أخر مكوجي رِجل في المحلة من [ زَمِنَ الْفَنُّ الْجَمِيلُ ]

 
تقرير – محمد مأمون & آية عصفور
المكواة الرِجل كانت البداية الحقيقية لفكرة جولاتنا عبر زمن الفن الجميل ، فمنذ اللحظة الأولى التي شاهدت فيها هذا الوجه المبتسم رغم التجاعيد التي نقشتها عليه مرارة الأيام داخل دكانه العتيق بمنطقة سوق الحدادين بمدينة المحلة ، إستقرت بداخلي ضرورة توثيق ما تبقى لنا من أطلال مهن هذا الزمن الذي تسرب وسط سنوات سيطرت عليها التكنولوجيا الحديثة وحجبت عن هذه الأجيال دروس من الشقاء والمعاناة الممتزجة بالسعادة والرضا التي عاشها أصحاب تلك المهن .
بإنحناءة ظهره التي سوف تلمحها للوهلة الأولى ، وإبتسامته التي تشع المكان بهجة ، كان في إستقبالنا الحاج “ محمد كامل البيطار ” أخر مكوجي رِجل في المحلة ، وصاحب المهنة التي ربما لم يشاهدها العديد من أبناء الجيل الحالي ” مش بس مواليد سنة 90 اللي ما راحوش كاس العالم “
يروي ” البيطار ” عن نشأته مع هذه المهنة عندما كان صبياً في السابعة عشرة من عمره والتي ورثها عن أبيه بأنها لم تكن بالسهلة كما يعتقد البعض ، حيث تعرض في بداية عمله للعديد من المواقف المحرجة مع المهنة حتى إستطاع أن يمارسها بإتقان وحرفية قبل أن تقف مهنته على أعتاب الإنقراض .
وعن المكواة التي تزن 25 كيلو من الحديد يروي عم “محمد” كيف يتعامل معها كعازف على آلة موسيقية صممها صانعها بإنسيابية تساعد المكوجي على تحريكها بمرونة رغم ثقل وزنها ، وفي نفس الوقت الذي تتطلب فيه قدرات خاصة لإنجاز العمل ، وأن من لم يشاهدوا المكواة الحديدية إلا في الأفلام القديمة يقف أمامه ويتابع عمله ، وكثيرا ما يُطلب منه أخذ صوراً تذكارية معه .
أما عن طبيعة الأقمشة التي يستطيع مكوجي الرجل التعامل معها ، يؤكد عم “محمد” أن مكواته تتعامل مع جميع الأقمشة والمنسوجات حيث يتحكم تحديد في درجة حرارتها بعد تسخينها كما لو كان يمتلك ترومستات حرارية لضبطها ، فدرجة حرارة المكواة يعرفها بالخبرة دون الإعتماد على أجهزة قياس ، فلكل قطعه ملابس ما يناسبها من حرارة ومن طريقة رش ماء حسب نوع القماش ، فالصوف يحتاج إلى أن تكون المكواة في أعلى درجة ممكنة بينما الحرير على العكس .
الغريب في هذه الجولة هي شهادة عم محمد بأن المهنة حالياً أفضل مما مضى من حيث تعامل الزبائن معه ، فقديماً كان الفصال سمة أساسية في التعامل بينه وبين رواده من الزبائن ، أما الأن فقد إختلف معيار التعامل وقد يعطيه الزبون أحياناً أكثر مما يطلب .
أما عن مواسم العمل فيرى “البيطار” أن الشتاء هو الموسم الحقيقي لطبيعة عمله حيث يغلب الطلب على الزي الريفي كالجلباب والعباءة الثقيلة التي تحتاج لمكواة متميزة في هذا الفصل من العام ، وأن الريف بزبائنه بشكل عام يشكل الزبون الأساسي لهذه المهنة .
ويختتم عم ” محمد ” حديثه معنا بنفس الإبتسامة التي بدأ بها والتي لم تفارقه طيلة الحديث معرباً عن رضاه بما قسمه الله له ، وأن مهنته التي عشقها كانت شريكاً أساسياً له في رسالته مع الحياه حيث تمكن من تزويج أبناؤه وإتمام مسيرته على وجه يرضى الله ورسوله .
السنان والحداد وعربجي الحنطور وسمكري البواجير ومكوجي الرِجل كانوا فرسان رحلتنا الأولى ، سعدنا بهم وإستعدنا معهم إبتسامة وبهجة وذكريات [ زَمِنَ الْفَنُّ الْجَمِيلُ ]

Related posts