تجليات اللغة والاستشراف في قصة ( باي باي ماريكا ) للروائي / يوسف أبو شادي

تجليات اللغة والاستشراف
في قصة ( باي باي ماريكا )
للروائي / يوسف أبو شادي
*************
بقلم الناقد الدكتور / رمضان الحضري

استمرار الجهلاء في نصحهم يعني العودة لمنطقة الفراغ العقلي
وسيطرة الجهلاء على مجالات البحث والطبع والنشر وإقامة الندوات
والمؤتمرات يعني أننا أصبحنا بالفعل في منطقة الفراغ العقلي .
ولايدري إلا الله وحده لماذا وأنا أكتب هذه القالة عن قصة ( باي باي
مريكا ) أتذكر قول ابن الأثير في مقدمة كتابه ( الكامل ) حينما قال :
( ليت أمي لم تلدني لأسجل هذه الأحداث ) ، ربما لأني مهموم كالروائي
يوسف أبوشادي بما دار في عصرنا ويدور في يومنا ، ونملك تصوراً
لدفعه ، ولا نملك تمكنا من تحقيقه ، وندرك نبعه ومصبه وطريق سيره ،
وننصح به ، لكن النصح عندنا لايجدي سواء كان في آوانه أو غير أوانه
**********
إن الذين يكتبون الرواية ويعتمدونها سردا ذاتيا أو خبراتيا أو ثقافيا أو
حكائيا دون أن يضعوا خطوطا للتوجه المجتمعي وعجلة سيره ، فهم
يكتبون ماهية شخصية غير مرتبطة بما حولها ، ولا متفاعلة معه أو
منفعلة به ، ويجرني هذا إلى الحديث عن كثير ممن يكتبون قصة حياتهم
باعتبارها رواية ذات خطاب قصصي ، ظنا منهم أن أحداث حياتهم مفيدة
للناس دون ارتباط هذه الأحداث بحياة الناس ، أو لمجرد عقد مقارنة بينه
وبين جيرانه أو من يقطنون شارعه أو حارته أو ديرته .
في ظني أن النص الروائي في العصر الحديث ، لا أعتبره نصا إذا لم
يحتو على درامية التشكيل وشعرية اللغة بكامل توهجها ، هذا من ناحية
التشكيل ، وهذا التشكيل يستدعي المعلوماتية الجديدة في المجتمع ،
والمشكلات المعقدة بين المجتمع بقضاياه المادية والمعنوية ، ومشكلات
القديم والجديد ، وعدم التواءم بين الأجيال والطبقات ، والأشخاص
والطبيعة ، والفجوات بين الدول ، وعدم فهم الأشخاص لما يدور من
حولهم ، هذه رؤية خاصة بي وغير ملزمة لغيري أن يؤمن بها .
ويقع النص القصصي للكاتب / يوسف أبو شادي في حوالي إحدى
وخمسين صفحة من القطع المتوسط ( 14 × 21 ) فربما وصل عدد
كلماتها إلى ما يقرب من 8000 كلمة ، مما يجعلنا نضعها في قائمة
الأقصوصة حسب التقسيم العددي لللنصوص السردية الذي يعتمد
أن القصة الومضة تبدأ بي 50 كلمة وحتى 1000 كلمة ، وتليها القصة
القصيرة التي تبدأ من 1000 كلمة وحتى 3500 كلمة ويمدها البعض
إلى 7500 كلمة ، وتليها الأقصوصة من 7500 إلى 17000 كلمة ،
ثم الرواية القصيرة التي تصل حتى 40000 كلمة ، فإذا زادت عن هذا
العدد كلمة واحدة تصبح رواية طويلة .
فالنص القصصي ليوسف أبو شادي في دائرة الأقصوصة وهي تتوسط أنواع القص، وهذا يعني أن الكاتب اختار شكلاً مناسباً لقصته التي يحاول أن يقدمها بشكل استشرافي.
والاستشراف أو الاستباق هو الاتيان بأحداث مستقبلية في السرد لم يأت دورها زمنياً، والاستشراف دائما يعطي الكاتب حرية أكثر لأنه يبني الأحداث والحوارات على التوقع وليس على حبكة بتشابك الأحداث ببعضها فشبكة الأحداث في الاستشراف والاستباق مبنية على ظروف غير منطقية، وبعبارة أخرى أن هناك أفكارا في ذهن الكاتب يريد أن يقدمها للمتلقي ويحاول إيهام المتلقي بالتصديق، ويمكن أن نأخذ مقتطفاً من أقصوصة الكاتب يوسف أبو شادي الذي يقول فيه:
العشاء والدعاء
“بعد أن تناول الإمبراطور ووزيره العشاء انتقلا مباشرة للمكتب البيضاوي بالقصر الأبيض، وجدا على الطاولة الموضوعة بينهما كأسين مليئين بأفخر وأندر أنواع الخمور، وخلفهما وضعت الزجاجة بما تبقى فيها، ليستزيدا وليصبا لنفسيهما إن أرادا المزيد حيث انصرف الساقي؛ نظراً لسرية المحادثات التي ستجري بينهما.
ناول الوزير جلالة الإمبراطور كأسه وبعد أن (قرعه- هكذا وردت) قائلاً: في صحة فخامة الإمبراطور المعظم، رشف رشفه من كأسه وقال:
