مغربي يُهيء “أطفال الفقراء” لثورة صناعية رابعة

  • تاريخ النشر :
  • عدد المشاهدات : 88 4 5

بقلم خليفة مزضوضي من المملكة المغربية

على بُعد سنتين، سيكمل الشاب المغربي شريف حميدي عقده الثالث بحصيلة مهنية مثيرة للاهتمام؛ فقد سخّر هذا الشاب القادم من وزان أفكاراً جديدة لدعم التعليم الجيد لدى الأطفال المحرومين رغم تخصصه الدراسي في الخدمات البنكية والاستثمارية والاستشارة الإستراتيجية.

بروز اسم شريف حميدي كان ضمن قائمة مجلس فوربس، في نسختها العربية للشرق الأوسط، إذ تألق وأبدع إلى جانب 29 شاباً وشابة من الدول العربية أقل من 30 سنة، وهو اليوم فخورٌ بما قدمه للتلاميذ في مناطق نائية، داخل المغرب وخارجه، وتحدوه رغبة جامحة في تقديم الأكثر في سبيل التعليم.

تخرج حميدي من جامعة بارك بولاية ميسوري الأمريكية مُتخصصاً في الاقتصاديات المالية، وبعد مسيرة متميزة اختير ضمن الفاعلين في منتدى الاقتصاد العالمي لسنة 2015، ليتحول بعد من العمل في مجال بنوك الاستثمار والاستشارات الإستراتيجية إلى ريادة الأعمال عبر إطلاق مؤسسة “Ed 4.0” غير الربحية التي تعنى بالتعليم.

اشتغل شريف لسنوات لفائدة الحكومات ووزراء التعليم في عدد من الدول العربية مكلفاً بوضع إستراتيجيات وإصلاحات تعليمية، وساهم محيطه الأسري الذي يضم أساتذة وبيداغوجيين في اهتمامه بالتعليم مبكراً، إذ بدأ مشروعه ببحث لدراسة النماذج التعليمية المستوحاة من الثورة الصناعية الرابعة لفائدة الشباب الذين لم تتوفر لهم فرصة الولوج إلى تعليم جيد.

أمضى سنوات في الإمارات مشتغلاً في ميدان التعليم، إلى أن تلقى في يوم من الأيام اتصالاً هاتفياً يحمل خبراً غير سار..كانت والدته مريضة جداً، وهو ما دفع إلى ترك وظيفته ليعود إلى المغرب للسهر على رعايتها، وهو ما أتاح له وقتاً في القرية للهروب من ضجيج المدينة.

يحكي حميدي في حديث له: “خلال مقامي هناك في قرية تروال نواحي وزان كان الأطفال يملؤون الأزقة بالضحك الصاخب، وحدث أن قابلت ثلاثة أطفال من الحي وسألتهم لماذا لا يدرسون، وأجابوا بأجوبة عدة: المدرسة بعيدة جداً..أجد صعوبة في فهم ما يقوله المعلم..يجب أن أبقى للعمل مع أبي”.

هذه المحادثة البسيطة دفعت حميدي إلى استغلال مقامه في القربة ليعلم أطفال الحي باستعمال أساليب تدريس مبتكرة، بالاستفادة مما طوره ببعض الأجهزة اللوحية والهواتف الذكية المتوفرة لديه، وأشار إلى أن هؤلاء الأطفال بالكاد كانوا يتعرفون على الأرقام، لكن في غضون أيام قليلة تمكنوا من إتقان العمليات الجبرية المتقدمة وبعض مفاهيم الحساب.

شغف الأطفال إلى التعليم بأساليب جديدة ومبتكرة جعلهم يبادرون هذه المرة؛ فبعد أسبوع من تلقينهم أول الدروس توجهوا نحو منزل شريف في القرية وطلبوا منه تعليمهم بعضاً من الرياضيات، وهم يقولون: “أستاذ أستاذ عفاك نلعبو الرياضيات”.

صورة الأطفال وهم يتوسلون فرصة للتعلم جعلت شريف يحدد هدف حياته: “إطلاق ثورة تكنولوجية في التعليم تهدف إلى تطوير المهارات المعرفية للشباب والأطفال مع رؤية لتعزيز الرخاء الاقتصادي والعدالة الاجتماعية”.

ساهمت مؤسسة شريف في تطوير أساليب تدريس مبتكرة، وتقوم حالياً بتسجيلها في براءات اختراع، إضافة إلى تنفيذ عدد من المشاريع البحثية التي تدرس تأثير التكنولوجيا والأساليب التعليمية، كما كان لها الفضل في تحقيق تأثير اجتماعي لأكثر من 1000 شاب وشابة في المغرب والبوسنة والإمارات.

