الكاتب. محمد صالح مجيٌد
تونس/
توطئة
قال ابن عبدون التجيبي الأندلسي في مراقبة المحتسب
للطحانين والخبازين: “…ولا يعجن أحدهم إلا وهو ملثٌم لئلا يتطاير من فمه شيء إذا عطس أو تكلم،وأن يشد على جبينه عصابة بيضاء كي لا يعرق فيقطر منه شيئ فوق العجين…
ابن عبدون التجييي الأندلسي (القرن السادس الهجري) “رسالة في الحسبة”، نشرها المستشرق ليفي بروفنسال، المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية.القاهرة 1955.
في ايام “كوفيد التاسع عشر ” هذه اتزيٌى باللٌثام بعيدا عن فلاة المتنبٌي و هجيرها، مكرها احمله وَهَنًا وأضعه وَهَنًا على وَهَنٍ ، بعد أن تحولت أخبار انتشار الفيروس وعدد ضحاياه في العالم إلى “بارومتر” تتسارع فيه دقات القلب وتتباطأ . في الحقيقة الحقيقيٌة المحقٌقة :
ما كنت احسبني احيا إلى زمن
يسيء بي فيه “فيْرُسْ “وهو مجهول.
لقد علمني “كوفيد التاسع عشر” أن أنحشر في الفراش اكثر من المعتاد انا الذي كانت تكفيني ست ساعات لأغادره غير آسف .واجبرني بتطاوله وادعائه وقدرته على التمدٌد ،على أن أطيل البقاء مستلقيا حتى وإن اخذتُ من النوم نصيبي..طاحونة الروتين اليومي تؤخر مغادرتي الفراش ..فالوقت طويل والأعمال على تنوعها قليلة ومملٌة لأنٌها تدور في مكان ضيٌق بدا لي خانقا للأنفاس .. أستيقظ صباحا لأرتب وقتي بعد ان كنت ارتب اشيائي على عجل خشية التأخير.. ..لم يدر بخلدي ان اخلف موعدي مع مجلسي الصباحي في المقهى وان يحرمني “كوفيد التاسع عشر” من نديميْن شيخيْن أخذ الزمن اسنانهما وافقدهما توازنهما لكنه ابقى لهما لسانيْن شيطانيْن مهذارين علامةحياة.. اللغة عندهما استعارات لا تنتهي لا يلتقطها إلا من كابد في مخالطتهما .. .افتقد بغيابهما نكتة الصباح المحلاة بقطرات ماء الزهر وكثير من الضحك الذي يجدٌد طاقتي ..صباحي نكت مسروقة من زمن عفن ،ومن حولي جمع من البحارة يمسكون كلٌ يوم بتلابيب ضحية جديدة قضى حظها العاثر بأن يتآمر الجمع عليها …و الويل لمن رمته الأقدار في “معبث” البحارة!!!.. لقد سرق “كوفيد التاسع عشر” مني مقهاي وقهوتي انا الذي احرق عمره قهوة وجريدة…وحرمني من موعد يومي مع شيخيْن آبقيْن و جمع من البحارة ..ادرك الآن وأقرٌ واعترف اني “قهوة” تاهت في مجاهل الوقت..حتٌى فقدت نكهتها ….. يحسب الناس العمر بعدد السنين وانا احسبه وفق مزاجي بعدد فناجين القهوة ..يكفيني ان يقال بعدي: رحم الله محمد صالح مجيد عاش ما يربو عن خمسين ألف رشفة قهوة وبضعة كؤوس ادٌخرها للذكرى.. عندما ألامس نديٌ الترب وحدي ساطلب قهوة قبل بداية الحساب..القهوة تعدٌل المزاح فوق الأرض و أظنها كذلك تحت الأرض..من يدري لعل “المفتش” سيتكرم عليٌ ببعض “الهيل”عندها اضمن له ان اقول كل شيء دفعة واحدة وساعترف له:”نعم كرهت ان اموت ولكن حصل الذي حصل وها انا في مكاني السرمدي ..اسعفني بقهوة سريعة ممددة ولا عليك..لن اتعبك في الإجابة.”.
ايام “كوفيد التاسع عشر” دربة على التنقل داخل المربعات الصغيرة ،وعلى العيش في فضاء مفتوح لكنه مغلق ..فتتهاوى الحدود بين الداخل والخارج حتى لكأنك خارج في داخل وداخل في خارج .. انتفت الفوارق بين الداخل والخارج وانا ارى الشوارع فارغة تتبختر فيها القطط و بعض السلاحف تستعيد حقها في الجولان المريح بعد ان افسد عليها الإنسان حياتها
تذكرت “باشلار” وحديثه عن فضاء الداخل والخارج وكدت أفتح كتابه من جديد لكن سرعان ما تخلصتُ من لوثة الفكرة إذ ليس اتعس من ان تجعل التعاسة أشد تعاسة بأن تضيف إليها وعي التعاسة..لست ادري لماذا كرهت الكتب أيام الحصار وادرت لها ظهري في الأيام الاولى من غزوة كوفيد التاسع عشر ؟؟ فهل هو الخوف من ان تكون جالبة للفيروسات؟؟
لكن سرعان ما عدت إلى مجموعة من الروايات التهمهاالتهاما وانا العن أصحابها رغم أن اغلبهم أصدقائي او من معارفي.. لقد اكتشفت ان الرواية يمكن ان تكون خير مضاد حيوي لمخلفات “كوفيد التاسع عشر” السيء الذكر …لعنت الاصدقاء الكتٌاب لأن الناس يبحثون عن دواء بعيد ستجود به الولايات المتحدة او الصين علينا بعد أشهر في حين ان الدواء قريب وفي متناول كل طالب.هذه الروايات تحمل في طياتها دواء يؤكد ان الناجي من شر “كوفيد التاسع عشر” سيموت بحول الله في صحٌة جيٌدة فلم التجهٌم والتبرٌم !!؟؟؟..حقيقة بسيطة اراد المجرمون أشقاء “كوفيد التاسع عشر” ان يمنعوها عنا …
على اني رغم النكد ومشتقاته من قلق ونرفزة وبعض عراك الأبناء الذي اكتشفته، تجرٌات على المطبخ من باب تنويع النشاط .. فاقتحمته شاهرا سيف ” ذاكرةايام النضال الطلابي ” التي كان فيها المطبوخ ينطلق في البداية مرقا بلا مذاق لينتهي “مقرونة” لا تعدٌها أشهر طبٌاخة….ولا يدري قِدْرٌ باي ابتلاء يصاب على يديٌ.. فقط ضحك ابنائي نبهني إلى أني ارتكب جرائم غذائية يعاقب عليها القانون ويثير استغراب الزوجة من كائن يحمٌل نفسه فوق طاقته
مازال صوت المكلف بمحاصرة “كوفيد التاسع عشر” الذي سمٌي جنرالا،يتناهى إلى مسامعي باكيا ومهدٌدا كلٌ يوم وفي أكثر من مكان. ومازلت رهين المحبسين بلزوم بيتي وكون النفس في الجسم الخبيث لكن السؤال الذي لم اجد له جوابا…لماذا رُمينا مباشرة بكوفيد التاسع عشر” دون ان نسمع عن غزوات “كوفيد الاول” وشطحات “كوفيد الثاني”.؟؟ أليس من حقنا ان نعرف إن كانت كل هذه السلالة دموية حتى لم يظهر فيها “كوفيد” واحد أليف يحب الإنسان ويرفض القتل والترويع!!؟؟؟
محمد صالح مجيٌد