لمة تراث ورغمة تصنع ميثاق السلام والمحبة

جريدة أخبار العالم مكتب تونس
كتب الشاعر الجزائري سنان يونس عبدالحفيظ عن لمة تراث ورغمة

لكل مدينة مَعْلًمْ لايمكن أن تجتازه خلال زيارتك له , وإن حدث فزيارتك منقوصة ……؟
بعد رحلة طويلة إستغرقت يوما كاملا على متن سيارتنا في طريقنا إلى مدينة تطاوين بمناسبة موعد مع ( ترات ورغمه ) مرورا بـمدينة توزر التي استرحنا فيها قليلا لشرب فناجين القهوة ثم تعاقبت القرى والمدن واحدة تلو الأخرى الى ان حللنا مساءا بمدينة تطاوين ، ضيوفا عند جمعية (لمة تراث ورغمه ) وكانت محطتنا الاولى بالمدرسة ( الابتدائية ب تلالت ) حيث كان الاستقبال؟ والقراءات الشعرية بالغة الفصاحة. ومن المؤسف له لم نحضر المحاضرة التي أقيمت صباحا لاننا وصلنا متأخريين عن الموعد نسبيا . فاللمة اليوم لم تقتصر على دعوة مبدعي تونس وشعرائها وفنانيها بل إكتسحت حدود الوطن لتستظيف كلا من شعراء ومبدعي البلدين الشقيقين الجزائر وليبيا ومن الشعراء الذين تحضرني اسماؤهم :الشاعر الحلاج الكافي ،لمين لطرش ابتسام خميري ، نجوى النوي ،مسافرزاده الخيال ، صلاح مثلوثي ، بالقاسم قادري ، وآخرون…….. من الشقيقة ليبيا .الشاعر محمد بن زعيمة – حسين الرياني- مسعود الرتيمي ومن الجزائر – يونس عبد الحفيظ – بن سعيد قريشي , وعند المساء توجهنا لتناول العشاء بمطعم وسط المدينة ثم عدنا ادراجنا تلالت ،وهنا تخلع نعليك الملطخين بآهات الحياة، إجلالا لهذا المكان الاثري وتنتعل آخرين بعيدا عن آفكارك ، لتسير في أروقة ضيقة متلاحمة على بعضها بشكل منقطع النظير ، حيث تتزاوج الحجارة مع أقرانها المكسوة بالطين يتبعه شيء من جدية اللحظة التي تسبقك بأسئلتها هل هناك من يحفظ هذاالتراث ؟كيف يحبك قصته ويحمي حضوره ؟ المباني الأثرية؟ الازقة كلها تقتحم فتوغل في عمق القصر الذي يجذب الكثير من السياح ،لكي يتجللوا بفن تشكيلي لكنه واقعي، يحمل الكثير من المعاني- هانحن الأن في القصر ( جمهور ثلالت حاضر بشبابه ورجاله ونسائه ) وفجأة يصمت القصر وكأن الحضور على رؤسهم الطير فنسمع إيقاعات الطبل والمزمار المنبعثة من حنايا القصر فتبعثك على التأمل في لا حدودية المكان ،المنفلت من قبضة (العولمة) المستجدة (عولمة) لم تجد لها معبرا داخل هذا الحفل الذي يحكي تاريخه حسب طريقته تقرأه عبر رقصة يفككها الزمن بسبب هجرة الشباب لها ،والتكبر عن الموروث الثقافي
(الحفل ) يتوسط ساحة القصر كتلة من الحطب المشتعل يتأجج فيها الجمر وبو سعدية يرقص ويغني بأهاجيز مبهمة على دقات الطبل في حلقة دائرية مع رفاقه أشخاص لم يلتحفوا برداء التطور، بل حملوا فنا وإبداعا من النسيان، وما يضيف للمكان جماله الخيام المنصوبة بمفروشات الزرابي التقليدية، وكراس يجلس عليها الشعراء والجمهور التطاويني الرائع الذي يتجاوب مع كل الفنون الشعرية كانت او ايقاعية موسيقية انها ليلة( كألف ليلة وليلة ) لقد جمعت هذه الليلة شعراء الشعر الشعبي في تناغم مع التراث الشعبي والغناء وأهاجيز حول مجمرة النار الدافئة وريحة البخور الزكية, وتصفيق الجمهور وتفاعله مع كل صورة فنية تدغدغ إحساسه الفني والوجداني .
وفي الصباح أبت الجمعية إلا أن نزور قصر (دباب) ونعطي نظرة خاطفة له ، إذ لم نتجاوز العتبات النظرية لما أحدثه قصر تلالت في المشهد الثقافي التطاويني في نفوسنا ،حتى وضعنا أقدامنا على العتبات الأولى لمبنى قصر” دباب” الأثري الذي يعد أحد أهم مباني القصور الأمازيغية في تطاوين ومنذ العتبة الأولى أمام بوابته سيحاصرك انطباع بعظمة المكان وهيبته ،وسيبقى رهن ذلك الشعور الذي سيسكنك منذ اللحضة الأولى :
