دراسة نقدية في شعر الدكتور عبد الوهاب برانية

 

 

دراسة نقدية في شعر الدكتور عبد الوهاب برانية

بقلم / دكتور : أحمد مصطفي

2-بقايا إنسان
سألته في لقاء بيننا بمكتبه بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بدمنهور ، من صمم لك غلاف هذا الديوان ؟ّ! فقال: صممته دار الطبع تحت إشرافي، فقلت: أجاب الغلاف عن كثير من الأسئلة، وحلق من خلال ريشة فنان في زوايا النفس البشرية ، ومحاورة الذات ، ولقد اجتهدت في قراءة الغلاف ،الذي اعتبره عتبة مهمة من عتبات النص الأدبي.
تستشعر وأنت ترى هذا الإنسان الواقف بعيدا خلف همومه ،فبدا ملاحا تائها أوروحا شاردة في آفاق الوجود ، يأتي ويرحل عبر هذه الشمس التي تأتيه أملا وحياة ، وعبر هذا الكهف الذي يأوي إليه كلما خاصمته الدنيا وتاهت منه أوراقه المتناثرة على طريق مجده وأمله ورغبته في حياة تملأمدينة أفلاطون الفاضلة ، وشجرة تخرج من أرضه الطيبة تنبت بالحب والسعادة التي يجدفيها بقاياه ..
ثم تقلبت صفحات الديوان فوجدت نفسي أمام شاعر ترك لي آماله وأحلامه ورحل ،وفي رحيله عودة متتالية تراها كلما انتقلت من قصيدة لأخرى، فهو مثله مثل كثير من الشعراء يحلمون بلون الورد،ويهربون إلى فلسفة السكوت ويعترفون بالحب وبروح القصيدة ويتقدمون خطوة للسلام ،ثم تجده مسافرا مغنيا مبتعدا..وكأنه نجم ساهر يسابق العمر راكبا حصانا بلاعنان.
كانت روح الدكتور عبد الوهاب برانية هي هي روحه في ديوانه الأول ،لكن نبرة صوته وبوحه كان أقوى،وكأن الشاعر”أراد للمتلقي أن يطلع بوعي على تجربة الإنسان ،الذي خبر الحياة في شتى تجلياتها،تلك الحياة التي تفاعل معها وانفعل بصدق وموضوعية مهما بدت مقبلة أو مدبرة ،بسيطة أو معقدة او حتى متناقضة” (من كلمة د.محمد سلام الديوان ص96)
وهذه حقيقة جعلت الشاعر ينطلق بروح متفائلة في قصائده (أزهار كليتي- عروس الشعر- أسير الجمال-صغيري أحمد- تبسمي تبسمي) وكأنه أراد – جاهدا- أن يخرج بنا إلى عالم الحنين،ويبدد الشوق ويخفف الاشتياق،لكن لوعته تتزايد كلما سلم من حالة سلمته لأخرى ،في قصائد الرثاء وشعره في أهم الأحداث كــ( بقايا إنسان- فاجعة القطار- رسائل المحمول- سلوى..) ليحثنا على البحث عما سكت هو عنه ،فلم يقل كل شيء ولم يجيب على كل الأسئلة ولم يستدرج الألم بمايكفي.
وفي بعض شعره،تلمس اطلالات تجعلك تعيشها لحظة وقوعها ،فبدا اهتمامه بالمكان والزمان، والأشخاص والأشياء كلها أمور تترك انطباعاتها على ذهن المتلقي قبولا يعاند رياح الغضب والأسف والشجن؛فالنابغون وراءهم حزن كبير .
يقول في قصيدته بقايا إنسان:
مالي أراك وقد علاك الشيب والــــهم الثخين؟
هل قد هرمت مبكـــرا؟ أم ذاك شأن الحالمين؟!
ها قد بدأت العمر محــــــنيا وقطـــبت الجـــبين

