موسيقا الحرف في الشعر

موسيقا الحرف في الشعر

بقلم د / رمضان الحضري .

**********
أتتـنى تـؤنبنى بالبـكاءِ
فـأهـلاً بهـا وبتـأنيـبِها
تقولُ وفى قولِها حرقةٌ
أتبـكى بعـينٍ ترانى بها؟
لهذين البيتين قصة طريفة حيث تزوج رجل بفتاة أحبها حبا
شديدا ، وحدثت جفوة بينهما فتزوج غيرها وطلقها ، فلما
رآها نزلت الدموع من عينيه ، فلما سألته : لماذا تبكي
وقد طلقتني ، فقال لها : أعاقب عيوني بنزول الدموع
لتحرقها لأنها استحسنت غيرك ، ربما عادا حبيبين ،
وربما لم تنفع المحاولة .
يبدو أن هذا الموضوع ورطة كبيرة فهو يحتاج لكتاب كامل لسرد آراء المستشرقين فقط في جماليات موسيقا اللغة العربية ، لكنني سوف أكتفي بالاشارة فقط إلى من هو مثل ياروسلاف ستيتكيفتش الذي أسس مدرسة شيكاغو النقدية حيث يقول : إن من يقرأ الشعر الجاهلي ، واللغة العربية يتوقع أن يكون كل عربي شاعراً .
وكلمة ( شاعر ) حسبما جاءت في كلام ياروسلاف تعني أنه صاحب لغة موسيقية ، تعتمد الموسيقى كأساس جمالي في تكوينها اللفظي الصوتي المنطوق ، ولذا فإن علماء اللغة يعترفون أن الحرف العربي له مساحة صوتية أكبر من كل الحروف في جميع اللغات ، حيث إن الحروف العربية تشغل المساحة بين أقصى الحلق من الداخل التجويفي وبين أطراف الشفتين ، فحرف الحاء أبعد الحروف في الحلق ، وحرف الباء أقرب الحروف في الشفتين ، ولذا فكلمة حب المكونة من حرفين بينهما جميع الحروف تاخذ اكثر من خمس عشرة معنى ، وكل معنى يختلف مع الآخر في الحالة ويتفق معها في وجود الحب ..
فالحب والهيام والعشق والغرام والوجد والشوق والتوق والرغبة والوداد ، ولست أدري كيف لم يتوقف الفقهاء المستنبطين أمام هذه الآيات بالتحديد في القرآن المجيد ، حيث يقول الله جل في علاه : _
( وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (191) وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ (195) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (196) أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (197) وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَىٰ بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199) ( سورة الشعراء ) .
نعم وبالتحديد في سورة الشعراء ، فالحروف تحمل في طياتها الصوتية العزة والرحمة ، وسوف يستبين هذا بالأمثلة في وقتها ، ولذا فالآيات المختارة تبدأ بقوله جل وعلا ، ( وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) ، وهذا تفكير منطقي يبهرني إلى حد كبير ، ثم تأتي الآيات
التالية ( وإنه لتنزيل رب العالمين ، نزل به الروح الأمين ، على قلبك لتكون من المنذرين ) ثم الآية التي أقصد إليها ( بلسان عربي مبين ) ، فاللسان العربي في أعلى صوره يكون مبينا حينما يقرأ القرآن الكريم .
والإبانة تعني الوضوح والسفور والتحديد والعلم والإدارك والدقة ، ولذا نقدم العذر لم لايمكنه أن يفرق بين الذال والزاي ( ذ _ ز ) وبين السين والثاء ( س _ ث ) ، ولاتوضح لغة من لغات العالم الفرق بين الغبي والذكي قدر ماتفعل لغتنا العربية ، فمن خلالها تعرف العالم من ( العالمة / الراقصة ) ، وكما يقول عبدالرحمن الشرقاوي رحمه الله وهو مصيب للغاية ( الكلمة توضح الفرق بين نبي وبين بغي ) .
وهذا ماجعل المعاندين للرسول يؤمنون بالقرآن ولايؤمنون بمن نزل عليه القرآن ( وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ، أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ) سورة الزخرف ، الآيتان 31 ، 32
ولذا حينما حاكي القاريء للقرآن الكلمات والحروف بصوته مدركا دلالتها ومعانيها تصل الكلمات للقلب مستقرة ومطمئنة ومبلغة الرسالة ، وهكذا كان يفعل مولانا الشيخ مصطفى إسماعيل والمنشاوي والحصري وعبدالباسط والشعشاعي وشعيشع
وغلوش والليثي وغيرهم
وهذا ماكان يعنيه الجاحظ رحمه الله بقوله ( تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني ) ، أي أن الألفاظ تتجاور لتنتج معنى طريفا ودلالة جديدة ومفيدة ، فحينما نستمع لقوله جل في علاه ( يوم ترجف الراجفة ، تتبعها الرادفة ، قلوب يومئذ واجفة ) سورة النازعات .
الألف الممدودة مع الجيم والدال وبعدهما الفاء ، بوقف لنهاية الآية تزلزل كيان الإنسان الذي يستمع لها صوتيا بصوت القاريء مصطفى إسماعيل ، فأثر موسيقى التخويف والترهيب والتنبيه بهذه الحروف بالغ في النفس للغاية ، فهنا نستنج أن الظاهرة الصوتية في القرآن الكريم شديدة الأثر في النفس ، وليتنا نستمع لقوله تعالى ( والسماء ذات البروج ، واليوم الموعود ، وشاهد ومشهود ، قتل أصحاب الأخدود ، النار ذات الوقود ، إذ هم عليها قعود ) ، فصوت الواو المكررة هنا والسابقة لحرف الدال الذي ختمت بها الآيات تحدث ترهيبا وتخويفا منقطع النظير ، فالواو هنا قوية وفخمة وأثرها الصوتي قوي للغاية .
بينما حينما يتحدث القرآن عن العطف والعطاء الرباني نستمع إلى تكرار الحروف اللينة الجميلة ( والضحى ، والليل إذا سجى ، ما ودعك ربك وما قلى ، وللآخرة خير لك من الأولى ، ولسوف يعطيك ربك فترضى )
( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير ) ، فظاهرة موسيقى اللفظ في النص القرآني المقدس ظاهرة تستحق الدرس والبحث الطويل للغاية ، فهناك أثر صوتي في كل آية من آيات الذكر الحكيم ، هذا الأثر الصوتي نوع من الإعجاز الصوتي والموسيقي في القرآن الكريم ، وكلمة الموسيقا هنا أعني بها حسن التنظيمات الصوتية للحروف الملفوظة والمنطوقة .
لازال البحث طويلا طويلا ، فهناك نص مختار من شعر الشاعر العبقري / عبدالعزيز جويدة ، حيث يقول في قصيدته ( الغيبة المتعمدة )

