بقلم /الدكتور رمضان الحضري
متابعة /إيمان الحملي
حينما تغيرت الحياة في العالم وسيطرت التكنولوجيا الحديثة على كل المسارات العلمية والثقافية والفنية منذ مطلع خمسينيات القرن الماضي ، كانت معظم الدول العربية لازالت ترزح تحت أقدام الاحتلال الغربي ؛ مما جعل فرصتها في المشاركة تكاد تكون منعدمة في هذا التطور الكبير ، وحينما خرج المحتلون من بلاد العرب تركوا لهم ذيولا أكثر حفاظا على تخلف حياة المجتمع العربي من المحتل نفسه ، وأعطوهم نفقا يسيرون فيه ومنابر
يتحدثون عليها وأمدوهم بما يجعلهم قادرين على نشر الفكر الاستعماري حتى اللحظة التي أكتب فيها هذه المقالة .
وبالتالي لم يكن حظ عامة العرب في التكنولوجيا سوى الاستهلاك والاستخدام الشبقي للمخترعات ، بينما علماء العرب ظلوا محاصرين في دول الغرب والشرق واكتفوا بتحصيل الأموال وحياة الغربة ، ولا شك أن في كل قاعدة أناسا لا يتقبلون هذه القاعدة ، حتى لايظن أحد أنني أعنيه .

والطريق المسدود ( 1 )
ولم يتبق في الوطن العربي من المثقفين سوى قلة من قلة أمثال العقاد وطه حسين وعلي عبدالرازق ومن على شاكلتهم .
ولم يكن في مقدور هذه القلة أن تغير الفكر المجتمعي كاملا حيث العقبات كثيرة ، وبين التهم السياسية الملكية والنظرة الاستعمارية لهؤلاء ضاعت أفكارهم وآراؤهم ، واستمر حزب الاحتلال ينشر أفكاره في الأدب العربي ، فخرج الشعر من عباءة العمودية المثالية إلى عباءة غربية مائة في المائة تحت مسمى شعر التفعيلة أو الشعر الجديد أو الشعر المرسل أو المدرسة
الواقعية ، ولم يكن الخروج عن أوتار العود العربي ، لكن القضية برمتها كان خروجا من الفكر العربي لنشر الفكر الغربي ، فلم يجد عامة العرب لهذا الشعر من جدوى ، فانصرفوا عن الشعر ، وأصبح الشاعر يقول شعره لشعراء مثله ، فحدثت الفجوة الكبيرة بين الشعر والجمهور ، فلم يعد الجمهور يرى للشعر فائدة ولا دورا ، ولايزال الشعراء في عصرنا الحالي يقيمون المؤتمرات والندوات والأمسيات ليسمع بعضهم بعضا ، ويمدح بعضهم بعضا ، ويقدح بعضهم بعضا ، ويتناسون أنهم يكتبون لأنفسهم ولاجدوى مما يكتبون ، وأن كل ما يفعلونه هو نوع من استهلاك للأحبار والأوراق واستنزاف لوقتهم ووقت أصدقائهم الشعراء مثلهم ، حيث لم يعرفوا للشعر ماهية ولا وظيفة .
ولولا الحرج لذكرت قصائد كثيرة كلها متشابهة لكثير من الناس الذين يظنون أنفسهم شعراء ، والحق أنني لم أمسك بأحدهم متلبسا يكتب الشعر ، بل هناك من يأتي بديوان المتنبي أو أبي تمام ويعيد صياغة القصائد مرة أخرى ، ناهيك عمن يسرق في ضحى الشعر من شعر نزار أو عبدالعزيز جويدة أو شوقي ويقرءون لزملائهم وأصدقائهم ، وجلهم لايعلمون ، ومن علم سكت فإن له في هذا المضمار خيولا ترمح .
وربما يظن البعض أن عملية تخريب الشعر العربي منذ مايزيد عن سبعة عقود قد جاءت صدفة ، ولأن الظروف قد أخضعت فن العربية الأول للتسيب والاهمال ، والحق أن الشعر جزء لا يتجزأ من الهوية العربية ، ونفور العامة من الشعر العربي الحديث يعني سقوط أحد عناصر التنمية البشرية التي تتبع الذائقة وتجعل التوازن النفسي للأمة أمرا صعبا ، ونتيجة الاختلال النفسي تتضح في خفوت صوت الشعر وظهور صوت الشللية ، ومدح وقدح فيما هو غير موجود أساسا ، فالنقاد يمدحون الشاعر ( س ) لوجاهته وكرمه ، ولذا يجيء النقد مُركِّزا على النقد الاجتماعي لشخصية الشاعر ، وليس لنصه ، والنقاد يقدحون ( ص ) لأنه خرج من السرب ولم يعد أليفا ، وهذا يعني أن القدح والمدح قد جاء توصيفا للعلاقة الاجتماعية بين الشاعر والناقد ، وليست

