إلى أصدقائي الذين يضيقون بالمرآة أكثر مما يضيقون بالزيف،
بقلم :رائد قديح
ليس بيني وبينكم خصومةُ أشخاص، بل اختلافُ مواقف.
أنتم تحبّون صورةً مصقولةً لا تشوبها شقوق، وأنا أؤمن بأن الشقوق وحدها تسمح للضوء أن يدخل.
تختلف أساليبكم، لكن يجمعكم خوفٌ واحد: وهو أن يُرى ما وراء القشرة، وأن يُسمع ما لا يخضع للتصفيق.
تتوهّمون أن الهيبة تُصنع برفع الصوت، وأن الحضور يُنتزع بالاستعراض، وأن المكانة تُثبت بإقصاء المختلف.
لكن الحقيقة أهدأ من ذلك وأعمق: الحضور يُبنى حين يسبق الوعيُ الادّعاء، ويعلو الصدقُ على الرغبة في التفوّق.
من احتاج إلى تحطيم غيره ليشعر بعلوّه، كان علوّه هشًّا؛ ومن ضاق بالرأي الحرّ، كان سجنه داخليًّا قبل أن يكون خارجيًّا.
لا أزاحمكم على ضوءٍ لا يثبت، ولا أطلب منكم اعترافًا.
أنا لا أبحث عن سلطة، بل عن معنى.
فإن حضرتُ، حضرتُ بكلمتي؛ وإن تكلّمتُ، تكلّمتُ بصدقٍ لا يعرف المقايضة.
قد أقلق السكون، وقد أحرّك ماءً راكدًا، لكن القلق أحيانًا نعمة، لأنه يوقظ ما طال نومه.
اعلموا أن المرآة التي تخشونها ليست عدو، بل فرصة.
هي لا تُدين، بل تكشف؛ ولا تُهين، بل تُنقّي.
من واجه نفسه، استغنى عن الادّعاء، ومن تصالح مع ضعفه، لم يحتج إلى تضخيم صورته.
هذه رسالتي: لستُ ظلًّا ينافس ظلالكم، ولا نارًا تطفئ ناركم.
أنا مجرّد حضورٍ يحترم الحقيقة، ويثق بأن الضوء لا يحتاج إلى ضجيجٍ كي يثبت.
فمن أراد أن يبقى في عتمته فله خياره، ومن أراد أن يخطو نحو نفسه، فالباب مفتوح… والمرآة هناك، تنتظر شجاعة النظر.
_ رائد قديح
الصورة في الأقصر رفقة شقيق الروح الشاعر والفنان التشكيلي الفلسطيني Hisham Mahmoud أثناء ضيافتنا في بيت الشعر العربي بالأقصر.