دراسة نقدية لشعر الدكتور عبدالوهاب برانية
بقلم / دكتور / احمد مصطفى
3-ومضة من الزمن الجميل
مازال الدكتور عبد الوهاب يقدم للقاريء أماله وألامه وأشجانه بهذه المفرادات المتلهفة على بث الشكوى والوجد، لكنه مع كل اطلالة يهدينا باقة ورد ،ومع كل بسمة فجر يتجدد أمله في الحب والعدل والسلام ، فبات لديه قلم مصلح وأدب مفكر وخلق مثقف وشيم لا تستطيع إحصاءها ومازال شعره فيه من الوضوح والمباشرة والتقريرية وتكرار عبارات الأسى واللهفة مايجعل الناقد يقف على صوره الفنية ومدى الابداع فيها .
وشعره يعكس شخصية نموذجية .فلسفية… ويؤكد أن الأمل والعلم والعلم مثلث لاينفصل في بوح الشاعر، وكأنه قد شد بصدره للسماوات فتتطلع للقمر الذي جعله من وجده يحدثه ؛ليبصر معاني الحب وكأن حلمه الماضي جاء صدى منه ينادي المستقبل وهوغارق بالفكر والذهنية ، ونحن نتساءل فيها : لماذا قرن بين الغياب والانقطاع ؟ وبين الماضي والحاضر؟! أكان ذلك بتأثير الشوق لديه؟ أم أن لديه بعض الإشارات الخاصة لفكرة العودة ، وأن الماضي نفسه له دلالة رمزية هو فقط من يعرفها؟!لكن عنوان الديوان أجاب على هذه التساؤلات، فكان (ومضة من الزمن الجميل) .
إن غلاف الديوان أخذني إلى عالم رحب من ذكريات الطفولة ،حين كنت طالبا في مراحل التعليم المختلفة ، فهذا الشاب الذي يرتدي ثوبا أحمرا بلون الحب، وشعره الأصفر المليء بالحياة والقوة والفتوة ، وهو يشير بسبابته إلى النور الكائن في شمعة تحرق نفسها ؛لتضيء للآخرين ؛يذكرني بنوبات الجد والاجتهاد،وهذا المكتب يذكرني بـــــ(التربيزة الحشبية) التي صنعها أبي وأهداها لي.
لكن الشاعر في اختياره لهذا الغلاف المعبر أراد –كعادته- أن يلخص مضمون ديوانه في عتبة مهمة من عتبات النص وهي الغلاف؛ فالكتاب المفتوح يشير إلى سعة صدر الرجل ورحابة علمه واخلاصه لتخصصه ، وكأنه أراد بكتابيه أن يقول للقاريء :أنت بين زمن مضى طويت صفحاته وبين زمن آت ،فاجعل حياتك كتابا مفتوحا ، ولانتس أصولك فهي نصيبك من الماضي،وكن ذا مبدأ وإن تعثرت حياتك ،فطالب العلم يجلس على مكتبه ،وقد تراكمت الكتب كتراكم السنين ، لكنه مع هذا الصخب والضجيج، وهذا اليأس والقنوط ، يبقى لديه بصيص أمل في النور الساطع الذي ملاْ أركان غرفته عبر شمعة تحرق نفسها ؛لتضيء الحياة للأخرين ، وما النور إلا رمز للزمن الجميل ،زمن الحب والود والوصل ، زمن الأصول ومعرفة الفضل .
والدكتور عبد الوهاب مثله مثل كثير من الشعراء له سماته الخاصة في البوح ، يظهر صداها في لوحاته الفنية المعبرة عن مشاعرنا وكأنها كتب بمدادنا، وإن تقيد فقد انطلق ، وتحرر ورسم صورا تضج بالحياة والحركة ؛ فالشعر رزق من الله وموهبة يهبها من يشاء من عباده ،تحيل الظلماء نورا والحزن سرورا.
اشتمل الديوان على ثلاث وثمانين مقطوعة ، نجح الشاعر من خلالها في الولوج إلى بوابة الصدق وقدم على مائدة المتلقي بعض ما يجلو له الغموض.وكتب بعين الناقد ورؤية الشاعر ونظم من غير اعتبار لأهمية التقديم والتأخير، ومن غير غمط للقيمة الأدبية أو إغفال لأساليب الصياغة المتباينة، فالنصوص تأتي تباعا تحاورك وتحاورها، تستعصي عليك أحيانًا فتراوغها، حتى تتأكد أنها خواطر وخلجات نابضة.
يقول في قصيدته (ومضة من الزمن الجميل):
مازال يرقبـــــــــــــها بكل جـــــــــــــــــــنانه عند المجيء لدى انتظار دروســـها
حتى إذا باتـــــــــــت له في لحظة ألفته عـــــــند مجيئــــــــــــــــــــــــــــــها كلفا بها
فترى حياء لاترى شبــــــــــــــــــــها له إلا حـــــــياء مشبـــــــــــــها لحـــــــــــــــــــــــــــــــيائها
وترى احمرار الوجه في وجناته وكأنما صبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــغته من ألوانها
رؤية شعرية تجسد حالة حب يمر بها كثير من الشباب، فالكتابة ليست كتابة عبثية ؛ أو لمجرد الترف الابداعي الذي قد تمله لحظة استرخاء أو لهو ؛وإنما هي أشعار قدت من الذاكرة ،وكتبت بالشوق ، وتدفعنا نحو البحث الجاد عن ملامح هذا العشق الملتهب. وفكرته المادية والمعنونة تكشف عن وظيفة الشاعر وعلاقته بمكونات الواقع .
