سمير عبده بخيت
خادم تراب الوطن
يوم 26 مايو من عام 1954، وقع أحد أهم الاكتشافات المصرية فى القرن العشرين، فقد تم العثور على سفينة خوفو khufu ship أو “مراكب الشمس”، وذلك عند قاعدة الهرم الأكبر على يد عالم الآثار المصرى كمال الملاخ، الذي اكتشف حفرتين عند قاعدة الهرم الأكبر الجنوبية.
وقد وجدت حفرتا مراكب الشمس جنوب هرم خوفو في حالة جيدة ومغلقة ، حيث كانت كل حفرة منهما مسدودة من أعلى بقطع ضخمة من الحجر ، وكانت الفتحات بينها مسدودة ببلاط يغلق الحفرة تماما ، وقد عُثر في قاع إحداهما على أجزاء خشبية تبين أنها تحوي أجزاء مركب شمس كاملة مفككة متقنة النحت غير منقوصة مصنوعة من خشب الأَرْز ، وكانت المركب مقسمة إلى 1224 قطعة، موضوعة داخل الحفرة في 13 طبقة ، من ضمنها 5 أزواج من المجاديف، واثنين من زعانف التوجيه والمقصورة….أما الحفرة الثانية فقد فُحصت في عام 1987 وتبين أنها تحوي هي الأخرى أجزاء مركب شمس ثانية كاملة ومفككة أيضا لأجزاء ، ومن المزمع تركيبها في المستقبل أيضا.
وقد أثبتت الأبحاث التي اجريت على السفينة الخشبية العملاقة أنها صُنعت منذ 5000 سنة وبالتحديد عام 2800 ق م ، وبذلك فهي تعتبر من أقدم السفن الجنائزية في العالم، حيث يرجع تاريخ الخشب المصنوع منه المركب إلى 5000 عام، ويعتقد أنها من المراكب الجنائزية التي كانت تستخدم في مصر القديمة لاستعادة الحياة من الأماكن المقدسة، حيث كانت السفن تمثل روح الإله، وتقول أسطورة الإله “رع” بأنه يكون طفلا عند الشروق “خبري”، وفي الظهر يصبح رجلا كاملًا “رع” ، وفي المساء يتحول إلى العجوز “أتوم” الذي يركب المركب حسب العقيدة الفرعونية القديمة، ويعبر بها النهار حتى يعلو في السماء، ثم يختفي عن الأنظار حتى المساء، فيبدأ رحلته السماوية خلال الليل ، أي أنها كانت الوسيلة يستخدمها الإله أو المعبود “رع” فى رحلاته الليلية والنهارية.
.
وبعد اكتشافها بدأت الدولة المصرية في ترميمها وإعادة تجميعها وبناءها من جديد في عملية فنية معقدة استغرقت 10 سنوات كاملة ، بعد أن تم بناء متحف خصيصا لعرضها عام 1982بجانب الضلع الجنوبي للهرم الأكبر
.
وبعد تجميعها وإعادة بناءها تبين أن طولها يصل إلى أكثر من 42 مترا ، وعرضها 6.5 مترا ، وارتفاعها 8 أمتار ، أما وزنها فيزيد عن 22 طن ، وأنها تشبه في شكلها شكل مركب البردي، وهي بذلك تعد أكبر وأقدم وأهم أثر عضوي مصنوع من الخشب في التاريخ الإنساني .
.
وهذه المراكب أثارت جدلًا كبيرا بين من العلماء والباحثين منذ اكتشافها ، فهل هي مراكب جنائزية لها أدوار حقيقة خلال توديع الملك أو الفرعون، أم مراكب شمسية رمزية، وإن كان بعض العلماء يرجحون أنها مراكب جنائزية حقيقية بسبب حجمها الكبير، حيث أن المراكب الشمسية على الأرجح تكون صغيرة ومزينة.
أما البعض الآخر فيرى أنها مركب شمسي يستخدمها الإله رع مع الملك المتوفى بهدف مساعدته في التخلص من الأرواح الشريرة في العالم، ويؤكد هذا الرأي عالم الآثار زاهي حواس إذ قال في بحثه “آثار وأسرار مراكب الشمس”، أن الاعتقاد السائد بأن هذه المركب جنائزية هو بسبب دراستها من الناحية الدينية فقط، بينما لا يجب دراسة أي عنصر معماري دون دراسة الآثار المحيطة بها.
.
ومع بناء المتحف المصري الكبير ، تقرر أن يتم نقل مركب خوفو من مكانها بمنطقة آثار الهرم للعرض في قاعات هذا المتحف، بعد موافقة اللجنة الدائمة للآثار المصرية ، ولكن كانت المشكلة في كيفية نقل هذه القطعة الأثرية الضخمة ككتلة واحدة بدون تفكيكها وإعادة تجميعها مرة أخرى حتى لا يؤثر ذلك على حالتها العامة للحفاظ عليها للأجيال القادمة.
.
