من وحي العلاج النفسي… لعبة الألم

بقلم: د/ منى لاشين

إن كنت تمتلك جرة زجاجية  براقة تبيع بها العصير ذا قطع الثلج الظاهرة، وتدق الطريق في النهار تحت أشعة الشمس الدقيقة، قد يشتري منك بعض المارة بعضًا من العصير اللذيذ المثلج وقد لا يشتري، أما إذا انفلتت منك الجرة وتكسرت ولمع زجاجها وفاحت رائحة عصيرك، هذا ما سوف يحدث بلا شك من تحت نظرات قهرك وألمك ووجن قلبك سوف ينهال المال عليك وتجني ثمن عشرين جرة ولن تتكبد عناء صنع عصير وبيعه لمدة أسبوعين قادمين… هذا المكسب الذي يأتي من تحت الألم لتصير لعبة للحصول على حقوق طبيعية لكن بطريقة مشوهة.

يتكبد البشر عناء تشويه أجسادهم من أجل شحاذة المال فيقطعون جزءًا من أجسادهم ويحرقون جزءًا آخر من وجوههم وأيديهم ويستخدمون أطفالهم نظير تسول المال؛ لأن مجتمعهم لا يوظفهم وهم سعداء ولا يريدهم سعداء بل يشجعهم على ارتداء الثياب البالية القذرة والعيش في وسط قاذورات المباني المتهالكة فذلك شرط لأن يتصدق عليهم بماله حتى بالكاد يستطيعون العيش. وحتى بالكاد يحصلون على حقهم في التكافل.

مجتمع يشجع ثقافة بالية للنجاح من منطلق كلما تنازلت عن مبادئك وتسولت بفشلك وزاد عدد إخفاقاتك فيمكننا أن نعطيك فرصة الآن للنجاح… فالجواد الأصيل هو من زادت كبوته، كلما تألمت وحصلت على قصص ثرية من الفشل كلما زاد ذلك فورًا من فرص نجاحك.

كذلك التشويه يحدث في الأنفس كما في قصة سندريلا المتهالكة البالية الخادمة  الراضية والتي يسوقها (الرفض) للظلم إلى قدر المملكة والحب، يقوم البشر  بتشويه أنفسهم  النقية كلعبة لاستجداء حقوقهم الطبيعية في الحصول على مشاعر التقبل أو حتى الحب، قد يكون ذلك بسبب التربية أو المحاولة والخطأ في مجتمع يمتلك ثقافة مثل تلك؛ لكنه في النهاية هو مفهوم ظالم ومغاير عن النفس المطمئنة التي استلمها البشر من الله نقية.

مشاعر الألم والحزن والظلم أصبحت سهلة الإتقان وكذلك جوائزها فورية ومريحة ليس فيها عناء المسئولية مثلًا ولا تطلب النجاح فيكفي أن أقول أني حاولت وفشلت وأنظر ماذا سوف تجني،، طبطبة واهتمام ويمكن أن تحصل على مال أيضًا.

مجتمع يؤمن بالحسد ويجعله مفسرًا لكل الآلآم والخطايا ويعزز مكافئًا لمشاعر الشفقة؛ فمن يجرؤ حينها أن يتحدث في وجهه عن خبر سعيد وعن قصة ناجحة بدون صعاب وعن مشاعر وأفعال حب ظاهرة في العلن بدون سرقتها في الخفاء… مش عيب!!

يتربى بعض الأطفال منذ الصغر على تحمل مسئوليات شاقة ليست لهم وعلى حمل الأحزان بدلًا عن أهلهم وذلك تحت مسمى الرجولة أو إعداد لأم المستقبل، أو بسبب ترتيبه كبيرًا أو وسطًا لإخوته فترى الطفولة تهدمت وحل الألم وسيلة لاستجداء الحضن والراحة.

النجاح يؤدي بلاشك إلى السعادة ولكن النجاح مرهق والهروب إلى الألم والبؤس الحزن هو هروب من المسئولية الشاقة.

يهرب البعض إلى الحزن والألم هروبًا من مسئولية الحب فعندما تكون محبوبًا في محيطك ستكون مسئولًا ومراقبًا وذلك لا يحدث مطلقًا في حالات الألم، فلِمَ تكون محبوبًا الأسهل أن تكون ضعيفًا يشفق الأقوياء عليك.

الناجح يعني ذلك أنه قوي لا يحتاج لأي شيء لا للتشجيع ولا للحب ولا للقوة، يحتاج لإضعافه حتى لا يكون ناجحًا مختلفًا عن المحيط، لماذا يكون ناجحًا فليكن بائِسًا؛ وتلك البرمجة تلقائيًا تنسج قصص الضعف والفشل في الخيال تتلوها لحظات الحزن والبكاء، فتزداد قصص الفاشل الحزينة واحدة تلو الأخرى كنوع للتأمين النفسي.

يتشدق فخرًا من يظن أن العيش في حالة من الحزن والفشل والألم والشكوى الدائمين هو أسهل طريق للحصول على حقه الطبيعي من الاهتمام والحب والتعاطف…

ارتبط مفهوم الألم بعدة مشاعر منها الأمان بل وثيق الصلة بالأمان، فإذا ارتبط الألم بكونه ألمًا واجبًا وقتيًا خاصًا بالحزن والجرح والضعف وفقط بدون تشويه ولا استمساخ قد نجد أصحاء حينها.
بلغة أكثر سهولة… يطلب بعض البشر حقوقهم الطبيعية من الحب والمشاركة والأنس من خلال وسيلة استجداء التعاطف من خلال ما يمرون به من شكوى وآلام وقصص فاشلة، ويستمرون في ذلك إلى ما لا نهاية (أقصد يستمرون في الإخفاق عمدًا)!!!.

…………………………………………….
لعبة  الألم مرهقة بالية بها خطورة على النفس وعلى المستقبل وثقافة المجتمع كله، مشاعر التقبل والحب والاهتمام لا يدفع لها ثمن وهي حق طبيعي في العلاقات، والآن بوعي قد نبدل مفهوم الألم ونرجعه إلى وضعه الطبيعي ونفصله عن كل ارتباطات وأحزان ومواقف وحتى ملامح الجسد.

أول خطوة بعد تحرير كل المشاعر لأصلها هو  التأكد أن ما وراء مشاعر الألم والضيق هو ليس احتياجًا، فإن كان احتياجًا فهو حق على النفس أن تلبيه، وإن كان موقفًا مؤلمًا فلنعشه وننهه فورًا.

 

Related posts