الكورونا تخرق المجتمعات وترمي بالإنسان إلى المجهول

…(ج2)
تونس/
الكاتب محمّد عمامي(باريس)
متابعة ايمان المليتي

3- الدولة الليبرالية والتمرن على العودة الى القمع المفتوح: لم تعد طرق القمع المقنّع وأجهزة الضبط قادرة على مداراة سوءة الدولة الرأسمالية الليبرالية. ومع هجمة الكوفيد 19 السريعة تقاطرت إجراءات الحظر والحجر واتسمت سياسات الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية بالارتباك والهلع. كما استنفرت تلك السياسة المرتبكة والمتأرجحة بين إرضاء اللوبيات الخاصة وشركائهم في السلطة وبين فرض نفوذها وسلطتها في وضع استثنائي، معارضة كبيرة وعدم امتثال للمراسيم والأحكام سواء من قبل أقسام من شعوبها أو من مجامع علمية (على غرار المواجهة المفتوحة بين مجموعة الأطباء والخبراء المؤيدين لديدياي راوولت في فرنسا وخبراء الحكومة)، أو من جمعيات ومنظمات غير حكومية ومؤسسات خاصة. فهي، على خلاف الدول الاشتراكية الدولانية، لا تملك تقاليد وهياكل ووسائل الضبط المعقدة والمولدة للامتثالية بصورة آلية فضلا عن وسائل القهر والقمع المفتوح والحاسم. ولئن حاولت الدول الليبرالية في مرحلة متأخرة التغطية على عجزها على مواجهة الوباء بالردع والحظر المفروضين على المواطنين للحد من انتشار العدوى، فإنها لم تستطع تأمين حسن تطبيق تلك الأحكام. ولم يمنع اللجوء إلى الخطايا تحدي الكثير لتلك الأحكام وحركات الاحتجاج والعصيان الجماعي في بعض الأحيان.
4 -المجتمع المدني شريك الدولة الليبرالية في الإشراف والتسيير: لئن حافظت الدولة البيروقراطية الشمولية، دولة الرأسمال الجماعي على انفرادها بالتسيير والتخطيط وتنظيم المجتمع، فإنّ الدولة الديمقراطية الليبرالية قد ضعفت كثيرا منذ تسارع العولمة الرأسمالية. وهي تشهد تمددا وميوعة في حدودها وتفككا في بعض هياكلها (كالتعليم والتكوين والصحة والثقافة والإعلام) وذلك بفعل الخوصصة وانكفاء دورها الاقتصادي والاجتماعي واكتفائها بالضبط والردع والقمع. وكما فرطت في مهام التسيير الاقتصادي للرأسماليين الخواص فإنها وكلت مؤسسات ما يسمى بالمجتمع المدني على تنظيم التضامن الاجتماعي والتعويض على دور الدولة في معالجة الفقر والخصاصة والتهميش والتفاوتات الجهوية وهندسة المدن والبيئة إلخ. ولقد أصبحت تعتمد على طيف واسع من المنظمات غير الحكومية والجمعيات والمؤسسات الغامضة في بعض الأحيان والتي تشبكها علاقات متنوعة مع الدولة من جهة ولكن أيضا مع الشركات الكبرى وشبكات المجتمع المدني العالمي ودول عظمى غير دولها. وإذ تختص الجمعيات الصغرى المحلية في تعويض الدولة في أحزمة الفقر المحلية المحدودة في المكان (حي، قرية، مؤسسة إنتاجية..) وتعتمد أساسا على التطوع والعمل الخيري لقلة مواردها، فإن مجموعة من المنظمات والمؤسسات ذات العلاقات الواسعة والمتشعبة مع السلطة من جهة ومع قوى خارجية دولية وخاصة، وتتلقى تمويلات هامة من شركائها الخواص أو الدول والتكتلات الدولية العظمى تشارك بأكثر فاعلية في تمرير سياسات القوى الممولة وتتفاعل معها ضغطا وتعاونا من أجل المحافظة على التوازنات والاستقرار ونزع فتيل الانفجارات. وهي إذن شريك فعلي في السلطة لها رأي مسموع ويمكن أن تكون لها أذرع في سلطة الدولة بشكل مباشر أو غير مباشر. ولقد سمح لنا وباء الكوفيد 19 أن نرى بشكل واضح دور تلك المنظمات ووزنها في تنظيم الحياة الاجتماعية وفي صياغة السياسات وتنفيذ الإجراءات المقررة.