ويعتبر حميدي أن هذا النجاح الذي حققه ليس نتيجة عمل فردي، بل ثمرة فريق متفانٍ وشغوف بالتعليم ومستقبل الشباب، وأضاف: “الفضل الكبير أيضاً يعود لزوجتي وشريكتي نايدة، فهي خبيرة في علم التربية والتعليم المعرفي، والمسؤولية البيداغوجية لمؤسستنا”.

يعمل فريق مؤسسة شريف بلا كلل لإيجاد الحلول الأكثر إبداعاً وفعالية للشباب غير المتوفرين على تعليم جيد، ويشدد على أن تحديد الهدف والعمل الجاد والانضباط مكونات أساسية لأي مشروع كبير.

ويؤكد أنه “لا يمكن الحديث عن النجاح إلا عندما تكون لدى شبابنا كل القدرات المعرفية والإبداعية والمبتكرة اللازمة للتفوق في الثورة الصناعية الرابعة ودفع بلادنا إلى الأمام”.

ويلخص الشاب المغربي مؤسسته بكونها مقاولة اجتماعية تلتزم من خلال تكامل التكنولوجيا بإعداد شباب مواطن استعداداً للثورة الصناعية الرابعة، عبر تطوير برامج مبتكرة ترتكز على التعليم المتنوع (البيداغوجيا الفارقية)، وحلول التكنولوجية التعليمية لتحسين المهارات المعرفية وتعزيز الإبداع وتكوين تفكير ناقد لدى الأطفال المحرومين من تعليم جيد في دول إفريقيا كما في الشرق الأوسط.

وتشتغل مؤسسة Ed4.0 مع الهيئات الحكومية والشركات والمنظمات غير الحكومية وشركات الاستثمار من أجل تطوير برامج للشباب وإعداد الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية؛ فضلاً عن مشاريع الابتكار في التعليم. وباستخدام مداخيل هذه الخدمات تقوم المؤسسة بتطوير برامج التعليم الهادفة إلى تطوير المهارات الأساسية والمعرفية في الحساب والقراءة والكتابة؛ فضلاً عن الإبداع والابتكار لدى الشباب والأطفال.

تجربة شريف حميدي في مجال التعليم تدفع إلى استجلاء رأيه في التعليم بالمغرب، فيقول: “التعليم ليس مسألة سهلة، والحكومة المغربية تقوم بمجهود لتحسين التعليم العمومي في جميع أنحاء المغرب. وبحكم معرفتي الجيدة بمجال التعليم فإن هذا الأخير يجب أن يكون أولوية مطلقة”.

واستشهد في هذا الصدد بجاك ما، رجل الأعمال ومؤسس مجموعة علي بابا خلال المنتدى الاقتصادي العالمي، حيث قال إن التعليم في العالم يحتاج إلى إصلاحات كبيرة، والجزء الحساس في هذا الأمر ليس المحتوى هو الذي يحتاج إلى تغيير جذري، بل يجب تحديثه باستمرار، لكن ما هو في حاجة ماسة إلى التغيير هو “كيفية الأشياء” le comment des choses.

ويضيف حميدي في هذا الصدد أن الربوتات يمكن أن تحل محل 800 مليون وظيفة بحلول عام 2030، ولهذا يؤكد أن العالم “لا يحتاج فقط إلى إيجاد بدائل من شأنها كسر النموذج التعليمي ذي التكلفة الثابتة، بل يحتاج أيضاً إلى تطوير طرق تدريسية وأساليب جديدة تعزز مهارات شبابنا وتمكنهم من التعليم وإتقان أي مفهوم جديد ستطلقه الثورة الصناعية الرابعة”، وزاد: “وهذا ما نحاوله تحقيقه في مؤسستنا”.

جدير بالذكر أن مقر مؤسسة شريف حميدي يوجد في المغرب، ولديها مكتب بدبي منذ عام 2016. ويعمل في المؤسسة 46 أستاذاً موزعين بين أفراد في المجتمع المدني وباحثين وطلاب جامعات، وأعدت حتى الآن 9 خيام في 28 موقعاً في المغرب لتعليم المئات من الأطفال.

كلمات المشاركة

تعليقات الموقع

تعليقات الفيسبوك

ابحث معنا

مساحة اعلانية




اخبار عالمية

وزير التعليم العالى يبحث آليات التعاون العلمى مع رئيس هيئة الجايكا اليابانية

كتبت انجي ملاك استقبل د. خالد عبد الغفار وزير التعليم العالى والبحث العلمى تريوكى إيتو رئيس هيئة الجايكا اليابانية عن…

شاركنا صفحتنا