هذه قبورنا تملأ الارض … فأين القبور من عهد عاد ؟ لقد أراد الأمازيغ لهذه القصور أن تنطلق من تفاصيل المكان ومن منجزه الثقافي والحضاري ،لكن المعمار الامازيغي ليس وحده حاضرا في مشهد مبنى القصر
تلالت وقصرها –مرارا وتكرارا قد يغويالمرء أن يعقد مقارنة بين تلالت ،والمرأة التطاوانية ، المحبة والامومية في الوقت ذاته ،ولعل هذا يقدم لنا إجابة عن سر جاذبيتها فالجمال بالتأكيد جزء منها لكن لن يدركه طفيليو الحب أو يميزوه من النظرة الأولى التي تغريه فقط على المداعبة العابرة فهو الجمال لايكشف عن نفسه ،الأ بعد النظرة الثانية أو الثالثة وفقط للساعيين الأجلاء
هذا لايعني أن تطاوين لا تتمتع بمواقع شهيرة ،وقيمة للزيارة ، والمشاهدة ، فقد زارها أكثر من مخرج سنمائي عالمي .
إن من نظر إلى الاعلى وحدق مليا في سمائها سواء تحت سماء صيفية عميقة الزرقة جنوبية ، او من خلال الحاجب الفضي لليلة مقمرة في الشتاء ، لم يستطيع أن ينسى المشهد بسهولة ، وهذا ينطبق على منظر قصر “دباب” على أن جماله لا يكتشف للوهلة الأولى للمتجول العابر بل للساعي الذي يتقدم عبر بوابة القصر، ويقف بعدها أمام صف من البيوتات التي تشكل هذا القصر الأثري الضارب في أعماق التاريخ وهذا القصر الجميل تمتلئ باحته الرائعة بالصور الدينصورات والمجسمات الأثرية المصنوعة من الطين .
عرفت ولاية تطاويين الحضور البشري منذ أقدم العصور وأهم الإكتشافات في هذا المجال محطات ما قبل تاريخية متميزة في عمق (شعاب غمراسن) وهي محطة (أنسفر) –وطاقة حامد- وشعبة المعرك – وهذه المحطات عبارة عن كهوف صخرية تحمل على جدرانها وسقوفها رسوما يرجع تاريخها إلى ماقبل خمسة آلاف سنة قبل الميلاد ،وتحتوى على مشاهد من الحياة اليومية والمعتقدات السائدة في ذلك الوقت سكان هذه المنطقة كما عرفت ولاية تطاوين الحضارة الرومانية بصفتها جهة حدودية بين مجال السيطرة الرومانية ومجال القبائل الامازيغية المستقلة في أطراف الصحراء ، وتبعا لذلك أنشأ الرومان في هذه الجهة منشات ذات صبغة دفاعية وآخرى زراعية كالسواقي والسدود التي لا تزال أثارها إلى اليوم .كما عرفت ولاية تطاوين الفتح الإسلامي وخاصة بعد الحركة الهلالية واستقرار بعض القبائل العربية في الجنوب الشرقي مثل (أولاد دباب ) (والمحاميد) فتفاعلت هذه القبائل الامازيغية مع الفاتحين فانصهر العنصران الا الامازيغي والعربي،بعدما تخلى العنصر العربي على الترحال، فأنسئت القصور المشيدة على المرتفعات الجبلية والسهلية، التي هي عبارة عن معاقل للاحتماء والتحصن في البداية، ثم تحولت الى مواضع للتخزين، وبالتطور اصبحت نواة للحياة الحضرية ،حيث نشأت حولها مدن ك ( تطاوين)
كل الشكر موصول لأهالي تطاوين لما اسبغوه علينا من كرم الضيافة وحسن الاستقبال، وجزيل الشكر لكل القائمين على هذا الفعل الثقافي المميز والهادف لإثراء التراث الشعبي وتقديمه في ابهى حلة تستهوي جلب الجماهير المتعطشة لمعرفة هذا الكنز المطمور ،والشكر موصول لكل الشعراء والمبدعين ،فنانين ،صحافيين مسؤولين ،

تطاوين ياوردة الزائرين. :: ويا فرحة باركتها السماء
وشوقا يؤرقنا من سنين :: للقيا الأحبة والأصدقا ء
فالبسك الحفل ثوبا قشيبا :: تغازله لغة الشعراء
فها أنت جنة عدن تجلت :: ومالت عليك غصون الهوى
فأمسيت قبلة كل الزوار :: وكنوك عاصمة للقرى
———- يونس عبد الحفيظ ( سنان)

L’image contient peut-être : 10 personnes, personnes debout

Related posts