قصه شاب فقير

قصه شاب فقير

كتب- صبري الحصري

لم يكن محمد يملك إلا أُجرة السيارة التي استمع من إذاعتها عن عدم توفر مصنعٍ للكراسى في بلده، وذلك عبر إحدى البرامج الصباحية، كان الركاب حينها يتزاحمون على ذات المقاعد، ويتهافتون بعضهم ضجراً من الحياة، فيما ينشغل آخرون بعد النقود التي سوف يدفعونها للسائق، أما هو الشاب الأربعينى من العمر فقد شرد بتفكيره إلى أبعد من المسافات التي تقطعها السيارة العمومية المُتهالكة على الخط للوصول إلى المدينه . توقفت السيارة بعد ساعه إلا عشر دقائق في مركز المدينة، أو كما يصطلح العامة على تسميته بوسط البلد، بعد قام محمد من آخر مقعدٍ في السيارة، توجه إلى عمله، وفي رأسه تساؤلٌ مُلِح عن سبب عدم وجود مصنعٍ للكراسي في بلدته. جلس محمد في مكتبه في إحدى المنشآت الصغيرة؛ حيثُ كان يعمل موظفا وكان لديه خبرة كبيرة فى النجارةً، وكان غارقاً في حيرته، ومُنجذباً في الوقت ذاته نحو فكرةٍ مبتكرة بأن يسعى هو إلى بناء مصنعٍ للكراسي في بلده الديدامون، لكن قلة المال وفقر حاله كانا يمنعانه عن مواصلة التفكير في ذلك المشروع. بعد انتهاء ساعات العمل أقفل محمد عائداً إلى قريته الديدامون، لم يرغب في تناول الطعام الذي أعدته زوجته، ولم يكن هناك حينها إلا شوربة من العدس مع القليل من البصل الأخضر، بالتزامن مع ذلك جاءت

كالعاده ابنته الوحيدة لتطالبه بقليل من المال لتشتري كيساً من حلوى غزل البنات؛ حيث علق صاحب البقالة على واجهة المحل الكثير منها، لكن الأب الشاب لم يكن يملك إلا أُجرة ذهابه إلى العمل ورجوعه منه، ربت على كتف ابنته وهمس لها بكل حنيه: (سأحضر لكى غزل البنات نهاية الشهر القادم). دعا محمد صديقه محمودفي المساء، ليتباحث معه في كيفية إنشاء مصنعٍ للكراسي، وكانت المشكلة الكبيرة هي رأس المال، أما عن الخبرة فقرر محمد اكتسابها مع تجاربه الشخصية بحكم أن لديه خبرة فى النجارة، فبادر محمد إلى فكرة رهن منزله، ثم سارع صديقه محمود للانضمام إليه ودعمه برهن منزله هو أيضاً، لكن ما سيحصلان عليه جراء الرهن لن يُغطي التكلفة الكبيرة للمشروع، ولكن الحماس كان يشتعل في قلب محمد، ولا يُريد التوقف عن البحث عن حلول، فأسرع إلى سماعة الهاتف الأرضي وكلم والدته سائلاً إياها عن توفر أي مبلغٍ بحوزتها، فردت بالنفي حتى توقف محمد يائساً عن الكلام، بعدها بثوانٍ معدودة جاء صوتها بالمبادرة ذاتها، فرهنت منزلها هي أيضاً. بعدما أنهى الشاب الطموح مكالمته مع أمه، أعاد مع صديقه الحسابات؛ ليجد كليهما من جديد أن المشروع يحتاج إلى رأس مالٍ إضافي، حينها قرر محمد تأجيل الحديث عن المشروع، ومشاهدة التلفاز برفقة محمد، وما إن شغّله حتى بدأ الإعلان عن توفر قروضٍ مالية من إحدى الجمعيات جلياً على الشاشة؛ فصفق محمد فرحاً، وقرر في اليوم التالي الانتفاع بقرضٍ من تلك الجمعية، لصالح مشروعه الإبداعي الجديد. بعد مرور عامين ، أنشأ محمد. مصنعاً صغيراً لا يتعدى غرفةً واحدة، ليشرع بعدها لإنشاء المصنع، وتوظيف بعض العاملين الأكفاء، وفي أول مرةٍ أنتج المصنع كمية قليلة من الكراسي، لكنها مدت السوق المحلي بحاجته، كان محمد فرحاً بهذه النتيجة؛ حيثُ اشترى من الأرباح منزلاً جديداً، ومركبةً فاخرة، كما أحضر لابنته كل ما تريد، والعديد من أكياس غزل البنات، وتمكن من فك رهن المنازل الثلاثة، لكنه كان متخوفاً من فشل المشروع في أية لحظة. في إحدى المرات كان يهم محمد بمغادرة المصنع الصغير، لتبدأ عدسات المصورين والصحفيين فجأة بالتقاط الصور للشاب المُكافح، الذي تمكن من تحقيق فكرته رغم الصعوبات، وبعد أقل من عام تمكن محمد من توسعة المصنع ليصدر الكراسي خارج البلاد، ليأتي الخبر اليقين أن مصنعه بات يُشكل ثلثي إنتاج الكراسي.

قصه شاب فقير
قصه شاب فقير

Related posts