عاطف الجندي واختيار المنبع
**************
كتبت /إيمان الحملي
نقلا عن الناقد والكاتب الأدبى الدكتور / رمضان الحضري
تأخر هذا المقال كثيراً لأسباب خارجة عن إرادتي ، حيث إن النقد الأدبي الحقيقي لابد أن يكون خاليا من جميع المؤثرات الخارجية التي تجعله أشبه بتقرير .
فالشعر عملية عقلية ونفسية وشعورية معقدة للغاية ، لأن لحظة الكتابة هي لحظة الاستعلاء على الذات وما حولها ، فالعقل يكون مشدوها ، والقلب يكون في حالة مغايرة لأن الشعور والوجدان قد أصيبا إصابة بالغة بحادثة أو فكرة أو خبرة جديدة أو قديمة أو ذكرى شرطية أو غير شرطية ، مما يحدث انفعالا غير طبيعي .
وقد رأيت شعراء يبكون لحظة الكتابة ، بل ولحظة قراءة نصوصهم ، وقد رأينا كيف يؤثر الشعر على من يرتله أو يغني ، ويعرف العرب جميعا كيف كانت حالة أم كلثوم وهي تغني الأطلال ، أو عبد الوهاب وهو يغني النهر الخالد أو فيروز وهي تغني زهرة المدائن وعبد الحليم حافظ وهو يغني لا تكذبي .
فالشعر ( إبداعا أو إنشادا ) هو خروج من لحظة المعتاد إلى لحظة جديدة ، فحالة شخصية الشاعر لحظة الإبداع تختلف تماما عن حالته العادية ، ولذا فمن يطبق قواعد الكتابة العادية على كتابة الشعر فهو لم يتعرف على الحالة الشعرية الحقيقية .
حيث إن الشاعر لحظة الكتابة يثور على اللحظة المعتادة ، وقد يتناقض معها فيظهر عدم رضاه عنها ، فهو في لحظة الانقسام على الذات ، ولذا يتعدد الوعي لحظة الكتابة ، وتبدأ المقارنات بين وعي معتاد ولحظة شعرية فارقة ، وبين فكرة جديدة وأفكار قديمة متشابهة ، وبين تناول خبرة سابقة بشكل جديد ، وبين لحظته ولحظات غيره ، فلحظة الكتابة هي لحظة فارقة في حياة الشاعر ، وقد روي أن الشاعر التشيكي جوزيف أتيلا كان يكتب قصيدة وهو يمر على قضبان القطار فمات تحت عجلات القطار ، ونفس الحادث يذكر عن الشاعر المصري الكبير صالح الشرنوبي ، وهو من الشعراء المصريين العظماء الذين لم يأخذوا حظا مناسبا لإبداعهم من الشهرة .
نعم التركيز لحظة الكتابة يجر على الشاعر مخاطر نفسية وعصبية من داخله ، ويجر عليه حوادث ومشكلات من خارجه ، فلحظة هبوط الإلهام على الشاعر هي لحظة فعلا في منتهى الخطورة .
ومن كبار شعراء مصر في العصر الحالي الشاعر / عاطف محمد سالم أحمد الجندي وشهرته عاطف الجندي ، المولود في مركز حوش عيسى محافظة البحيرة ، ويشغل حاليا رئيس لجنة شعر الفصحى باتحاد الكتاب المصري ، وله أكثر من عشرة دواوين شعرية جميعها مهمة للغاية ، ودوما يستوقفني ديوانه الرائع
( اعترافات ليلية ) ، حيث يشتمل الديوان على حوالي سبعين قصيدة ، يربط بينها خيط وجداني واحد متسق ومزخرف وقوي وشفاف ، فالديوان أشبه بقصة عاطفية رقيقة مكونة من عدة مواقف مختلفة زمنيا ومكانيا ، لكنها قصة واحدة فريدة .
ويبدأ الديوان بداية أفقية رائعة بقصيدة ( فاتنتي ) ، حيث يقول :
لفاتنة سأنزف نبض قلبي
وأكتب للهوى وجعا نبيلا
فمن غير المهاة تكون أنسي
ومن تجتاحني شعرا جميلا
لها العينان من عسلٍ مصفى
وورد الخد أرداني قتيلا
ديوان اعترافات ليلية ، صـ 7
هكذا يسير أفقيا بسرعة شعرية كبيرة ، معلنا أن هذا الديوان سيكون لفاتنته ، وأن الحروف مرسومة من نبضات القلب وليست من مداد الأقلام ، وتأتي مبرراته منطقية مقنعة بدرجة كبيرة ، فهي المهاة التي تؤنسه ، والتي تلهمه الشعر ، حيث يرى عينيها العسلية ، وخدودها الوردية التي أردته مقتولا .
