وما علمناه الشعر
الأدبية في رواية تعاريج لحسين نوح
**********
كتبت / إيمان الحملي
كتب الناقد الأدبي الدكتور رمضان الحضري مقالا
عن رواية تعاريج للفنان التشكيلي والكاتب والمنتج حسين نوح ابن الفنان الراحل محمد نوح.
لازلت أسير في أكبر حقول الألغام ، محاولا الكشف عن أشد المواقع خطورة على الفكر العربي ، وعلى الثقافة العربية ، وعلى الإبداع العربي .
لم يخطر على بال الأدباء العرب أن تطوير الشعر العربي في العصر الحديث على يد صلاح عبد الصبور ونازك الملائكة وبدر شاكر السياب والفيتوري وبعدهم أدونيس وغيرهم كان تطويرا مستمدا من قراءتهم للأدب الغربي ، وبخاصة حينما حصلوا على تراجم لأشعار ت . س . إليوت وشيلي وبايرون وغيرهم ، حتى أن بعض النقاد العرب مثل محمد شاهين يؤلف كتابا بعنوان ( أثر ت . س . إليوت على صلاح عبدالصبور والسياب ومحمود درويش ) .
ولم يخطر على بال النقاد والدارسين أن جميع النظريات النقدية التي يستخدمونها إنما هي نظريات غربية ، منذ تقسيم عصور الشعر لمرجليوث وحتى البنيوية الفرنسية والتوليدية الأمريكية ، حتى حينما أعلن بارت موت البنيوية كمنهج نقدي عام 1968م في مقالة له طويلة ليثبت فيها عدم جدواها وأنها أخرجت النص الأدبي عن مسيرته الحقيقية في الواقع .
لازال العرب يتناولون أدبهم على طريقة بارت القديمة التي أثبت هو نفسه عدم جدواها ، بل وجدنا من يعيد كلامه الذي أنكره .
أكتب هذا الكلام هنا وكلي أسى ، فجميع الدراسات الأدبية العربية في كل الجامعات العربية تسير على المنهاج الأوربي في المناهج النقدية ، فسواء كان المنهج تاريخيا أو نفسيا أو اجتماعيا فهو منهج أوربي بدأ من القرن السابع عشر وانتهى في كل بلاد أوربا ولا زالت بعض الكليات التي تدرس لغتنا العربية مستمسكة به ظنا منهم أنه منهج عربي ، وهم لا يعلمون أنها مناهج أوربية صرفة .
إن الذين يرسمون الطرق لنا يقومون بعملية تدجين كاملة لنا لكي نبقى داخل خيمتهم ، هم تحرروا في دخول الخيمة والخروج منها ، ونحن لا نعرف سبيلا غير البقاء داخل هذه الخيمة ، حتى ألفناها وتوهمنا أننا نملكها .
فقد نسي الكثيرون أن الذي قسم عصور الأدب العربي للعرب هو مرجليوث ، ويظن دارسو اللغة العربية في كليات اللغة العربية والآداب ودار العلوم أن عربيا هو من قسم لهم هذه العصور .
ويظن البعض أن دراسات العقاد النفسية للشعر هي من فكر العقاد ، ولا يدرون أن المنهج النفسي في الدراسات الادبية هو منهج أوربي ظهر منذ القرن التاسع عشر تقريبا .
نعم أنا في مشكلة كبيرة مع ذاتي ، حيث إنني أسير خلف سادتي طالبا الحرية ، ولست أعرف طريقا غير طريق سادتي .
هكذا يفجر حسين نوح مشكلاتي كلما تذكرته ، فالوطن الذي كان عدد سكانه 6 مليون أنتج عرابي ومحمود سامي البارودي وإسماعيل صبري ولما بلغ عدد سكانه 16 مليون نسمة أنتج أحمد شوقي وطه حسين والحكيم وعبد الوهاب وأم كلثوم ونجيب الريحاني وبديع خيري ومحمد فوزي وفاتن حمامة وعمر الشريف ومصطفى مشرفة وغيرهم آلاف لا تعد ، وحينما يتجاوز عدد سكانه 100 مليون لا نجد ربع هذا العدد ، نعم هناك أشياء كثيرة مختلة ، والاختلال كبير جدا فوق تصوري .
قدمت لرواية ( تعاريج ) للتشكيلي والموسيقار والروائي / حسين نوح بما يليق _ حسب ظني _ .
يقول حسين نوح : ( حين وصل ماهر إلى محطة القطار بجوار موقف الأتوبيس ، وبدأ السير متجها إلى المنزل ، كان الفرق والتباين بين القرية والبندر كبيرا ، فالمباني في دمنهور عالية يصل بعضها إلى الثمانية بل والأدوار العشرة ، والمحلات التي يأتي إليها الزائرون من كل القرى ، محلات بيع وخياطة وحلاقين وقهاو وعيادات وعربات الحنطور ، تسير سيارات قليلة العدد ، والزحام يظهر عكس ما كان في القرية ، وسار ماهر حتى وصل إلى ميدان الساعة أكبر ميادين دمنهور ، بمبانيه العالية وطرازه الإيطالي والساعة تتوسطه نافورة من المياه ، في مواجهته مبنى سينما ومسرح البلدية ( أوبرا دمنهور ) ، وقهوة المسيري التي يعتز بها سكان المدينة حيث شهدت جلوس العديد من مشاهير الأدب والثقافة والفن أمثال توفيق الحكيم وعبد الوهاب المسيري وأمين يوسف غراب ومكتبة ونادي التنس الملكي الذي وضع أساسه الملك فؤاد عام 1930م وافتتحه إسماعيل صدقي باشا 1932م على الطراز ثم مبنى المطافي وحديقة الجمهورية ) ، الرواية صـ 46 ، 47 .