فالفكرة طغت بشكلها العام على الشكل ، فتغير الطعم واللون والصورة ،وجاءت اللقطة عميقة وكأنها حالة تأخذنا لعالم بعيد متناهي الأبعاد ،ليبدأ الإنسان في لملمة أشلائه المتباعدة من خلال هذا التساؤل والحوار المفتوح مع النفس تلك النفس التي هرمت ومضى قطار عمرها،وشدها الفضول للرجوع لزمن جميل يحتويه الحب ويغلفه التوقير .
وبالتعرف على مكنون النفس ندرك أن حياة الشاعر الإنسان ، فيها من مفتاتيح النجاح مايجعله يمسك بأبعاد شخصيته ويرسم معالمها الكلية التي تدور حولها حياته العملية والعلمية على مدار خمسة عقود ويحسب للرجل هذا التميز في اختيار أسلوب الحياة المعبرعن أصالته وثقافته ويده الممدودة بالعطاء عطاء الفكر والعقل والروح وعطاء الحب والود والتواضع وعطاء العون والبناء..
وهو في قصيدته التي حملت عنوان ديوانه ، كان فلسفيا متصوفا –إلى حد ما- إذعبر عن تجربته بصورة غيرمباشرة ،لكنه استطاع الخروج من هذا بصراحته وصدقه ،ونحن نتعلم ممن يتحدثون عن أنفسهم بصدق.
وفي شعره ومضات شعرية توجه كثيرا من الأسئلة كقصيدته (النجم الساهر) :
أسهرت ليلي في اقتفاء قصيدة والنجم في ألق معي سهران
أرنو إلى النجم المحلق في السما ليبل ريـــقي إذ به ظمـــــآن
فسهر الليل لأجل قصيدة أمر ربما يكون عاديا ،لكن أن يعجز النجم عن إلهامه (فلايبل ريقه) فهذا أمر أبعد النجم عن مهمته ؛ليصبح هو النجم الساهر، وفي قراءتي لديوانه الأول ، كنت قد استقصيت وبحثت وكتبت عن مجموع القصائد وعدد أبياتها، ذلك كي أصل لإجابة عن سؤال طرحته ، لكن الشاعر في هذا الديوان استطاع أن يصوغ للقاريء اللحظات الإنسانية الشاعرة بقوة عاطفة وحبكة تنم عن قدرة ابداعية أكاديمية دارسة للشعر وموسيقاه على يد عباقرة اللغة الراحلين أمثال الدكتور محمود السمان مشرفه في مرحلة الدكتوراه ..يقول في قصيدته سلوى:
ماكنت ياسلوى ربيبتنا لكن ربيبة جــــــنة المآوى
قدجئت للدنيا على عجل ورحلت عنها دونما جدوى
أدميت ياسلوى مشاعرنا وهزمتها للغــــاية القصوى
ويقول في أسماء الرفاعي:
والله لو تفتدي أسماء لابتدرت كل الخلائــــــق تفديها بلاعدد
لكن جرمك قد أودى بمطمحنا وخلف القلب قيد الحزن والنكد

وتضمين الأسماء والمدن والأماكن في الشعر يضمن لها الخلود، ولــ(سلوى وأسماء) أثرهما في نفس السامع ؛فهما بنتان خطفهما الموت فجأة؛فتعددت معهما الأسباب ، ماتت سلوى إثر حادث أليم أودي بحياتها في ليلة عرس ابنة عمها ، وأسماء تسلل إلى مسكنها لص بدافع السرقة ؛فلما باغتها قاومته ،فقام بخنقها.
فاتخذ الشاعر من شعرية الكلمة جملا ظهرت فيها عبقرية الشاعروطرق أعمق الأفكار الوجدانية بحس ممتزج فيه الألم والشجن والأخذ بالثأرمن الجاني ومواساة أهل الضحية.
ثم تجده يتخطى هذا الألم بروح التفاؤل التي يجدها القاريء في قصيدة صغيري أحمد(حفظه الله له) يقول:
ولكن الطموح بغير نبل خسار في خســـــار في خـسار
تولت مصرنا اخمـــــــاد نار وألســــنة لها ضرم الأوار
تحقق للكنــــاية مرتجــــــــاها ومأمنها وتحـــــريرالقـــرار
فأنت بني إيذان بنــــــــــــصر وكنت قبيل في طي انتظــــار
ومابك يابني من انتقــــــــاص عن الأتراب ذا محض اعتبار
وفي شعره رؤى فكرية تجنح بك إلى الوفاء والجمال ، فالبقاء على العهد من الإيمان ولعل هذا واضح من قصائده في الرثاء ، (الدكتوررزق داود- الدكتورمحمد أحمد عبد المعطي- الدكتورطه أبوجريشه…) تقرا القصائد ؛فتخرج بمعاني الحب الجميل ، وتتعرف أكثر إلى فكر الدكتور عبد الوهاب ولغته وأسلوبه وبنائه الشعري الخالي من الكلمات الوعرة، “المعبرة عن المألوف بكلمات مألوفة مستقاة من واقع الحياة المعيشية،واستخدام جماليات اللغة التي تعمل على استبدال التعابير والمفردات القديمة بتعابير ومفردات جديدة مستمدة من صميم التجربة”.
هكذا جاء شعر الدكتور عبد الوهاب في ديوانه الثاني ،كشجرة تعارك فصول السنة ، تتساقط اوراقها في الخريف وتثمر وتخضر في الربيع ، وتتمايل مع أمطار الشتاء ،ويأوي الناس إلى ظلها في نهار الصيف، وهذا كله عير لغة تتقاطع فيها حركية الصورة والإيقاع .

ربما تحتوي الصورة على: ‏شخص واحد‏
لا يتوفر وصف للصورة.

 

Related posts