والطريق المسدود ( 1 )
علاقة النص بالنقد ، مما جعل الجميع أو جله يدور في نفس الفلك ويتزاحمون في غير طحن ، ويتنابزون في غير موقعة .
ودخل الشعر العربي في نفق مظلم وطريق مسدود ، فالفكر عند الجميع متفق عليه ، والطرح عند الجميع يتفاوت في صحة النحو والإملاء ، وتجنب الشعراء موضوعات الشعر جميعها تقريبا وخاضوا في موضوعات شخصية لاتهم أحدا .
وهنا تظهر الأزمة الكبرى : وهي فصل حاضر الأمة عن ماضيها وخضوع الحاضر لأعدائها ، وإضعاف الهوية الثقافية للأمة ، لتصبح الأمة العربية مشغولة بكلمات وليست قضايا ، ومشغولة بنفسها فلا تتبين عدوها من صديقها ، وتنتهي الهوية العربية لتصير هوية مذبذبة تتبع كل ناعق في خراب ، وتسير خلف كل داع كذاب ، وهنا تكون الطامة في السيطرة على العقل الحر والفؤاد الصحيح فتنتشر السفسفاه بدلا من المبادئ ، وتنتشر الأغاني الهابطة بدلا من الأغاني التي تحث على الفضيلة وروعة المحبة .
ولايعلم سوى الله وحده لماذا تأتي أمام عيني وأنا أكتب هذه المقالة صورة الشاعر الكبير / خليل حاوي وهو يهذي في جنون ويشتم الشعر والشعراء حتى لقى حتفه على جنونه ، فيبدو لي أن المسائل فوق تحملي ، والقضايا أكبر من وجودي ، وعمر الأمراض التي أريد أن أعالجها أطول من عمري .

والطريق المسدود ( 1 )
يؤسفني جدا أن أعلن على رؤوس الأشهاد : أن صنّاع النجاح في دول الغرب هم صناع الفشل في بلادنا العربية ، فحينما نقلوا لنا الرمزية والحداثة في شعرنا العربي وأوهمونا بأن النص يستقبله مليون مستقبل ، وكل مستقبل له الحرية في تفسير النص بما يراه أفقدوا شعرنا العربي عذريته التي يتباهى بها بين كل فنون العالم القولية ، وحينما نزعوا منه توجهه الفكري الواضح وتعليمه التربوي الخالص ، وأخبرونا بأن النص الشعري حالة يفسرها
كل من يشاء حسب هواه ، وينصت لها كل مستمع كما ينصت لمقطوعة موسيقية ، ويتفهمها كل قارئ كما يتفهم لوحة تجريدية وقالوا لنا تلك هي الحدائة ، لم يتفهم ولن يتفهم النقاد أنهم غرسوا بذور التيبس في النص الشعري العربي ، فدخل الشعر العربي حتى دائرة مغلقة تماما ، ومنتهى العسر أن يخرج منها

والطريق المسدود ( 1 )