– ما أجمل الحديث مع جلالتكم مولاي وأنت بحالة سكر، أقسم برب هارون وموسى: أنني ما سمعت أحلى ولا أصوب من أحاديثك إلا وأنت فاقد لوعيك وسكران طينة، ولتسمحلي قبل أن أحدثكم مولاي أن أحيطكم علماً ببعض الأمور التي أخفيناها عنك تحاشياً لتهورك وجنونك.. أود سيدي أن أخبرك بسر لم يكن هناك مبرر لإخبارك به منذ أن توليتم عرش إمبراطوريتنا العظمى: وهو أننا نحن من نحكم البلاد والعباد سيدي… بل ونحكمك أنت أيضا دون أن تدري، ونحن من نجعلك لا تدري، لأننا نعلم أنه يجب أن يكون هناك حاكم لكل كيان، أما الشعوب فلا تعلم أن حاكمها ما هو إلا ستارة تخفي من خلفها العديد من حكامهم الحقيقيين، ولهذا فنحن نحميك، وكذلك نحمي عرشك كما حمينا عروش من كانوا قبلك، ولذا فنحن نسمي مستشارينا بالأسياد، في الوقت الذي نجعلك تشعر أنك أنت وفقط السيد الأعلى والوحيد بإمبراطوريتنا التي نحن من صنعناها، وما أنت إلا قاطف للثمار دون أي جهد لمجرد أن مجموعة من البلهاء قد صوتوا لأجلك في الانتخابات.. قال هذا السيد وزير الدفاع، ثم برطم بعدة كلمات غير مفهومة مما أثار حفيظة وفضول الإمبراطور المخدوع.” (الأقصوصة صـ16)
والكاتب يمتلك ذكاءً فطرياً يتضح في الحواريات التلقائية التي نسجها على لغة العامية المصرية واقفاً في وسط المسافة بين الفصحى والعامية وكأنه محلل استراتيجي في إحدى القنوات الفضائية العربية وهذا المحلل يخترع فضاءً قصصياً ويعلق عليه ويحاول أن يقنع المتلقي بصدق الحادثة المتخيلة وصدق التحليل على هذا التخيل، كما يملك ذكاءً ثقافياً من خبراته المعرفية والحياتية وقراءاته المتعددة وتحليله لما قرأ، فيدرك أن جميع الحضارات إلى زوال، وبعبارة أخرى؛ أن كل حضارة من الحضارات حينما تنتهي دورتها الرئيسية تحل بعدها الحضارة التي تستطيع أن تمتلك الحضارة السابقة، فالحضارة الإسلامية امتلكت حضارتي الفرس والروم وبنيت على انقاضهما الحضارة الإسلامية، والحضارة الأوروبية امتلكت الحضارة العربية الإسلامية فبنت على أنقاضها الحضارة الغربية، والحضارة الأمريكية امتلكت الحضارة الغربية فبنت على أنقاضها حضارتها، ولا زالت الحضارة الأمريكية تقوم بدورها ويتوقع الكاتب أن الحضارة الصينية سوف تقوم على أنقاض الحضارة الأمريكية، ومما لا شك فيه أن التوقع بقيام حضارة على أنقاض حضارة أخرى أمر ليس بالسهل كما يظن الكاتب أو نظن نحن، فلربما الصين تكون الوريث ولربما اليابان وكوريا ولربما روسيا، حيث إن خطوط بناء الحضارات لا يظهر بريقها إلا بعد السيطرة النهائية للحضارة ويتضح ذلك حينما بدأت الحضارة العربية بالأفول فقد كان الوريث الشرعي لها هم الأسبان والبرتغال، ولكن قفز الفرنسيون والانجليز على الحضارة العربية وأصبح الأسبان والبرتغاليين تابعين لحضارة فرنسا وانجلترا.
والمثير في هذه الاقصوصة أن الكاتب يعطي الحكمة على لسان عربي، ويعطي مثال الضعف على المثال العربي، وربما هذا هو السر الرئيس في تناول الكاتب تعدد اللغات في الأقصوصة عن طريق العامية الفجة والتي يمكن أن نلاحظ فيها بعض ألفاظ السوقة وفجأة نجد الفصحى المنمقة بلغة السياسيين المحنكين، فالفارق الكبير الذي حدث داخل الإطار اللغوي يساوي تماماً الفارق الكبير بين الحضارة الأمريكية وتأخر الدول العربية، ولأن الأسباب غير معروفة في تنوع اللغة وتعددها فهي أيضا غير معروفة في تقدم دولة وتأخر أخرى، فالكاتب يستشرف بتوقع دون منطق ويحلل بمنطق لما يتوقع.
أما كيف تجلت اللغة في هذه الأقصوصة؟ وكيف تجلى الاستشراف؟ فإن هذا سوف يكون في اللقاء القادم إن شاء الله.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، ‏‏بدلة‏‏‏
ربما تحتوي الصورة على: ‏نص مفاده '‏باى باى ماريكا BYE BYE MARICA مجموعة قصصية للأديب يوسف أبو شادي‏'‏
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص أو أكثر‏‏

Related posts