وتعد عملية نقل مركب خوفو التي تمت بنجاح بواسطة لجان هندسية أثرية رفيعة المستوى بالتعاون مع جهات علمية محلية ودولية ، واحدة من أهم المشروعات الهندسية الأثرية المعقدة والفريدة بسبب التعقيدات والتحديات الكبيرة التي واجهت عملية النقل، وتمت بدقة شديدة لضمان كافة سبل الحماية للمركب وعدم تعرضها لأية مخاطر أثناء عملية النقل ، حيث تم نقل السفينة كقطعة واحدة داخل هيكل معدني أُعد خصيصا لها وتم رفعها إلى عربة ذكية آلية التحكم عن بُعد تم استقدامها خصيصاً لهذا الغرض من بلجيكا ، حيث أن هذه العربة لديها قدرة فائقة على التغلب على أي عوائق يمكن أن تواجهها في الطريق، وقادرة على المناورة في المنحنيات والملفات وامتصاص أية اهتزازات بحيث يكون سطحها دائما في وضع أفقي للمحافظة على ثبات المركب.
.
وقد أثبتت هذه العربة الذكية قدرتها علي تنفيذ المهمة المُكلفة بها لنقل المركب بنجاح أثناء تجارب المحاكاة العديدة التي قامت خلالها بنفس الرحلة محملة بنفس أوزان وأبعاد وبروز المركب التي يصل طولها إلى 42 متر وارتفاعها إلى 8 أمتار ووزنها إلى 22 طن، مع تركيب أجهزة القياس الخاصة لإختبار أداء العربة وثبات الهيكل المعدني وميول الطريق وذلك لضمان وصول المركب بأمان تام.
.
وقد استغرقت مرحلة الدراسة والتجهيز لعملية النقل قرابة العام الكامل ، لم يترك فيها فريق العمل شيئا للصدفة أوالتجربة؛ ففي أغسطس عام 2020 تم غلق متحف مركب خوفو بمنطقة آثار الهرم، وبدأت أعمال تأهيل المركب لنقلها لمبني مراكب خوفو في المتحف المصري الكبير، والذي يتم تجهيزه حالياً بأحدث الأساليب العلمية والتكنولوجية للعرض المتحفي، بالاضافة إلى أجهزة الرصد والقياس الحديثة للحفاظ علي هذا الأثر العضوي الهام والفريد ، كما تم عمل مسح راداري للأرض الصخرية تحت مبنى المتحف القديم بمنطقة آثار الهرم حتى الطريق الأسفلتي في الجهة الشرقية للتأكد من قدرة الطرق على تحمل الأوزان والممرات والشدادات المعدنية التي تمت إقامتها لتأهيل المبنى والمركب للنقل في مسار يبلغ طوله نحو 7.5 كيلو متر.
.
وقبل عملية النقل قام فريق العمل من أثري ومرممي المتحف المصرى الكبير وزملائهم من المجلس الأعلى للأثار وأساتذة كلية الهندسة بجامعة القاهرة بتوثيق جميع الأعمال التي تمت داخل وخارج المركب من الفك والتغليف والتدعيم والتعقيم، كما تم رصد جميع العلامات الموجودة على أخشاب المركب والتي تم نقشها بواسطة المصري القديم والتي أشار إليها أيضا المرمم أحمد يوسف من قبل، وهى علامات تخص اتجاهات القطع الخشبية وكيفية ربطها ببعضها البعض وكذلك أرقام وترتيب تلك القطع، هذا بالاضافة الى تقييم حالة المركب وجميع أجزائها ككل وإعداد تقرير مفصل لحالتها قبل عملية النقل ، كما تم أيضاً تنظيف المركب تنظيفاً ميكانيكياً وتعقيمها بالكامل خلال جميع مراحل العمل، بالإضافة الى القيام بتقوية الأجزاء الضعيفة بجسم المركب وحقن وتدعيم بعض الشروخ وتغليف بعض القطع التي تم فكها مثل المجاديف، وذلك باستخدام الأساليب العلمية المتبعة فى نقل وتغليف الآثار وتأمينها داخل الصناديق الخشبية التى تم اعدادها مسبقاً خصيصاً لذلك…
.
وبالتوازي مع كل ذلك ، قام فريق متميز من مرممي مركز ترميم المتحف المصري الكبير والمجلس الأعلى للآثار بعمل مسح بأشعة الليزر للمركب لتوثيق أدق تفاصيلها وتغليفها استعداداً للنقل، في نفس الوقت الذي تم فيه تصميم وتصنيع الهيكل المعدني حول المركب، وإقامة شدادات وسقالات معدنية خارج وداخل المبنى لتدعيمه ، كما تم عمل حواضن حول جسم المركب بالكامل وربطها بإحكام داخل الهيكل المعدني وذلك لضمان ثبات المركب داخله لتفادى أية حركة أثناء عملية النقل، هذا بالاضافة إلى تزويد المركب بأجهزة للقياس تم إعدادها لمراقبة البيئية المحيطة بها من درجة الحرارة والرطوبة وقياس الاهتزازات والصدمات أثناء عملية النقل ، لتستقر المركب في النهاية بأمان تام موقعها الجديد في مبني متحف مراكب خوفو بالمتحف المصري الكبير.