قراءة في كتابات دكتور محمد سيد سليم العدوي الصوفية بين الأمس واليوم


أسيوط متابعة سيد عبد الحفيظ خضر.
كتب الدكتور سيد سليم العدوي تحت عنوان الصوفية بين الأمس واليوم
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وبعد :أود الحديث عن الصوفية بين الأمس واليوم فأقول وبالله التوفيق :التصوف هو مشفى ودواء القلوب السقيمة المريضة التي ابتعدت وحادت عن صراط الله المستقيم؛ لذا اعتبره ساداتنا الصوفية علما يبحث في أهم أركان الدين الإسلامي ألا وهو الإحسان الذي عرفه النبي _ صلى الله عليه وسلم _ بأنه :(أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، ومعلوم أن هذا المقام محله الروح والقلب النفس فيحتاج الي أهل الخبرة بهذا الفن وإلي مختصين به، وهوالجانب الأخلاقي المهم والأساسي في ديننا الإسلامي الذي افتقدته الأمة في عالم اليوم ، كما غيبته الحركات والجماعات الإسلامية المعاصرة من برامجها التربوية والتعليمية ، وهو حال وسلوك تلقائي للصحابة الكرام بحكم اتصالهم برسول الله _ صلى الله عليه وسلم _، فالتصوف يرجع في أصله إلى عهد رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ وعهد الصحابة ، ويستمد أصوله وفروعه من تعاليم الدين الإسلامي المستمدة من القرآن والسنة؛ لذا قال الإمام الجنيد :(من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لا يقتدي به لأن علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة )، وقال:(الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفي أثر الرسول )، ويقول العلامة ابن خلدون في مقدمته عن التصوف :(وهذا العلم _ يعني التصوف _ من العلوم الشرعية الحادثة في الملة ، وأصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، وأصلها العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله )
ولم يتسم أحد من الصحابة به إذ لا أفضلية فوق صحبة رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ فقيل لهم الصحابة ، ثم اختلف الناس وتباينت المراتب فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية بأمر الدين (الزهاد )و (العباد )، ثم اشتهر اسم التصوف لخواص أهل السنة والجماعة المراعون أنفسهم مع الله الحافظون قلوبهم عن الغفلة في القرن الثاني الهجري ، يقول ابن خلدون:(فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده ، وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية )
ولقد ركز أوائل الصوفية على تعليم القرآن الكريم والحديث ، والدليل على ذلك أن ابن تيمية رغم هجومه الضاري الذي شنه على الصوفية في عصره لا يرى بأسا في بعض أفكار الصوفية ، وامتدح أشخاصا مثل :الجيلاني وأحمد الرفاعي، وينسب المؤرخون لهذه المدارس الصوفية دورا كبيرا في تأسيس الجيش المؤمن الذي ساند صلاح الدين الأيوبي في حربه.
أما عن كثرة الطرق الصوفية المنتشرة الآن فهذا ليس دليلا على التفرق والاختلاف إنما هي اسم لمنهج أحد العارفين في التزكية والتربية والأذكار والأوراد أخذ بها نفسه حتى وصل إلى معرفة الله ، فينسب هذا المنهج إليه ويعرف باسمه فيقال :الطريقة الشاذلية والقادرية والبيومية والرفاعية نسبة لرجالاتها الذين تختلف طرق تربيتهم لطلابهم ومريديهم باختلاف مشاربهم وأذواقهم الروحية ، وتختلف البيئة التي يظهرون فيها ، وكل طريقة لها سندها المتصل إلى رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _
فإذا أردنا اليوم ترسيخ القيم والمبادئ في نفوس الناس فلابد لأهل الاختصاص في هذا الفن ومشايخ الطرق النهوض من جديد ، والقيام بدورهم الريادي لانقاذ الأمة من مستنقعات الانحلال والمجون والتطرف والغلو والحزبيات الضيقة التي بدأت تنشر خيوطها هنا وهناك ، وفي أغلب بقاع العالم الإسلامي والعربي ، فإذا لم يقم العلماء بواجب التبليغ والتوضيح وتبيين الأمور لأصحاب المدارس التكفيرية المعادية لهذه المدرسة التربوية فإن الفتنة قادمة لا محالة ، ويبقى الهدف الأساسي من التربية الصوفية في عصر المادة الصماء والفكر التكفيري هو بناء شخصية مسلمة مسالمة متوازنة سوية تألف وتؤلف وتوازن بين مطالب الدين والدنيا ، وبين عالم الغيب وعالم الشهادة ، وعلي هذا الأساس اعتبر كبار هذا العلم أن التصوف هو لب الدين وجوهره ولحمته
وختاما أسأل الله _ جل وعلا _ أن يهئ لهذه الأمة من أمرها رشدا وصلي الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

Related posts