لو رَنَّ هاتِفُنا
أشمُّ الصوتَ مِن بُعدٍ
أتحسَّسُ الأسلاكَ
أشعرُ أنَّهُ حُلمٌ يُداعبُ
فالمشاعرُ مُجهَدةْ
ماذا يُضيرُكِ لو تَحدَّثنا
لخَمسِ دقائقٍ
لدقيقتينِ
لِواحدةْ ؟ !
يا جاحِدةْ
كوني على نَفسي ونفسِكِ
شاهِدةْ
أنا في انتظارِكِ
رغمَ أنِّي مُدرِكٌ
أنَّ التناسي ليسَ سهوًا
إنَّما أنتِ التي نَسِيتْ إذنْ
متَعمِّدةْ .
***********
وحينما ننظر في النص نرى أن الشاعر قد اتكئ على حرف الدال كمؤثر صوتي ، فالنص الذي يتكون من تسع وأربعين كلمة ، يأتي حرف الدالة في عشرة كلمات ، وهذا يعني أنهاستخدم حرف الدال بنسبة 5 : 1 مع الحروف الأخرى ، وحينما نعرف أن حرف الدال له نفس مخرج حرف الطاء وحرف التاء سوف ندرك كم الإجهاد الذي عاناه الشاعرة وهو يكتب هذه القصيدة ، على حرف الدال والتاء المربوطة التي تنطق وصلا تاء ووقوفا هاء .
حيث إن مخرج الدال والطاء والتاء من طرف اللسان العريض تحت اللثة ، ولكن لكل حرف منهم منطقة معينة في منتهى الدقة ، حيث يستغرق حرف الدال معظم منطقة طرف اللسان بسكون اللسان أسفل اللثة ، وبعده حرف التاء المربوطة التي تخرج الهواء عند الوقوف عليها وتفتح الشفتين ، أو تحرك الشفتين في جهة العلامة الإعرابية ضما وفتحا وكسرا .
فحرف الدال حرف شديد مجهور منفتح ، ورغم ذلك فهو مرقق لايستعلي مثل حرف الطاء .
( مجهدة _ واحدة _ جاحدة _ شاهدة _ متعمدة ، بالإضافة إلى : بعد _ يداعب _ تحدثنا _ دقائق _ دقيقتين ) .
ربما يظن البعض أن حدوث موسيقى من الحرف يكون كافيا لإحداث تأثيرات في النفس والقلب والروح والوجدان ، والحق غير ذلك ، فإن لم تكن المفردات في حسن اختيارها كما فعل عبد العزيز جويدة ذات تأثير معنوي ودلالي على المتلقي ، فإن موسيقى الحروف تتحول إلى طنطة مبهمة أو أصوات مجوفة ، وهذا ما يدفعنا للحديث عن علاقة موسيقى الحروف بالمعنى والدلالة .
وهذا حديثي في اللقاء القادم إذا شاء الله جل في علاه .

لا يتوفر وصف للصورة.
ربما تحتوي الصورة على: ‏شخص واحد‏
ربما تحتوي الصورة على: ‏شخص واحد‏

Related posts