الكتابة والولادة المتجددة

الكتابة والولادة المتجددة

بقلم الناقد البشير الجلجلي
تونس. متابعة إيمان المليتي

مذ أمسكت كتابي الأول للأطفال منذ ثلاثين سنة ” الهاتف المجنون” …حينها رأيت ولادتي من جديد وفهمت قول أمّي خُميسة –رحمها الله- وهي تذكّر اخوتي الثمانيّة بأنّ ولادة طفل تعادل ولادة العالم….كذا –أمّي- ولادة كتاب من رحم أفكار الكاتب تعادل ولادة الكون وتشكّله…فالكاتب يخزّن أفكاره في رحم ذهنه ويظل يرعاها حتّى يشتدّ عودها ، وعندما يحين حينها تولد بدمها ومخاضها فيشب الكتاب بين النّاس وتتعالى التباريك …ألم تقم الاحتفالات وتُذبح الذبائح عند ولادة شاعر في الجاهليّة. فقد توسّدت الكتاب و قبّلت حروفه و تخاطبنا وترافعنا ونمنا جنبا إلى جنب…أفقت صباحا ، وجدت أمّي التي لا تتقن العربيّة تهمس إلى الكتاب همسها لي…كن أمينا فأنت ابن ابني….تظاهرت بالنوم لأستمتع بمناجاة بنات أفكاري من أمي وأم أفكاري…
ولمّا نشرت أوّل مقال لي بمجلة الاتحاف حول البشير التلمودي قبل عشرين عاما أو يزيد انتابتني رعشة عند إمساك المجلة بين يدي وظلت أوزع نظرات الحب بين النّاس كأنّي أمسك العالم في قبضة يدي…وكلّما قابلت أحدا من الأصدقاء أطلعه على المقال…بعدها تعددت المقالات وأصبح الأصدقاء يطلعونني عليها لسهو مني لتعددها لتعدد محاضراتي في المدن التّونسية…
أمّا أول مقدّمة لي لكتاب منشور كانت قبل عشر سنوات للمجموعة القصصية ” وعاد البحر إلينا أخيرا …” لعمر السعيدي وقتها أيقنت أن الولادة متجددة و أنّ قلم الكاتب كالأرض يُخصب بالحبّ و العلم….فلا زرع ولا حصاد دون حب وعلم. وتتالت المقدّمات وتتالت الولادة…
وهو ما شعرت به عند ولادة كتابي النّقدي الأول “العجائبي في الرواية العربيّة ” ، وكتابي ” هكذا تكلّمت السيدة “ك ” لغات العالم” .و كتابي ” العجائبي في أعمال إبراهيم الكوني الرّوائيّة( بحث في سرديّة التعجيب) ” كذلك .وهو صادر عن منشورات سوتيميديا سبتمبر2020 . فقد احتضنت أولادي (كتبي) ولم أستطع أن أميّز بينها. فكل كتاب يولد كأنّه كتابي الأول…
فالكتابة –إذن- مقرونة بالولادة: ولادة كتاب أو مهرجان أو ملتقى أو مشاركة في كتاب . لأن الأوّل في كل شيء مغر …وما الحبّ إلا للحبيب الأول…ولكن الإنسان يعيش الحبّ مرات ومرّات .وكلّ مرّة يعتقد أنّه الحبّ الأول…كذا الكتابة هي تورّط وعشق مفضوح يتجدد…فقد صحبت الأديب الراحل البشير التلمودي وأنا أكتشف رحلتي مع الكتاب …واقترحت عليه أن نشرف في مهرجان للشبان على النصّ الأول والقصيدة الأولى و قصّة الطفل الأولى …وكانت النتائج عظيمة ، نتاجها الكثير من الكتاب والشّعراء في الساحة التونسية والعربية كالأردنية نوران ملكاوي و التونسية رانية