والدها صار يدقق في مواعيد عودتها.
وكانت القاضية حينما حصلت على منحتها الدراسية وأخبرته أنها ستسافر ألمانيا وحدها.
حينما تلقت رسالة الجامعة بقبولها، كانت الفرحة تحملها على جناحين فقدتهما بعد لقائه وصارت تحمل حجرا على ظهرها جعلها تعود لحضن أبيها زاحفة باكية، يومها قررت أن تكمل طريقها الذي بدأته وحدها، ويومها فقط طأطأت رأسها في حضن أبيها معتذرة عن كل لحظة جادلته فيها حول “عمرو” متهمة إياه بالطبقية.
مرت الأيام ثقيلة حتى سافرت، كان صوت أبيها وصوت الكلارينت هما مؤنساها في غربتها، وكان نجاحها في دراستها دافعها لتستمر ومعينها على أن تطوي صفحة حبها له. ولكن يبدو أنه يأبى إلا أن يبقى جزءً من حياتها.
تشعر أن لهفتها لقراءة سطوره نوع من الخيانة لعهدها مع أبيها ومع نفسها فتُنحي الرواية جانبا وتستعد لموعدها مع المحامي لتوكله في انهاء إجراءات إعلام الوراثة لتقطع على باقي الورثة محاولاتهم السمجة والمكشوفة جدا لإبداء تعاطفهم والتواجد معها مدعين مساندتها بينما أعينهم تحاول تقييم الثروة التي سيجنونها من وراء موت أبيها.
تعود بعد لقاء المحامي، فتلمح الرواية على الأريكة حيث تركتها في الصباح، تحملها إلى حجرة المكتب، وتفتح دولابا صغيرا – كان يضع فيه أبوها المجلات التي فرغ من قراءتها واستخراج المقالات التي بدت له مهمة لعله يحتاج إليها فيما بعد – تضع الكتاب وتغلق الدولاب مرة أخرى.
تجلس على الكرسي أمام المكتب حيث اعتادت أن تجلس لتناقش أو تشاكس أبيها أو حتى تسمعه عزفها على الكلارينت، تنظر إلى مقعد أبيها الشاغر، تنحدر دمعة تلو الأخرى من عينيها بينما تحاول أن تبتسم كما أوصاها أبوها.. تسمع صوته في أذنيها ” ما تخليش الابتسامة الجميلة دي تفارق وشك، مهما كان الألم أو الحزن، ابتسامتك جميلة. ما تخليهاش تفارق وشك عشان وشك ما ينساهاش”. تغلبها دموعها تارة ويتراءى لها وجه أبيها تارة أخري وحينما يداعب النعاس جفونها تغلق باب حجرة المكتب وراءها وتنزلق في فراش أبيها محتضنة إحدى بيجاماته لتأتنس ببقايا رائحته.