وفي مقطوعة (رقة وشفقة):
مررت به مساء في طريقي تفحصت البراءة والثيابا
صغير في ثيــــــــــاب لاتواري غضاضته ولاتخفي العذابا
فقد كان الصغير قرين بؤس يـــــلازمه مجيـــــــئا أو إيــــــــــــــابا
فالأبيات تكشف الرؤية الداخلية للشاعر وتقلب المعادلة، إذ رأى الموقف من منظور الكاشف لخفاياه الدال على الشعور النفسي، وقد تمظهر التشكيل الجمالي الفني للطفل والمكان والبنتين عبر ما اتخذه من دلالات داخل الإطار النفسي العام الذي لم يراع ِ صنوف التشابه العياني في إخراجه لصورة الموقف بل ينطلق من منطلق إبداعي يتكئ على علاقة الشاعر ورؤيته لمحيطه، فأصبح تصرف البنتين نتيجة لذلك خاصية فنية يبدع الشاعر من خلالها عن همومه ومآسيه ومكنوناته.
ولكني رأيت بنتــــــين توقفتا ارتفاقا واحتسابا
وقدمنا له خبرا بلحم تناوله طعاما مستطابا
وفي شعره توصيف لمجمل الحالات الإنسانية التي توصل إليها بعد كبت رغبته في الرد المباشر ، كما جاء في ( صديقي الجوهري- في المرآة- السحر الحلال- وفاء بحق- المقاعد شاغرة- ماض جميل …..وغيرها) فقد تأكد لنا من خلال هذه المقطوعات الشعرية المميزة كعادة شاعرنا المميز أنها محاور فاعلة في كشف أفق رجل طيب وجمال تشكيله وحري أن تُدار حولها رؤى النقد.
وفي مقطوعاته( الباحة -الشهيد العميدساطع النعماني–جمر لايطفئه ماء-وداعا أستاذنا- هنا يرقد الأستاذ-أمي-معلم من الزمن الجميل- شيخ مستنير..) تتباين الرؤى عند استواء الأفكار، فتمنح النفس قوة تتصل بالباطن وترتبط بأناشيد الحياة ،إلا أن الكلام في الحب لايحفظ ولايعاد ولايستعار فهو ابن حالته ولحظته ،فالحب اندماج شخصيات يسقط معهما العالم وأحكامه ومذاهبه ،والمرء لايرى الحب جميلا بقدر مايشعر أن في قلبه أصدقاء قدعرفهم بهذا الحب وأن في حياته رفاق تتوهج معهم مشاعر الحب والطيبة والألفة ..ونظراً لأهمية الصداقة في الحياة الاجتماعية نجد أن أبا حيان التوحيدي يؤلف كتاباً يتحدث فيه عن الصداقة والصديق يجمع فيه كثيراً من الأقوال والأشعار والشواهد التي تمثل المجتمع في نظرته إلى تلك الحالة الاجتماعية السامية ؛فعلى الرغم من بعد الزمان والمكان يذكرها ويبحث فيها عن كل المعاني التي قدينجو بها ويؤكد أن الباقي لنا هو المعنى الذي يربطه بوفائه؛فهو رابط يدوم مع الأيام لاصخب فيه ولانصب….
لقد جاء ديوان الدكتور عبد الوهاب الثالث أشبه بمحاضرات علمية أدبية لغوية تعكس علاقته بالثراث الديني الذي أحسن -بلاشك توظيفه- فيه التأثر بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية وفيه الأشعار التي تناسب المقال،تتصاعد فيها نغمة الموقف والأداء والحركة ولغة الجسد في تعبيراته اللغوية الرصينة ووعيه لجماليات النص إلى درجة الغوص في التصوير ، وكان من أدق تفاصيل ديوانه الثالث ماساقه للحضور من الترغيب قبل الترهيب،ومن البشرى بتذليل عقبات الهم ، وتنفيس الكرب،وادخال السرور على عباد الله، و مايحدث من تجاذبات دينية عميقة ، مصدرها كتاب الله وسنة رسوله،فإن كانت الأعراف والعادات والتقاليد، تُسيِّر أوضاع الناس،ففي الشعر مايكفي وزيادة . وفي ديوانه نجده لم يكتف بجعله خارطة طريق يسلكه المرء مع الله،بقدر كونه خارطة لبعض الأعراف الدينية السمحة التي تمكنت من قلوب المؤمنين الذين جعلوا رسول الله قدوتهم ومعلمهم ؛فكانتمقطوعاته رؤية تنبني على الوجه الموجب لهذه الدين الحنيف ، لتساير الموقف الايجابي الذي يحضر بقوة في تجربة الباحثين عن السعادة والرضى والتقى والعفاف..