5 -ماذا بعد الكورونا: في ظل غياب بديل يقطع مع المنظومة الرأسمالية ستكون المتغيرات بمثابة خطوة حاسمة لمسار إعادة تشكيل نفس المنظومة وتدشين طور جديد من تطورها على نطاق عالمي. وستنهار دول تحت وطأة الديون والتبعية وستلحق بمحاور إقليمية أو دولية تفقد معها سيادتها بوصفها دولة قومية وستتحوّل إلى مجرد فضاءات للاستثمار والتجارة والسمسرة وأوكارا للتهريب والتبييض لكبرى الشركات والمؤسسات العالمية.
وأمام عجز الخدمات العمومية على مواكبة المنافسة وغطرسة التكنولوجيات الحديثة ستجد الدول القوية التي حافظت على قدر كاف من قدرتها على ممارسة سيادتها نفسها مضطرة لممارسة دورها التعديلي وربما الردعي تجاه غطرسة رجال الأعمال، والمال أو القبول بمزيد انهيار سيادتها على التعليم والصحة والنقل العمومي وخدمات الاتصالات… ويمكن للدول الليبرالية القوية أن تعيد صياغة علاقتها بالعالم الاقتصادي والاجتماعي بطريقة تقترب من الكينزية لإنقاذ سيادتها على مجالها القومي ومواكبة نظام العمل والتكوين والتعليم عن بعد على أوسع نطاق، مجاراة للخواص الذين تقدموا كثيرا في تلك المجالات. ولكن على كل حال ستكون المجانية في عداد الماضي حتى في القطاع العمومي؛ إذ ستضطر الدول يوما بعد يوم إلى الرفع في معاليم الخدمات حتى تواكب ارتفاع التكاليف الذي تفرضه المنافسة مع الإمبراطوريات الرأسمالية هائلة الثراء.
أتمتة على نطاق واسع وبطالة على نطاق واسع ستدفع قوى الضغط التقليدية (نقابات ومجتمع مدني) إلى النزول إلى الشارع واحتلال الفضاءات العامة دفاعا عن “حق الشغل” في حركة مضادة للتاريخ وللتحولات الجارية في المجتمعات الإنسانية وما تحدثه الثورة التكنولوجية الراهنة من تطور طرق الإنتاج والتوزيع والتواصل، وبالتالي في إرساء تشكل طبقي جديد تبرز فيه فئات بيروقراطية وتكنوقراطية وعمالة مستقلة على حساب الطبقة العاملة الكلاسيكية وفئات الحرفيين التقليديين. كل ذلك سيؤثر في الصراعات الاجتماعية وسيحدّد مسارات الاحتجاج والفئات الناشطة ومطالبها. فمثلا نستطيع أن نتوقع تراجع المطالب المتركّزة حول الحق في العمل والحد من البطالة ومطالب الأجور والعطل والامتيازات القطاعية… التي كانت تحرّك النضالات الاجتماعية، بما فيها النقابية، طوال 3 قرون. وستبرز مطالب أكثر عموما وشمولية وتنوعا، من قبيل دخل قار مضمون للجميع (واعتبار العمل عامل ترقّ ومدخول إضافي عوضا عن كونه الضامن الأساسي للعيش كما هو اليوم). وستحتل مطالب الضمان الاجتماعي ومجانية الخدمات وفتح الحدود أمام تنقل البشر ومطالب البيئة والتنمية المستدامة والجندرية وحقوق المهاجرين والأقليات الخ موقع الصدارة في الموجات القادمة للاحتجاجات الشعبية المقاومة للتفقير المعمم والبطالة المكثفة والحيف الإجتماعي.
