وقفة مع حادثة دير الجماجم “جزء 2”

بقلم / محمـــد الدكـــرورى
ونكمل الجزء الثانى مع حادثة دير الجماجم، فرفض ابن الأشعث وأصر على القتال وحقق انتصارات رائعة، واستولى على أراضى كثيرة، وكان قد فتح بلدا عين عليها نائبا من طرفه يحفظها، وأوغل جدا في بلاد رتبيل، ثم رأى أن يتوقف عن التوغل في تلك البلاد حتى يصلحوا ما بأيديهم من البلاد المفتوحة، ويتقووا بما فيها من الغلات والمحاصيل، ثم يواصلون السير في العام المقبل، ليقضوا على ملك رتبيل للأبد وكان هذا رأيا صائبا سليما، فكتب ابن الأشعث للحجاج بذلك، فلم يعجب الحجاج ذلك الرأي، وأرسل لابن الأشعث يشتمه ويسبه ويصفه بالجبن والنكول، ويأمره بمواصلة السير نحو بلاد رتبيل، وأرسل إليه إن لم يفعل فهو معزول من قيادة الجيش.
وقد جمع عبد الرحمن بن الأشعث رءوس أهل العراق وأمراء الجيوش وأخبرهم بما أمره به الحجاج وقال لهم الرأي ما ترون، ولكني لست بمطيعه، فثار الناس من كل ناحية وقالوا “لا بل نأبى على عدو الله الحجاج بن يوسف ولا نسمع له ولا نطيع” ثم قام عامر بن وائلة الكناني ودعا الناس لخلع الحجاج، ولم يذكر خلع عبد الملك بن مروان ومبايعة عبد الرحمن بن الأشعث أميرا على العراق، فقام الناس كلهم فبايعوا عبد الرحمن على ذلك وقرروا السير لمحاربة الحجاج، فلما توسطوا الطريق قال بعضهم “إن خلعنا للحجاج بن يوسف هو خلع لابن مروان” فخلعوهما وبايعوا ابن الأشعث خليفة، وكانت أول غلطة ارتكبتها تلك الحركة.
لأنه لا يجوز أن يكون الخليفة من غير قريش وعبد الرحمن أصلا من اليمن، فلا تجوز مبايعته بالخلافة، لذلك فقد امتنع بعض أهل العلم الموجودين في جيش عبد الرحمن بن الأشعث عن مبايعته بالخلافة، واكتفوا بمبايعته بالإمارة على العراق، وقد سارت الثورة متجهة إلى العراق ووصلت الأخبار للمهلب بن أبي صفرة أمير خراسان، فكتب لابن الأشعث ينهاه عن ذلك، ويحذره من التسبب في إراقة دماء المسلمين، ثم كتب المهلب إلى الحجاج يحذره من المبادرة لقتال عبد الرحمن ومن معه، لأن أهل العراق لهم شدة في بدايتهم ثم خور في نهايتهم، ولكنه لم يقبل هذه النصيحة وكتب الحجاج لعبد الملك بالأمر وطلب منه الإمدادات اللازمة.
لقمع هذه الثورة فأرسل له عبد الملك بالجنود والأموال، وجعل الناس في العراق ينحازون للثورة حتى عظم أمرها جدا وصار جملة جيش بن الأشعث ثلاثة وثلاثين ألف فارس ومائة وعشرين ألف رجل، وأعد الحجاج جيشا يقارب هذا العدد، وسار لمنع ابن الأشعث من التقدم، وقد حدث أول صدام مسلح بين مقدمة جيوش الثورة ومقدمة جيوش الحجاج بن يوسف، فانتصرت مقدمة الثورة وفتكت بمقدمة الحجاج، وذلك في العاشر ذي الحجة سنة واحد وثمانين من الهجره، فلما وصلت الأخبار للحجاج تأسف، لأنه لم يعمل بنصيحة المهلب وقرر العودة بجنوده إلى البصرة ليعيد ترتيب أوراقه، فأسرع ابن الأشعث بجيوشه الضخمة وراء الحجاج.
ففر الحجاج هاربا من البصرة، ودخلها ابن الأشعث فخطب في الناس وحضهم على قتال الظالمين ودعاهم للسير لقتال عبد الملك بن مروان نفسه في الشام، فوافقه أهل العراق على ذلك بما في ذلك علماؤها وفقهاؤها، وعظم الخطب جدا وكبر أمر الثورة، وأما عن العراق فهو بلد يقع في غرب آسيا يشمل السهول الرسوبية في بلاد الرافدين، والطرف الشمالي الغربي من سلسلة جبال زاجروس، والمنطق الشرقية من الصحراء السورية، وتحده تركيا من الشمال، وإيران من الشرق، والكويت من الجنوب الشرقي، والسعودية من الجنوب، والأردن من الجنوب الغربي، وسوريا من الغرب، ويمتلك العراق قطاع ساحلي ضيق يبلغ ثمانى وخمسين كيلو متر.

Related posts