كــتـب : مـحـمـد الــقـنـور
بالفعل، كانت أمسية عيد المولد النبوي المقدس، في مراكش، تلقائية وجميلة في بساطتها، وكما يقول الإنجليز، فإن البساطة أم الجمال، فقد كنتُ قد تلقيتُ دعوة كريمة من الطائفة العيساوية الادريسية برئاسة صديقي المحترم المقدم الحاج محمد بلحاج ، إحياء لذكرى المولد النبوي الشريف، وكانت ليلة عيساوية مراكشية نظمتها وزارة الثقافة،أمس الثلاثاء 20 نونبر بمسرح دار الثقافة على الساعة 19h مساء.
:
ورغم، قلة الجمهور المتابع لهذه الأمسية، ربما بفعل إنشغالات أفراح العيد، وما تقتضيه من زيارات ومن ترتيبات ورغم تلكــ البرودة في الطقس، فقد وجدتُـني وأنا مضطجعُ ومتكاسلٌ ، أتلقى مكالمتين للتذكير بالأمسية ، وبالفعل شددتُ الرحال إلى دار الثقافة في الداوديات، لتكون بين جنباتها التي تعرف أشغال بناء، لقاءات وارفة مع أصدقاء كرام وصديقات محترمات منهم الحاج عبد المجيد برادة، وكمال مجدوب الجمراء، وأحمد مكراز ومحمد لمشاوري،وقد كنت أتابع كلما سنحت لي الصدفة بما ينشره عن الشؤون التعليمية من تصريحاته وآرائه، ومن وقائع وأحداث وصور .
وقد أرسل لي بعض هذه الصور، وإن كان بعضهم تجمعني بهم علاقات رفيعة وتواصلية على العالم الإفتراضي، قبل أن تتم على أرض الواقع في هذه الأمسة ….
:
وطبيعيٌّ، فأغلبهم من المتتبعين للشأن الثقافي خصوصا المحلي، وبعضهم من الفنانين والمهتمين ومن تلكــ الزمرة الطيبة من الفعاليات الثقافية والجمعوية ،فمنهم زجالين إقترحتُ عليهم ، أثناء تجاذب للحديث، قبيل إنطلاق عرض الليلة العيساوية المذكورة، أن ينتظموا ضمن إطارات قانونية، وأن يعمدوا إلى المشاركة في المشهد الإبداعي المحلي والجهوي والوطني، وألاَّ يظلوا مجرد متتبعين .
:
و أعترفُ أنني أجِدُني أمام الفن والفنانين مغاربة وأجانب، وأمام اللوحات والتشكيليين، وأمام المسرحيات والمسرحيين من ممثلين ومخرجين وكتاب وأمام الشعر والشعراء صامتا شاردا أهيم بمخيلتي وقلبي في الضباب المشمس. هاربا من ساعات التعب وشجون وحركية مهنة المتاعب التي لا تنتهي، فأقول في قرارة ضميري كم أنت جامحة يا مسيرتي حياتي، لا تعرفين الرتابة،ولا حتى الروتين الداعي للراحة وللإسترخاء .. .. فأجدني أحاول دائما أن أبقي تفكيري هادئا ونقيا.. مدركا أن الحياة لن تمس كل خوالجي وإنطباعاتي وهواجسي ما لم أفعل ….
ثم دعُونا من نفسي ومن ما يقعُ في نفسي من إنطباعات ومن رؤى قد تكون مجرد ذاتية مغرقة في التصورات …
:
إلى ذلكــ ، كانت أمسية الليلة العيساوية، الطائفة العيساوية الادريسية برئاسة المقدم الحاج محمد بلحاج ، إحياء لذكرى المولد النبوي الشريف، تبرز خصوصيات الإنشاد الصوفي المغربي، وتؤكد مدى عمق الثقافة المغربية الشعــبـيـة والعالمة على حد سواء، في ظل ما تعرفه المرحلة العالمية الحالية على مستوى الصراع من أجل الدفاع عن الهُويات أمام التحولات الكبرى في البنيات العالمية، وهي تحولات كان لها الأثر المباشر على الثقافات والمجتمعات التي غدت مستهلكة ليس بينها وبين الإنتاج والإبداع، وتكريس إعلاء كلمة العمل والعطاء، سوى الخير والإحسان، حيث اختلت مجموعة من المعايير وأصبحت المرجعيات الثقافية والفكرية الوطنية محط تساؤل ، تنتظرإعادة التقييم، والإعتراف والتأهيل والتطوع كذلكــ .
:
هــذا، وإذا كان الفكر والإبداع الثقافي المغربي كما العالمي يعيش مرحلة مخاض مع بداية القرن الواحد والعشرين، فإن مسألة الهوية الثقافية لا تكتسي في البلدان الديمقراطية العريقة الحدة التي تكتسيها في غيرها، بحكم التجدد الدائم لتنظيماتها الثقافية والإبداعية سواء على المستوى الفكري أو على مستوى الممارسة لاستيعاب التطورات المجتمعية الوطنية والعالمية، وفي هذا السياق تطرح بعض هذه الأنماط الثقافية المغربية المميزة ضرورة وضعها على محكـ البحث عن الطريق إستجلاء الثابت والفعال فيها، وإعادة قوتها وجاذبيتها واستقطاب الناشئة إليها، أمام أصبح العديد منها يتخبط في أزمات الهوية.
:
:
في سياق هذه المعطيات، وبارتباط مع ما شهده المغرب من تحولات اجتماعية وإقتصادية وثقافية وسياسية وحتى بيئية، بات المشهد الثقافي يعيش لحظة مخاض وتحول، وفي صلبه تواجه التشكيلات الثقافية في نقاشاتها الداخلية والخارجية مسالة الهوية بالنظر إلى معايير التموقع والجودة والنجاعة والوطنية والتصنيف الثقافي والإبداعي.
وإذا كان الوعي بهذه الإشكاليات حاضرا لدى أغلب المهتمين من خلال بعض شذرات التفكير في مشروع تأسيس رؤية ثقافية مغربية متطورة تستمد روحها من آصالة المغرب وتعدداته الثقافية والحضارية ،وتروم صياغة مشروع فكري ثقافي متجدد، عبر تثمين كل ماهو مغربي تقليدي إيجابي، أو معاصر حداثي وفعال، في التعامل مع التراث وفي المسرح والسينما والتشكيل والتعبير، وفي الصنائع ومختلف الإبداعات والتصميمات والنماذج، ذلكــ ، أن الانشغال بتطوير هذه الرؤية لابد أن يظل هو المحور الأساسي، والهاجس الدائم، في أفق تمكين الثقافة المغربية من لعب دورها كرافعة أساسية للدينامية التي تسهم بفعالية أكبر في تطوير الممارسة الثقافية المغربية وضبطها مع متطلبات العصر.