ستتحرر وتتوسع وتتعمم شبكة التعاملات الالكترونية وما يتبع ذلك من تضييق أو حتى الغاء التعاملات بالصكوك والنقد ودخول العملات الإلكترونية وكذلك العملات الافتراضية أـسواق التداول والتبادل على نطاق واسع وستدخل حيز الاستعمال على جميع المستويات الضيقة والواسعة وهو ما سيدعم طرقا جديدة في الرقابة وفي طرق الإفلات منها أيضا.
على مستوى إعادة تشكيل الفضاءات الإنتاجية وهياكلها والفئات الناشطة بها، يمكن أن نتوقع تفكيك مجمّعات عمل كبيرة وتعويض العمال بالآلة والتخلص من ملايين الشغالين وما يتبع ذك من ضمور النقابات وبروز أشكال نضالية تضامنية وتنظيمية مواطنية جديدة في البلدان الرأسمالية الكلاسيكية عوضا عن الحركات العمالية. كل ذلك سيحدث في مرحلة أولى فوضى اجتماعية قبل السيطرة على الوضع وتأطيره، خاصة في البلدان الفاقدة لآليات التحكم والضبط “الناعمة” التي يمكن ان تطول بها فترة التشويش وانخرام التوازنات .إنّ دخول سلطات جديدة ذات اعتبار علمي، أكاديمي، وقائي صحي على الخط طوال الحجر عوّض تآكل هيبة السياسيين وساهم في انتشار واستبطان الرقابة الذاتية المواطنية وشرّع الردع والحبس المعمم. وهو ما يحضّر لتقبل مستقبلي لتعليمات الخبراء والعلماء المرشحين للعب دور سياسي متزايد. وستتمحور رهانات المقاومات الاجتماعية المتنوعة، وعلى رأسها مجرات المجتمع المدني العالمي، حول محاولة الفرز بين الردع الرحيم والتضييق الإنسانوي باسم السلامة وبين استثمار الرأسماليين لهذه الأوضاع وتعزيز تكالبهم على الثروات والمقدرات العمومية وسيكون همهم الأوّل تخفيف تبعات ذلك الهجوم ومعارضته بالمطالبة بفرض دخل عام أدنى قار للجميع وتعزيز نظم التغطية الاجتماعية وإعادة الاعتبار للخدمات الاجتماعية الأساسية وعلى رأسها الصحة والتعليم، تعويضا عن الفقر المعمم والبطالة الصاعدة كما أسلفنا.
أخيرا وبالتخصيص على مجتمعاتنا العربية والشبيهة بها، سيكون من الصعب جدا مواكبة هذه التحولات في بلدان تعيش شعوبها بؤسا وتفككا ونهبا مكثفا منذ قرنين ونيف على الأقل. ولئن يبدو أنّ حركات اجتماعية متفرقة ومحلية ومحدودة المطالب في البداية هي الأكثر احتمالا، إلا أنّ تجذرها نحو أفق تحرري يتيح خروج شعوب المنطقة إلى النور غير مؤكد في ظل خطر الحروب الهووية وتناسل الحركات الشعبوية الرجعية التي تبدو منذ الآن في وضع متقدم عن الحركات التضامنية التحررية. وهو ذات الوضع الذي سيدفع جزءا من المجتمع المدني على توسّل الدولة مزيدا من القوة والحزم تجاه الحركات الراديكالية عموما، والحركات الاحتجاجية خصوصا، باسم الحفاظ على الوحدة الوطنية ومواجهة الأزمة وضمان الأمن مما سيلبي ميلا متأصلا في السلطة إلى مركزة النفوذ والحلول الأمنية ويعطيها مشروعية القمع والقهر الاعتباطيين.
الكاتب محمّد عمامي(باريس)

Related posts