مستقبل مشوب بالقلق: أزمات الشرق الأوسط وأوروبا بعد عودة ترامب.

كتب :أحمد أشرف
تتزايد تعقيدات المشهد الدولي بشكل يومي، حيث تتصاعد التوترات في الشرق الأوسط مع استمرار حرب غزة، بالإضافة إلى الصراعات المستمرة في السودان. كما تبرز حروب ترامب التجارية والتوترات بين الولايات المتحدة والصين، فضلاً عن تحديات التغير المناخي. وفي قلب هذه الأزمات، تظل الحرب الروسية الأوكرانية نقطة ساخنة قد تؤثر على استقرار القارة الأوروبية.
مع دخول الحرب الروسية الاوكرانية في عامها الثالث، تدخل الأزمة مرحلة حساسة. عودة ترامب إلى البيت الأبيض أثرت بشكل كبير على الديناميكيات التقليدية للأزمات التي تلعب الولايات المتحدة دوراً محورياً فيها، حيث أصبح دعم أوكرانيا ومنظومة الأمن الأوروبي خارج أولويات الإدارة الأمريكية. ترامب يراها كعبء، محذراً من أن الصراع في أوكرانيا هو مغامرة غير محسوبة تجر بلاده إلى حرب بالوكالة مع روسيا.
يبدو أن مساعي السلام بين روسيا وأوكرانيا برعاية أمريكية تقترب من مرحلة حاسمة. قدمت الولايات المتحدة عدة مبادرات منذ تولي ترامب الرئاسة مجددًا، لكنها تواجه صعوبة في إقناع الجانب الروسي بإنهاء النزاع. الضغوط الأمريكية تتركز بشكل أكبر على كييف، مما يشير إلى أن صبر واشنطن قد ينفد قريباً. من المتوقع أن تُطرح مبادرة جديدة في اجتماع بلندن، تُعتبر فرصة أخيرة لتحقيق السلام في شرق أوروبا.
تشير التقارير إلى أن المبادرة الأمريكية تتضمن وقف إطلاق نار فوري، الاعتراف بالسيطرة الروسية على أربع مقاطعات أوكرانية، ورفع جزئي للعقوبات الاقتصادية عن موسكو، مع التأكيد على حياد أوكرانيا. ومع ذلك، فإن أوكرانيا غير راضية عن هذه الشروط، لكنها قد تضطر لقبولها تحت ضغط الولايات المتحدة، التي لم تعد مستعدة لتقديم مساعدات جديدة.
من جهة أخرى، تعبر موسكو عن عدم رضاها عن الصيغة الأمريكية، حيث لا تتضمن جميع الشروط التي تفضلها، مثل تقليص قدرات الجيش الأوكراني وتنازل زيلينسكي عن السلطة.
في تطور جديد، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن هدنة مؤقتة لمدة يومين. ورغم أن هذه ليست المرة الأولى التي تُعلن فيها روسيا عن هدنة، إلا أن رد فعل أوكرانيا وحلفائها قد يختلف هذه المرة، خاصة في ظل تراجع الوضع الميداني للجيش الأوكراني.
بوتين يسعى من خلال هذه الهدنة إلى إظهار حسن النوايا تجاه مبادرة ترامب، بينما تظل روسيا مترددة في الاستجابة الجادة لمقترحات إنهاء الحرب، مستفيدة من تفوقها الميداني لتعزيز موقفها التفاوضي. في ظل المعطيات الحالية، تبقى المبادرة الأمريكية في حالة من الجمود، حيث تظل فرص نجاحها غير مؤكدة. فالجيش الروسي والقوات المساندة تواصل تحقيق تقدم يومي على مختلف الجبهات، بينما يظل الاقتصاد الروسي مستقراً بفضل التعاون الاقتصادي المتزايد مع الصين، بالإضافة إلى رفض العديد من دول الجنوب العالمي الانخراط في العقوبات الغربية المفروضة على روسيا على مدار السنوات الماضية. وبالتالي، يظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موقع قوي خلال المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن أوكرانيا، مما يجعل من الصعب التأثير عليه دون الدخول في جولة جديدة من التصعيد، وهو ما قد يؤدي إلى إطالة أمد الحرب وتوسيع نطاقها، مع ما يترتب على ذلك من عواقب غير مضمونة وقد تكون خطيرة.
وعليه، تجد إدارة ترامب نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما: الأول هو تكثيف الضغط على روسيا من خلال فرض المزيد من العقوبات وزيادة الدعم العسكري لأوكرانيا، مما قد يعيد ترامب إلى النهج الذي اتبعه بايدن في التعامل مع الأزمة الأوكرانية، وبالتالي استمرار الحرب بالوكالة بين روسيا والولايات المتحدة، وهو ما يتعارض تماماً مع رؤية ترامب المعلنة ورغبات قاعدته الانتخابية التي لا تُظهر حماساً لتقديم مزيد من الدعم لأوكرانيا. أما الخيار الثاني، الذي أشار إليه ترامب، فهو الانسحاب من الوساطة وترك أوروبا وأوكرانيا تواجهان روسيا بمفردهما، مما سيؤدي إلى تفاقم النزاع وانتهاء محتمل بهزيمة أوكرانية شاملة، الأمر الذي قد يهدد أوروبا ويجعلها عرضة لتهديد روسي دائم، في ظل تراجع الدور الأمريكي في هذا السياق وتخليها عن التزاماتها الدفاعية التاريخية تجاه القارة الأوروبية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، مما يعني زوال منظومة الأمن والدفاع الأوروبي كما نعرفها اليوم.
تتضح أولويات ترامب الخارجية من خلال تركيزه على تقليص نفوذ الصين، وتعزيز العلاقات الاقتصادية مع شركاء الولايات المتحدة في أوروبا وآسيا، وتأمين التفوق الإسرائيلي في المنطقة، وإنهاء الملف الإيراني عبر الحوار أو القوة، وتعزيز مسار التطبيع بين إسرائيل ودول الخليج، بالإضافة إلى تقليص الالتزامات الأمنية للولايات المتحدة تجاه أوروبا وتهدئة العلاقات مع روسيا من أجل تقليل الشراكة الروسية الصينية.

Related posts