منفلوط الأصل والمكان

بقلم : سيد عبد الحفيظ خضر

منفلوط مدينة في صعيد مصر تقع على الجانب الغربي من نهر النيل “390كيلو متر” جنوب القاهرة، ويذكر علي باشا مبارك في خططه أن الاسم الأصلي لها منبالوط وهي كلمة قبطية معناها “محط القرابى” أي “الحمر الوحشية” لكن الديانة المصرية القديمة لم تعرف الحمار الوحشي كحيوان مقدس كما أن المنطقة التي تقع بها منفلوط كانت تقدس في العصور الفرعونية حيوانات أخرى منها “البقرة حتحور” والتمساح النيلي وحاول كثير من الرحالة اعطاء تفسيرات أخرى لكلمة منفلوط غير أنهم فشلوا في التوصل إلى معنى محدد لأصل الاسم.
ويقول جيمس بروس إن منفلوط قرية فرعونية دمرها الرومان وأعاد العرب بناءها وتحولت خلال العصر الاسلامي من مجرد قرية إلى مدينة ذات اهمية كبيرة في صعيد مصر.
ويذكر الدكتور حمزة عبد العزيز بدر وهو من المتخصصين في آثار صعيد مصر ويعمل مدرسا في كلية الآداب جامعة سوهاج أن منفلوط أصبحت خلال ذلك العصر الاسلامي إحدى محطات الحج إلى مكة والمدينة المنورة وكان هناك طريقان للحج أحدهما عبر النيل من القاهرة إلى عيذاب ثم يعبر البحر الأحمر والآخر طريق السويس إلى سيناء ويؤكد ذلك ما ذكره كل من ابن جبير وابن بطوطة من أن الحجاج كانوا يتوقفون في منفلوط ليجدوا في أسواقها كل ما يحتاجون إليه.
ويقول الدكتور بدر أن صلاح الدين الأيوبي زار منفلوط ولاحظ أنها مزروعة بأجود أنواع القمح ومنذ ذلك الوقت وجدت هناك شونة سلطانية كبيرة ذات سور وبوابة ضخمة يشنق عليها الخارجون على القانون مثل باب زويلة في القاهرة، وأجرى السلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون سنة 715هجرية- 1315م مسحا لأرض مصر عرف باسم “الروك الناصري” أقر فيه منفلوط كقاعدة للإقليم واستمر هذا الوضع قائما حتى العام 923هجرية 1526م.
ويجمع الرحالة الذين زاروا منفلوط في العصر العثماني على أنها كانت مركزا تجاريا كبيرا ومنهم الرحالة “سونيني” الذي قال إن منفلوط أكبر وأوسع من مدينة المنيا وأن شوارعها أفضل تنظيما كما أن بيوتها تكتنفها أشجار الفاكهة وأن تجارة منفلوط تشمل كل انواع الحبوب وكميات كبيرة من الأقمشة التي كان جزء كبير منها يصنع في منفلوط نفسها، وأحصى علي باشا مبارك في منفلوط ست وكائل و200حانوت وخمسين معصرة وطاحونة.
وتذكر وثيقة الأمير علي كاشف جمال الدين التي نشرها الدكتور بدر أن هذا الأمير كان حاكم منفلوط في العصر العثماني وكان بها ثلاث قياسر ما تزال احداها باقية بينما اندثرت الاخريان وست أسواق بعضها كان ينسب إلى السلع المعروضة هناك بينما يحمل بعضها الآخر أسماء أمراء أتراك مثل سويقة عوض نسبة إلى عوض بك وسويقة محمد بك أباظة احد حكام منفلوط في أوائل القرن الثامن عشر وكان في المدينة ثلاثة فنادق اثنان منها من إنشاء الأمير الكاشف وتذكر الوثيقة أن أحد هذه الفنادق كان يحتوي على 48غرفة بالإضافة إلى استراحة واحدة ومكان لحفظ دواب التجار.
ويعتبر جامع الأمير جانم أكبر جوامع المدينة ويرجع إلى العصر المملوكي ومن طريف ما يذكر عنه ما اورده ابن بطوطة: من أن الناصر محمد قلاوون كان قد أرسل منبرا إلى المسجد الحرام بمكة المكرمة غير ان السفينة التي كانت تحمل المنبر توقفت أمام هذا الجامع الذي كان مطلا على النيل ولم يستطع البحارة أن يسيروا به جنوبا على رغم مواتاة الرياح وأرسلوا إلى السلطان يسألونه إهداء هذا المنبر إلى هذا المسجد فأرسل موافقته ويقول ابن بطوطه: إنه زار هذا المسجد وعاين المنبر المذكور وابدى اعجابه بصنعه وبقيت من هذا المسجد إحدى بوائك الرواق الغربي فقط وسد ما بين الأعمدة واستخدمت هذه البائكة كمسجد صغير وهي بائكة تكتنفها قبة على كل جانب ولو أجريت حفائر امامها لكشفت عن بقية أساسات المسجد الذي يحمل اسم الأمير جانم الأجرودي الاينالي آخر حكام منفلوط في العصر المملوكي.
ومن جوامع منفلوط أيضا جامع الأمير مصطفى أوده باشا 1148-1735 ويتميز بأعمدته الخشبية الثمينة ومئذنة من طراز تتميز به العمارة الإسلامية في الريف المصري وخلف المسجد جبانة أثرية تحتوي على بعض كتابات عثمانية، ومن المساجد المشهورة كذلك المسجد الصغير المنسوب إلى الأمير علي كاشف جمال الدين ويتميز باستخدامه أعمدة من الخشب وبني هذا الأمير وكالة أطلقت عليها وثيقة الوقف اسم فندق تجار الأقمشة الطهطاوية وهي من ثلاثة طوابق وذات مدخل غني بالزخارف الأثرية.

Related posts