عفاس وغيرهما…فكانت الولادة متجددة حتى رحل التلمودي وشققت الطريق مع أصدقائي العرب…وقتها فهمت أنّ الكاتب يرسم ولادته في كلّ كلمة يحبّرها …وأنّ حياتي هي رحلة بين الحروف والكلمات وهي البياض رغم أننا نكتب بالسّواد…فقد نرسم الفرح وفي ذواتنا جرح العالم …وقد نبسِم للنّاس وجيوبها خاوية وأطفالنا جائعون …ومع ذلك نكتب للإنسانية ، للتاريخ ، للفرح ، للوطن، للأمّ التي تنتظرنا كل مساء حتى نعود…فإن فقدت أمّك لن يسألك أحد متى وصلت ,هل وصلت سالما؟…كتبي بعد غياب أمّي ، تسألني أن أعود سالما…أن أقاوم وأن أنبش في الصّخر ،و أن أزرع كل يوم وردة سلام وحب، و أن أصعد السماء وأقطف النجوم وأزرعها في جيب ابني لعبا وكتبا… وأن أبكي في سرّي وأكتب أنا أسعد المخلوقات…كذا نحن معشر الكتّاب نموت من أجل طفل يقرأ قصة لك وهو يرعى الأغنام في الجبل، من أجل مراهق يقول لك بعدما قرأ لك مقالا أنّني معلّمه وأنّ الفضل لي كي يصبح كاتبا….
ليلة وضعت كتبي على مكتبي أمامي ،حدّثتها عن رحلتي معها وكيف جلبت كساءها من كل أصقاع الدّنيا …معلومة من هنا وفكرة من هناك وأخرى من بلاد الثلج ورابعة من موطن أفريقيا السّمراء وخامسة من أندلس وشام وسادسة من قدس وسابعة من ديوان المبتدأ والخبر وووو وألف من بنات أفكاري وتأملاتي….تأملّتها ، تصفحت ورقات العمر في صفحات مملوءة أسطرا قد يفرح بها باحث جادّ وقد تضيق برجل قلق فيرمها من النّافذة أو في أحسن حالالتها يلقي بها إلى بائع متجوّل فيعرضها على قارعة الطّريق…يأكلها القرّ ويصلها الحرّ…فتتمزّق ورقات العمر على أرصفة همّ صاحبها أن يتخلّص منها بدينار….أيعقل أنْ أبيع أفكاري بقرقوف….تنهدّت كتبي وترافعت مع بقية الكتب المعلقة بنظام في رفوف خشبية توحي بالأناقة ….جاء الصوت متهدّجا: “أأأننننتتتت السببببب…..”التفت مذعورا فواصلت حركة شفاهها منفرجة:” إلى إلى متى تحبسنا أيّها الظالم….ألم تصنعوا ربيعا…. وثورة” ….
تراجعت إلى الخلف أبحث عن مجاز يخلصني من هذه الأصوات المهوّشة….بانت فتحة في الباب قد انفرجت عند دخولي ….خطوت خطوة وثانية ….واستمعت إلى رجّة هزّت أركان المكتبة كأنه الرّعد في شتاء مظلم ….تراقص الضوء كأنّه انفلاق برق .لم أعد أميّز مجازاتي ولا سبلي …لم أفهم ما يحصل…
نزلت الدّرج مسرعا فإذا بالكتب تلاحقني يقودها “العجائبي”رئيسا للثورة…وتساعده” السيّدة ك” في هجومها…ابتعلتني الأرض وأنا أجري …عليّ أهرب من ثورة الكتب…بعدما حبستها ثلاثين عاما ، كل سنة أحرّر منها عشرة أو عشرين كتابا وهي بالآلاف…
أفقت من حلمي فوجدت خدّي يتوسط كتابي الأوّل …”الهاتف المجنون” .ألم أقل ما الحبّ إلاّ للحبيب الأوّل….
بقلم الناقد:البشير الجلجلي-تونس

Related posts