فالشاعر يسرع كعادة شعراء العرب إلى مصدرية الشعر العربي من الجماليات الحسية الواقعية والوجدانية المعنوية ، وهذا سر اختيار العنوان ( عاطف الجندي واختيار المنبع ) ، حيث يعود الشاعر للشعرية العربية في أنقى أثوابها ، دون تكلف أو تزييف ، فهو يحاول أن يعود بالشعرية العربية إلى مواطن عزها وفخرها ، من علو الهمة ورقي الإحساس ونبل المقاصد وروعة السبك ، وهذا في حد ذاته اجتهاد كبير أحسبه للشاعر المصري المثابر الكبير / عاطف الجندي .
ولا يعني أن الشاعر يعيش العصور السابقة في شعره ، فهو يدرك تماما الفرق بين الاهتمام بالأصالة في توظيف التراث الشعري ، وبين اللحظة الزمنية الراهنة ووجوب القفز داخل الزمن الحاضر ، فنجده يقول في القصيدة الأخيرة من الديوان والمعنونة بـ ( أصعب الأشياء ) :
أمر على نشاط الفيس
كي أرنو بأشواقي
فألمح صورة حسناء
في تحديد ترياقي
فأخجل أن يبوح الشعر
بالمخفي في رئتي
ويعلم كل هذا الكون
عن شغفي وإحراقي
الديوان ، صـ 108
فالشاعر يتابع محبوبته على صفحات الفيس بوك ولا يتابعها وهي ترعى الأغنام أو عند عين المياة أو ببرقة ثهمد عند الطلول
لكنه ينتظر أن تشرق صورتها على صفحتها ليأخذ الترياق ، فيعالج سموم الشوق ، وهو يحاول أن يخفي حبه فيخجل من كتابة شعره على صفحات الفيس بوك لأن عيون الحبيبة هي حروف القصيدة ، ولو قرأ القوم الحروف فسوف تستحيل إلى نيران تحرقه ، فحسبه أن يتحمل نيران الأشواق ، فربما لن يتحمل نيران الحساد الوشاة .
نعم اختلفت المفردات لتكون من مفردات البيئة والواقع والمجتمع واللحظة الزمنية التي يعيشها الشاعر ، رغم استغراقه في الرومانسية ، إلا أنها رومانسية فريدة خاصة به ، ليست مستجداة ولا مفتعلة ولا منقولة ، لكنها من وجدان الشاعر ، أعطاها روحه فظهر صدق شعره ، حيث يقول : _
أقبّل فيك أحلاما تغني
وأغنية وقافية جديدة
على وقع الجمال يكون فعلي
إلى أن يقرأ النهد نشيده
أيا حوريتي والبحر ظلم
يبيد مراكبي من ذا يعيده.
الديوان ، صـ 39 .
نعم هو مصور جديد ، له كاميرا شعرية خاصة به ، فكيف تكون القبلات للأحلام ؟! ، وما نوع الشفاه التي يمكنها أن تقدم هذه القبلات ؟! ، وكيف يقرأ النهد نشيده الخاص به ؟! وما محتوى هذا النشيد ؟ ، نعم فكر عميق بعمق البحر ، وبعيد مثل المراكب التائهة في الظلمات .
ويفضل عاطف الجندي منابع الشعر العربي لمعرفته بالوظيفة الحقيقية للشعر وهي نشر المعرفة والمتعة في المجتمع ، وإحداث توازن نفسي وانفعالي لأفراد المجتمع ، وفتح أبواب تكامل الأفراد مع بعضهم ، ولذا فهو يأخذ من المنبع ماهية الشعر ، ويوظف نصه من خلال متطلبات المجتمع المعاصر ، ويتضح هذا جليا في ديوانه الأخير المعنون بـ ( كأقل من موت محقق ) ، فهو يعود لمعين الشعرية العربية ويعود كذلك لمعين الأخلاقيات العربية والمصرية السابقة لهذا العصر ، وربما يقدرني الله جل في علاه على تفنيد بعض ما أراه من تقنيات جديدة في ديوانه الأخير .