هذا المقتطف يتحدث عن ماهر وهو صبي في سن السادسة عشرة من عمره تقريبا ، حديث العهد بالبلوغ ، وهذا مقطع تم اختياره لبيان أدبية النص الروائي عند حسين نوح ،أقصد بأدبية النص هنا الإجابة عن السؤال : ما الذي يجعل رواية (تعاريج) نصا أدبيا ؟ .
إن الموهبة هي وعي الكاتب في مرحلة الخطر ، وتقع في منتصف دائرة الإلهام ، فالصبي ماهر سافر مرات عديدة بين القرية والمدينة ولكنه هذه المرة بالتحديد يتعرف على الفوارق بينهما ، وكأنها المرة الأولى ، وبالفعل هي المرة الأولى التي يتمكن من التفريق بينهما ، حيث أصبح يفرق بين الطفولة والرجولة وبين الذكورة والأنوثة وبين القرية والمدينة ، فهنا ليس انتقالا من القرية للمدينة ولكنه انتقال الوعي من مرحلة لا إدراك إلى الإدراك ، وهو ليس تقدما من القرية للمدينة لكنه تقدم في العقل وطريقة التفكير ، ولذا فإن السرد كحركة (حين وصل ماهر إلى محطة القطار بجوار موقف الأتوبيس ، وبدأ السير متجها إلى المنزل ) ، وبعد ذلك يتوقف السرد ليعلن عن الوصف ، والوصف هنا جلبا من خارج الرواية لداخلها ، وهذا الجلب يعرفه العامة الذين عرفوا مدينة دمنهور ، إذن ما جدوى أن يأتي حسين نوح بهذه الجغرافية المكانية الموجودة في دمنهور والجميع يعرفها ؟
إن جلب المكان هنا مرتبط برؤية الشخصية ماهر ، ذلك الصبي ، الذي لم يكن يعرف تاريخا فأصبح عنده وعي بهذا التاريخ مثل تاريخ قهوة المسيري ومكتبة البلدية وسينما دمنهور وأوبرا دمنهور ، فهذه المفردات المكانية تشكل واقعا في دمنهور يستفيد منه الناس ، ولكنها في النص السردي هنا تشكل واقعا مكانيا سرديا من مقومات الشخصية الروائية ( ماهر ) ، هذا يعني أن الكاتب حينما يستخدم الواقع فهو لا يستخدمه لتوصيف الواقع ، تماما مثل المصور الذي يصور شجرة ، لاشك أن الشجرة في الواقع أجمل وأنضر وأكثر حرية وحركة وجمال ألوان وتناسق وتكيف مع ما حولها ، لكن الصورة التي اختارها المصور تعبر عن وجهة نظر له لا يمكن لمن رأى الشجرة أن يراها إلا في هذه الصورة .
(، وقهوة المسيري التي يعتز بها سكان المدينة حيث شهدت جلوس العديد من مشاهير الأدب والثقافة والفن أمثال توفيق الحكيم وعبد الوهاب المسيري وأمين يوسف غراب ومكتبة ونادي التنس الملكي الذي وضع أساسه الملك فؤاد عام 1930م وافتتحه إسماعيل صدقي باشا 1932م على الطراز ثم مبنى المطافي وحديقة الجمهورية ) ، ولأنه كاتب ملهم بصحيح المفهوم ، فهو يعود بزمن السرد الحالي إلى زمن سابق ، من داخل الوصف وليس من داخل حركة السرد ، فهذا الاستباق للمكان تعني أن هناك فنانا تشكيليا يرسم الزمن في لوحته في الوقت الحالي ، وأصعب ما يواجه الفنان التشكيلي في لوحته هو رسم ملامح الزمن ، حيث إن ملامح الزمن تتغير بسرعة فوق ما يمكننا أن نتصوره ، فبدلا من ملء السرد بأحداث سابقة ، جلب الأحداث السابقة في الوصف ، وليخبر المستقبل بأن الموضوع عنده موضوع وعي وليس المقصود أحداثا أو شخصيات أو أماكن ، يحاول كثيرا أن يزاوج بين رؤية المدينة في القرية ورؤية القرية في المدينة بأسلوب من واقع كليهما ، فمثلا يقول : ( خرج ماهر مندفعا كجدي صغير يبحث عن أمه ) ، صـ52 .
ماهر يعيش في مدينة دمنهور ، وعاد من القرية منذ أيام ، وقد استقر داخله ما رأى في القرية من لهفة الجدي على ضرع أمه ، وكيف أن صغار الحيوانات تتبع أمها بالغريزة ، فجاء هذا الوصف لماهر وهو في المدينة وليس في القرية ، وهذا التعبير يخبر أن نزوات القرية هي ذاتها نزوات المدينة ، وأن وجود جدي في القرية سيكون مثل وجوده في المدينة ، سوف يتبع أمه .
لازالت مساحات الأدبية في رواية ( تعاريج ) لحسين نوح شاسعة ، ولم أقدم سوى دليل واحد ، عسى أن يوفقني الله لأقدم أدلة أخرى في اللقاءات القادمة .